Sunday, April 17, 2005

الجهاد عنوان حياة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الحارث السواحري الجهادي

بسم الله الرحمن الرحيم

المتفجرات

ودورة اعداد بسيطة

أقدمها للجهاد وأهله وهذا جهد المقل

حسبنا الله ونعم الوكيل

سلسلة الإعداد للجهاد
الحلقة الثامنة
العبوات والمتفجرات
الحمد لله معز المؤمنين ومذلّ الكافرين .. والصلاة والسلام على قدوة المجاهدين وإمام النبيين المبعوث بالسيف بين يدي الساعة رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد : فهده الحلقة حول العبوات والمتفجرات وكيفية التعامل معها والتحضير لها وطرق استعمالها وتفجيرها.

أولا : مقدمة في المتفجرات :-
- لم يذكر التاريخ متى بدأ استخدام أول مادة مفرقعة وربما كانت النيران اليونانية الشهيرة التي ظهرت في بلاد اليونان سنة 673 ميلادية شيئا يشبة المفرقعات أو الألعاب النارية ، وقد ظهر سنة 1300م مخلوط مكون من فحم الكربون والكبريت وملح البارود ( نترات البوتاسيوم ) ، وكان هذا المخلوط حتى سنوات عديدة هو المادة الوحيدة المتفجرة والمعروفة باسم البارود الأسود .
- وقد عرفت أوروبا البارود الأسود سنة 1313م كمادة دافعة للمقذوفات على يد راهب ألماني ، ولكن اغلب الظن أن العرب كانوا أسبق الناس الى معرفته واستخدامه في حروبهم قبل ذلك بنصف قرن تقريبا حيث ذكر ابن خلدون أن أحد ملوك العرب استخدمه في الحرب سنة 1273م.
- تطورت المتفجرات كمادة يمكن استخدامها كمصدر للطاقة في أغراض التدمير في النصف الأخير من القرن التاسع عشر حيث توصل العالم السويدي الفريد نوبل سنة 1867 الى إعداد مركب النتروجلسرين .
- قام العلماء بعد ذلك بتطوير المتفجرات باستخدام النتروجلسرين واضافته الى مواد أخرى والتوصل الى أنواع كثيرة أخرى كما ظهرت مركبات خالية تماما من النتروجلسرين ، وتستخدم المتفجرات حاليا بصورها المختلفة في الحروب ، كما تستخدم أيضا أنواع منها بصورة امنه في الأعمال المدنية .
ثانيا : تعريف المتفجرات :
هي مركبات كيميائية غير ثابتة التركيـب لها القدرة علــى أن تتحـــول بمؤثر خارجـي مثــل ( الطرق - الحرارة - اللهب ) الى كمية ضخمة من الغازات ذات ضغط كبير مصحوبة عادة بحرارة عالية وضوء ولهب وصوت .
وحتى يمكن توضيح الاستخدامات المختلفة للمتفجرات ، فيجب التعرف على خواصها من ناحية القوة المؤثرة الناتجة عنها ، وتنقسم المتفجرات من حيث سرعة التحول الى قسمين :

أ - المتفجرات البطيئة:
هي أنواع من المتفجرات عند احتراقها تتحول تدريجيا وببط ء نسبي مما يكسب الغازات الناتجة عنها ضغطا منتظما له خاصية الدفع بسرعة متزايدة ، وهي لاتعطي انفجارا وإلا فقدت الغرض الأساسي منها ، ولذلك تستخدم في تعبئة خراطيش المقذوفات ومن أمثلتها الكوردايت والبارود الأسود.
خواصها :
1. يتم تحولها الى غازات يصحبها صوت وضوء ولهب
2. سرعة الاحتراق من صفر - 400 متر/ ثانية .
3. الغرض منها إعطاء قوة دفع .
4. يمكن التحكم في سرعة التحول بواسطة التحكم في السطح المعرض للاحتراق .
5. تستعمل في دفع المقذوفات ولذلك سميت بالمواد القاذفة .

ب - المتفجرات السريعة:
هي أنواع المتفجرات التي تتحول تحت تأثير المؤثر الخارجي الى انفجار بسرعة كبيرة ويتولد عنها غازات ذات ضغط كبير لها قوة تدميرية هائلة
خواصها : 1. يتم تحولها الى غازات بسرعة كبيرة مصحوبة بحرارة وصوت وضوء ولهب .
2. سرعة التحول الى انفجار بين 3000 - اكثر من 8500 متر/ ثانية
3. يجب الإشـــارة الى خواص المتفجرات السريعة أنها ( شديدة الانفجار).
السرعة الانفجاريه:
هي السرعـة التي تنتقل بها موجة الانفجــار داخـل جزيئات المـادة وتتــراوح عــادة من 3000 الى اكثر من 8500 م/ث .
قوة الانفجار:
هي كمية الغازات الناتجة عن كمية معينة من مادة شديدة الانفجار أي إنها تتوقف مباشرة على حجم الغازات الناتجة عن الانفجار .

الشراسة:
هي مقياس لمدى قوة مادة شديدة الانفجارعلى تحطيم الأغراض وإذا كانت قوة الانفجار تقاس بحجم الغازات الناتجة فان الشراسة تقاس بسرعة تولد هذه الغازات .

الحساسية:
هي مدى قابلية المادة الشديدة للانفجار تحت تأثير العوامل المؤثرة الخارجية التي تسبب التفجير مثل الحرارة - الصدمة .
ثالثا : الاستخدامات المختلفة للمتفجـرات :
تنقسم المتفجرات من ناحية الاستخدام الى : :
1. مواد قاذفة - تستخدم في تعبئة خراطيش المقذوفات ولها خاصية الدفع مثل البارود الأسود والكوردايت .
2. مواد بادئة - هي مواد حساسة جدا للمؤثر الخارجي وتستعمل بكميات قليلة جدا وبكثافة عالية وتستخدم في صناعة الصواعق والكبسولات وأنواعها :
مواد بادئة احتراقية - وهي عند إثارتها تعطي لهب . مواد بادئة انفجارية - وهي عند إثارتها تعطي موجة انفجارية . 3. مواد شديدة الانفجار - تستخدم في الأغراض العسكرية كما تستخدم في الأغراض المدنية في أعمال هدم المباني وإنشاء الطرق وشق الأنفاق وأعمال المناجم وتكسير الصخور وخلافه .
4. مواد مشكلة - وهي مركبات لانتاج الدخان والمركبات الحرارية وتشمل المركبات المضيئة والإشارة والحارقة والكاشفة التي تستخـدم في الأغراض العسكرية والألعاب النارية و إشارات الاستغاثة .

رابعا : المتفجرات المستخدمة في الأغراض المدنية :
• يقصد بذلك المتفجرات التي تستخدم فقط في الأغراض المدنية ، وغالبا ما تكون على هيئة مسحوق أو عجينه حتى يمكن تعبئتها في حفر التفجير ، وعادة لاتزيد سرعتها الانفجارية عن 5000 متر / ثانية ، أما المتفجرات العسكرية فيمكن استخدامها في الأغراض العسكرية والمدنية ، وتستخدم المتفجرات المدنية في تنفيذ إقامة الطرق وشق الأنفاق وأعمال المناجم وتكسير الصخور واعمال التفجير تحت الماء وخلافه وهذه الصورة توضح مبنى تم تدميره بواسطة المتفجرات المدنية .
خامسا : بعض المواد المتفجرة وسرعة وانفجارها :
البارود الاسود السرعة الانفجارية 300-400متر/الثانية
نترات الأمونيوم السرعة الانفجارية2500-2700متر/الثانية
سلوركس السرعة الانفجارية3500-4000متر/الثانية
الباروجيل السرعة الانفجارية4500متر/الثانية
فلمونات الزئبق السرعة الانفجارية4500متر/الثانية
أزيد الرصاص السرعة الانفجارية4500متر/الثانية
أمانول السرعة الانفجارية4500متر/الثانية
TNT السرعة الانفجارية6900متر/الثانية
تتريل السرعة الانفجارية7500متر/الثانية
النيرتوجلسرين السرعة الانفجارية 7500-8000متر/الثانية
مركب الC4 السرعة الانفجارية8000متر/الثانية
الRDX السرعة الانفجارية8350متر/الثانية .

سادسا: كيفية التفجير ::
ويتم استخدام الفتايل و الصواعق في تفجير عبوات المتفجرات ونوضح فيما يلي أنواع الفتايل والصواعق المستخدمة في التفجير :
أ - أنواع الفتايل :
1. فتايل اشتعالية ( فتيل الأمان ) يشتعل بسرعة 1سم/ثانية وهو عبارة عن حبل معبأ بالبارود الأسود .
2. فتايل مائية و فتايل سريعة
ب - أنواع الصواعق ( المفجرات ) :
1.الصاعق الطرقي
2. الصاعق الكهربائي - ويستخدم معه أسلاك توصيل الكهرباء وبطارية التفجير الكهربائي و منه نوع ينفجر لحظيا ونوع آخر ذو توقيت.
مسافات الأمن للأفراد بالنسبة لعمليات التفجير::
مسافات الأمن للكائنات الحية عموما بالنسبة للكميات المختلفة من المتفجـرات عند إجراء عمليات التفجير هي كالتالي لو كانت الكمية المتفجرة 15 كيلو جرام فان مسافة الأمان تكون 32.متر ومسافة الأمن من 16 الى 30 كيلو جرام تكون 400 متر أما من 31 الى 60 كيلو جرام فتكون مسافة الامن 500 متر طبعا مع مراعاة أن تكون المواد المتفجرة غير حاوية على الشظايا فنحن نتحدث هنا عن الأمن من موجة الانفجار فقط .
المواد التي تعتبر في حكم المتفجرات::
نترات الأمونيوم وسماد نترات الأمونيوم , بيروكلورات الأمونيوم , بكرات الأمونيوم ,ثلاثي انيترو أنيلين , ثلاثي النيتروكلوروبنزين , ثلاثي النيتروبنزينTNP , النيتروجلسرين ومركباته , والفلمونات بأنواعها , بيروكسيد الأسيتون , بيروكسيد الهكسامين , التتريل , الأملاح البوتاسيومية والعديد من المواد الأخرى المحظورة من قبل الأجهزة الأمنية التي تخدم مصالح العدو . في القريب بأذن الله نكمل الموضوع ونتحدث عن قواعد الأمان للعمل ومن ثم نبدأ بالعمل لا تنسونا من صالح دعؤكم وفقكم الله الى ما يحبه ويرضاه.
المواد المطلوب الحصول عليها لصناعة المتفجرات :
1- السكر المطحون ونحصل عليه من المنزل.
2- نترات البوتاسيوم ونحصل عليها من محلات بيع الادوات الزراعية وتستخدم كسماء وتسمى ملح تشيلي أحيانا.
3- كبريت أصفر زراعي.
4- نترات الأمونيوم.
5- الهكسامين مادة علاجية لعلاج أمراض الجهاز البولي.
6- ماء الأكسجين يستخدم في التطهير وفي صباغة الشغر متوفر في الصيدليات بتركيز 6 %و 9% ولكن المطلوب تركيز 30% ويوجد بالمستشفيات.
7- حمض الكبريتيك المركز "ماء البطارية" يسخن حتى تخرج ابخرة بيضاء ليتم تركيزه.
8- حمض النيتريك إن لم يكن متوفر فيمكن تحضيره وسنتحدث عن ذلك تفصيليا.
9- الاسيتون "مزيل ملون الأظافر للنساء". التركيز المطلوب 60%
10- يوريا سماد زراعي رخيص ومتوفر.
11- جلسرين "مطري للجلد" موجود في الصيدليات ويستخدم في صناعة الصابون.
12- كحول ايثيلي "اسبيرتو" مطهر موجود بالصيدليات التركيز المطلوب 90%.
13- زئبق فضي موجود بالترمومترات وعند أطباء الأسنان.
14- كربونات صوديوم "كربونة الطعام"
15- بودرة الومنيوم البرادة الموجودة تحت مناشر الألومنيوم.
16 - الفينول من أقراص الاسبرين ان لم يكن متوفر.
17- بنزين.وزيت محروق وسولار.
18- فحم نباتي مطحون "فحم عادي من البيت طنباتي وليس حجري.
19- نشارة خشب ناعمة.

هذه مجموعة من المواد المطلوب الحصول عليها وسنبدا باذن الله بالتحدث عن الحمضين الأساسيين في صناعة العديد من المتفجرات وهما : حمض الكبريتيك وحمض النيتريك في التكملة المقبلة باذن الله ومن ثم نبدأ بتحضير البارود بأنواعه ومن ثم نتعمق أكثر في المتفجرات أثابنا وإياكم الله ، بسم الله نبدأ وعلى بركة الله نتوكل :تحضير أهم الأحماض المستخدمة في تصنيع العديد من المتفجرات الشعبية والمتفجرات الكلاسيكية هما حمض الكبريتيك وحمض النيتريك وسنتناول كيفية الحصول عليهما تفصيليا.

أولا:حمض الكبريتيك:
حمض الكبريتيك هو ماء البطارية ويمكن شراؤه بسهولة من محلات تعبئة البطاريات وهو متوفر ولكن بتراكيز قليلة جدا. ولنعرف تركيزه نتبع ما يلي. تعرف الكثافة بأنها الوزن /الحجم اذن لنقول أن عندنا مثلا 100 ملل من حمض الكبريتيك ونريد أن نعرف تركيزه نوزن 100ملل منه ونقسم الوزن على الحجم ونرى الناتج. حمض الكبريتيك تركيز 90% كثافته تكون 1,48 غرام لكل سنتم ونقيس على ذلك. ولتركيزه نقوم بتسخينه في اناء زجاجي ضد الحرارة حتى يقل حجمه الى الثلثين تقريبا بعد صعود أبخرة بيضاء وبذلك يكون الحمض مركزا. ولتخفيف الحمض نضيف الحمض الى الماء وليس العكس..

ثانيا: حمض النيتريك:
وهو حمض يصعب الحصول عليه خاصة في فلسطين وبالنسبة للدول الأخرى فيمكن الحصول عليه من مراكز التحليل الطبية ومن محلات بيع مستحضرات المختبرات ومن مختبرات المدارس ويمكن تحضيره بطريقة سهلة ولكن تتطلب صبر . التحضير يكون كما يلي :
1: نأخذ 50 جرام من نترات البوتاسيوم وهي كما قلنا سماد زراعي رخيص والحصول عليه سهل وليس فيه شيئ من الشبهة .
2: ونأتي ب 40 ملل من حمض الكبريتيك تركيز 70 % أو أكثر لا يضر.
3: إنائين من البايركس "الزجاج ضد الحرارة" قطعة من الفلين لسد المخبار وقطعة من الزجاج على شكل ماصة.
4:مصدر لهب معتدل.
5:ماء بارد أو قطع من الثلج.

طريقة العمل :
نضع في الاناء الاول النترات ونضيف اليها الحمض ثم نسد الاناء ومن بعد نضع الاناء على النار وعند الفوهة الثانية للسحاحة نضع الاناء الآخر "مش مشكلة كان زجاج عادي" نضع فوق السحاحة قطع من الثلج نشاهد تصاعد غاز مائل الى الصفرة من المخبار الذي نسخنه يتكثف هذا الغاز ويتساقط على شكل قطرات وهي حمض النيتريك المركز جدا وهذه صورة توضيحية .يكون تركيز حمض النيتريك 90% عندما تكون كثافته 1.84 جرام لكل سنتيمتر مكعب . هذا والله ولي التوفيق. تحضير المواد الحساسية وهذه المواد تنفجر بمجرد ملامستها للهب أو حتى بمجرد ارتفاع درجة الحرارة حولها وهي خطرة جدا وليست مثل البارود أو البرمنجنات او ما سبق من المواد التي تحدثنا عنها لذا نرجو ممن يود التحضير أن يلتزم حرفيا بالمكتوب دون المغامرة بأي شكل كان.

تصنيع بيروكسيد الأسيتون
هذه المادة خطرة جدا وسرعة انفجارها 4000متر في الثانية الواحدة ، لا ننصح بتحضير هذه المادة الا لأصحاب الخبرات وهي مادة بالفعل حساسة وكثيرا ما قتلت صانعيها لذا نرجو ممن يود التحضير أن يكون بجانبه خبير أو أن يلتزم بشكل حرفي بما هو مكتوب وأود أن اذكر شيئ هام جدا لاتحضر أي مادة ومهما كان نوعها بالمنزل بل اجعل لك مكان خاص لهذا الغرض ويستحسن أن يكون جيد التهوية. لتصنيع أي مادة متفجرة هناك قواعد عامة لابد من فهمها جيداً .
إجراءات الأمان العامة :-
أولاً : الخطأ الأول هو الخطأ الأخير .
ثانياً : إجراء العمل في مكان يحتوي على تهوية جيدة أو في العراء أو بوجود ساحبة هواء .
ثالثا : توفير كمية كافية من الماء ويفضل وجود حنفية بالقرب من مكان العمل وهذا ضروري لأن الماء مذيب جيد لكثير من المواد المتفجرة والأحماض وفي بعض الأحيان يوقف التفاعل .
رابعا : عدم القيام بتحضير الكمية اللازمة لعمل ما دفعة واحدة لاسيما عند استخدام مواد أولية لأول مرة أو تحضير كميات كبيرة جداً .
خامساً : إبعاد أي مصدر حرارة عن المادة أثناء تجفيفها وبعد جفافها .
سادساً : عدم الاحتفاظ بالمادة جافة بعد تحضيرها لفترات طويلة لأنها تكون حساسة للطرق والحرارة وكذلك تتأثر سلباً بالرطوبة ملاحظة يفضل غمرها بالماء وتغطية الوعاء لأن الماء سيجف مع طول المدة .
سابعاً : إجراء التجربة من قبل شخص له خلفية علمية أو أكاديمية أو سبق له تصنيع هذه المادة أكثر من مرة .
ثامناً : توفير مواد الإسعاف الأولية ( شاش ، دهون للحروق ، حبوب للصداع ، إطفاء حريق ، جردل رمل ) .
تاسعاً : يجب غسل الأوعية وتجفيفها قبل كل استخدام .
ملاحظة : قبل القيام بأي عمل يجب عمل التالي :-
1 - كتابة الأدوات التي نحتاجها لإجراء العمل .
2 - كتابة المواد التي نحتاجها في تصنيع المادة .
3 - كتابة الخطوات وترقيمها .
4 - قراءة التجربة أكثر من مرة وفهمنها جيداً ومعرفة كافة التفاصيل .
5 - كل بند مما سبق تقوم بإحضاره أو إجرائه تقوم بتعليمه بإشارة وبلون فاتح .
6 - يجب توفير كافة الأدوات والمواد قبل البدء في العمل .
7 - الالتزام الحرفي بالخطوات والتعليمات وعدم الانتقال من خطوة إلى أخرى إلا بعد الانتهاء من سابقتها .
الأدوات المطلوبة :-
1. تخصيص دفتر لتسجيل الملاحظات .
2. وعاء زجاجي مدرج 300-600 مللتر عدد 2 .
3. وعاء زجاجي مدرج 100 مللتر عدد 1 .
4. ميزان حرارة .
5. قطاره زجاجية أو ماص ( سحاحة ) .
6. أوراق ترشيح .
7. وعاء كبير .
المواد المطلوبة :-
1. حمض الكبريتيك H2SO4 ذا تركيز مقبول ويستخدم في تعبئة بطاريات السيارات ولزيادة تركيزه نقوم بغليه حتى تخرج أبخرة بيضاء .
2. فوق أكسيد الهيدروجين ( الماء الأكسجيني ) H2O2 يستخدم كمطهر لصباغة الشعر موجود في الصيدليات وصالونات الحلاقة النسائية .
3. أسيتون ويستخدم في إزالة ألمنا كير عن أظافر النساء ويوجد في الصيدليات وصالونات النساء متوفر في المنطقة الصناعية رام الله . ضمن القواعد الأمنية ( بشكل غير مباشر ) .
4. ثلج . ملح . ماء .
ملاحظة عند شراء كميات كبيرة من المواد يراعى استخدام ساتر قوي والتنكر والأسماء المستعارة .
نسب المواد المستخدمة ( حجماً وليس وزناً ) : -
ماء أكسجين 1
أسيتون 1
الحمض ( 2.5 – 5 % ) من إجمالي المخلوط .
طريقة العمل :
1. اخلط 50 مللتر من الأسيتون مع 50 مللتر من ما الأكسجين في وعاء زجاجي وحرك جيداً ( لا يهم أيهم يضاف أولاً ) .
2. يبّرد المخلوط الناتج في الخطوة الأولى وذلك عن طريق وضع الإناء الذي به المخلوط في إناء أكبر يحتوي على ثلج وملح وقليل من الماء بحيث يحافظ على درجة حرارة مادون 15 مئوي وهو الأفضل ويجب أن لا تزيد درجة الحرارة عن 50 درجة مئوية . وفي حدوث خلل أدى لزيادة درجة الحرارة فيضاف ماء بارد للمخلوط ملاحظة : كون الوعاء الداخلي خفيف لذا يجب العمل على تثبيته والتأكد من أنه مستقر داخل الإناء وفي طرفه وليس في وسطه الإناء الكبير ( حتى لا ينقلب داخل الوعاء الكبير ) 3. أضف في البداية 2.5 % من أجمالي المخلوط حمض الكبريتيك بالتدرج مع التحريك مع مراعاة النظر إلى ميزان الحرارة بحيث يحافظ على درجة حرارة 15 مئوية ما أمكن وإذا ارتفعت نتريث قليلاً ثم نحرك حين يبرد وهكذا … يراعى عند إضافة الحمض أن تضيف قطرات بالتدرج وتبعد الوجه عن الوعاء ويفضل وضع غطاء زجاجي على الخطر . إضافة الحمض حتى لا يتم تناثر الحمض في حال كون تركيزه عالي .
ملاحظة : إذا كان تركيز الحمض عالي جداً وحصل تناثر للحمض عند إضافته على المخلوط نعمل على تخفيف تركيزه وذلك بصب الحمض على الماء ( وليس العكس ) بنسبة 1 : 1 مع التحريك .
4. اترك المخلوط الناتج 9 – 12 ساعة حتى تترسب مادة بيضاء شبيه بالثلج ( فوق بيروكسيد الأسيتون ) .
5 . نقوم بتصفية الراسب من الماء ( ولا نحتاج إلى الماء الناتج عند الترشيح أو الغسيل ) ثم نغسله بالماء البارد عن طريق وضع ورق الترشيح فوق إناء وسكب الراسب فوق المحارم حتى تتصفى ثم نسكب الماء البارد أكثر من مرة حتى يذهب طعم الحمض نهائياً من الماء الناتج عن الغسل ( ونعرف ذلك إما بإحضار ورق عباد الشمس أو وضع قطرة من الماء على طرف الإصبع ثم وضعها على طرف اللسان وهذا بعد غسيل الراسب ثلاثة مرات على الأقل ( ونبقى نغسله حتى يزول أثر الحمض منه ) .
6. وفي حالة الكميات الكبيرة فيمكن استخدام أي قطعة قماش قطنية لغسل الراسب وذلك بوضع الراسب بداخلها وبطها في الحنفية وفتح الماء على الراسب حتى نتخلص من الحموضة ونتأكد من عدم وجود حموضة بنفس الطريقة السابقة .
7. نقوم بتخفيف الراسب عن طريق فرده قبل أن يجف مكوناً كتلاً صلبة حتى يسهل التعامل معه .
ملاحظة : عند نشر المادة يجب اتباع القواعد التالية : -
- نستخدم ملعقة خشب بحيث لا يكون الصدر باتجاه المادة إنما يكون بشكل جانبي . - تكون اليد التي تنشر المادة بعيدة بحيث لا يكون الذراع فوق المادة بل يمكن الذهاب إلى الجهة الأخرى أو إدارة المادة إليك .
- إبعاد الوجه .
- المادة في هذه الحالية تكون حساسة للشعلة بشكل كبير وحساسة للطرق نسبياً . وهكذا تكون المادة جاهزة للاستخدام بعد جفافها ( أي قابلة للانفجار بفعل أي شعلة أو صدمة أو إضافة حمض عليها ) .
ملاحظة : يفضل عن استخدام المادة ملأها بأكياس بلاستيكية خشية تناثرها أو سقوطها على حواف مسننات الأوعية . والتأكد من عدم سقوط أي من المادة على الأرض وإلا فتعمل على إزالتها بمسحها بقماش مبلل بالماء .
- عند الخطوة السادسة وما بعدها نؤكد على أن يكون فرد واحد هو الذي يقوم بالعمل . - يفضل استخدام المادة مباشرة خلال يوم أو اثنين شرط أن يكون بعيدة عن أي مصدر حراري .
ملاحظة : - يمكن استخدام أوعية بلاستيكية في التحضير وذلك عند تصنيع كميات كبيرة . ويمكن استخدام مكيال كبير كالكوب أو السطل .
قواعد عامة :-
1. ارتد في أثناء التحضير رداء بيض فضفاض ( ومن المفضل استخدام نظارات لوقاية العينين خصوصاً عند إضافة الحمض على المخلوط أو الماء ) وكذلك كمامات للأنف .
2. كن حذراً ولا تقرب وجهك من الوعاء حيث يجري التفاعل .
3. لا تتذوق المواد الداخلة في التفاعل .
4. كن حذراً عند استرواح المواد الكيميائية ولا تستنشق بصورة عامة أي أبخرة كيماوية وإذا اضطررت لذلك في حال الإمكانات البسيطة فيكتفي تحريك البخار الناتج باليد والاستنشاق بلطف عن بعد نسبياً .
5. البس قفازات أثناء الإعداد لأن مثلاً ماء الأكسجين الذي يستخدم لصبغ الشعر إذا لامس الجلد فإنه يصيبه بحرق طفيف يحول لون الجلد أبيض ويحتاج إلى فترة من الزمن كي يختفي … وهذا أثر جنائي .
6. إذا شعرت بأي دوار فاخرج واستنشق الهواء النقي واغسل وجهك بالماء .
7. يفضل شرب القهوة أثناء الإعداد في جو مغلق وخصوصاً إذا كنت تعد كميات كبيرة .
8. إذا شعرت بالتقيؤ فيفضل في هذه الحالة شرب الحليب البارد .
9. عند تحضير كميات كبيرة فلا يجب أن يزيد حجم المخلوط عن 14 لتر في كل دفعة هذا طبعاً بعد إجراء تجارب على المادة الأولية باستخدام كميات بسيطة 100 مللتر مخلوط .
10. إذا حدث ولامست أي مادة كيماوية وجهك أو يدك أو ملابسك فعالجها فوراً بالماء البارد وبكميات كبيرة .
حساب كمية الراسب :-
- لتفادي تصنيع كمية أكبر أو أقل عن المطلوب تقوم بعملية حساب بسيطة لتحديد الكمية اللازمة لاستخراج الراسب ( المادة المتفجرة ) .
- وهي أن 100 مللتر من المخلوط أي ( 50 مللتر أسيتون + 50 مللتر ماء أكسجين ) تعطي في وضعها المثالي 25 جرام من المادة المتفجرة ( الثلج الأبيض ) .
- أي بصورة أخرى :
كل 100 مللتر مخلوط تعطي 25 جرام من الثلج الأبيض ( مادة متفجرة ) . فلنفرض أننا نريد تحضير نصف كيلو ( 500 جرام ) من المادة المتفجرة فما هو حجم المخلوط اللازم ؟
الحل : نقول 100 مللتر مخلوط تعطي 25 جرام و س تعطي 500 جرام . س = 500 × 100 / 25 = 50000 / 25 = 2000 مللتر مخلوط أي 1000 مللتر ( واحد لتر ) من الأستيون و 1000 مللتر ( واحد لتر ) من ماء الأكسجين .
وفي الوضع الاحتياطي نحسب أن كل 100 مللتر مخلوط تعطي 15 جرام راسب وذلك فادي النقص فنقول : 100 مللتر مخلوط تعطي 15 جرام .
س تعطي 500 جرام إذاً س = 100 × 500 / 15 = 3333 مللتر تقريباً = 3.3 لتر مخلوط . أي 1666 مللتر ( 1.6 لتر ) أسيتون . و 1666 مللتر ( 1.6 لتر ) ما ء أكسجين . مثال آخر : الكمية المطلوبة من المادة الأولية لتصنيع 3 كجرام من الثلج الأبيض ( المادة المتفجرة ) . الحل : 100 مللتر مخلوط تعطي 15 جرام ثلج بيض . س = 100 × 2000 /15 = 1333 مللتر مخلوط = 13.3 لتر أي 6666 مللتر ( 6.6 لتر ) أسيتون تقريباً و 6666 مللتر (1.6 لتر ) ماء أكسجين . تقريباً .
ولحساب كمية الحمض اللازمة نقوم بنفس الإجراءات علماً بأن كمية الحمض اللازمة هي 2.5 % من حجم المخلوط أي كل 100 مللتر تحتاج إلى 2.5 مللتر حمض . مثال : أحسب كمية الحمض اللازمة لتحضير 13333 مللتر من المخلوط ؟ الحل : 100 مللتر مخلوط نحتاج 2.5 مللتر حمض H2SO4 13333 مللتر تحتاج إلى س س = 13333 × 2.5 / 100 = 333 مللتر من الحمض تقريباً . تركيز حمض الكبريتيك المطلوب 70% وتركيز ماء الأكسجين 30% وتركيز الأسيتون 70%.
تحضير فلمونات الزئبق
المطلوب : 1,5 غرام زئبق 11 ملل حمض نتريك لا يقل تركيزه عن 60% 13 ملل كحول الايتيلي ( سبيرتو طبي ) مركز
طريقة التحضير:
1_ ضع في وعاء زجاجي 1,5 غرام من الزئبق ومن ثم أضف 11 ملل من حمض النتريك إلى الإناء الذي به الزئبق وتركه حتى يتفاعل ويذوب الزئبق في الحمض مشكلاً محلول زئبقي ذات لون زيتي .
2_ ضع في وعاء آخر ( زجاجي) 13 ملل من الكحول ( السبيرتو الأبيض ) ومن ثم أضف المحلول الزئبقي على الكحول وليس العكس حتى لا يتطاير المحلول.
3_ اترك الخليط لفترة حتى يتم التفاعل وإذا كان الجو بارد والتفاعل بطيء تقوم بتسخين المحلول على نار هادئة أو في وسط حمام مائي ساخن حتى يتنشط التفاعل ونبعده عن المصدر الحراري عند بدء التفاعل .
4_ أثناء التفاعل يظهر دخان اصفر قابل للاشتعال تجنب استنشاقه لأنه سام .
5_ اترك المحلول حتى ينتهي التفاعل ترى ترسب مادة رمادية اللون ذات شكل إبري تلمع هذه هي فلمونات الزئبق.
6_ أحضر قمع وبه قطعة قماش بيضاء أو ورقة ترشيح وهي الأفضل لأن الفلمنات ناعمة جداً وقد يتسرب جزء منها إذا تم استخدام قطعة القماش الأفضل ورقة ترشيح. صب المحلول بالراسب في القمع يبقى الراسب في ورقة الترشيح ثم نقوم بغسل الراسب ( الفلمونات) بالماء حتى تختفي آثار الحمض من الفلمونات والطريقة الأفضل لغسل الفلمنات من الشوائب أن نحضر وعاء زجاجي ونضع فيه الفلمنات ثم نغمرها بالماء ونتركها يومين أو أكثر وعند الحاجة نخرج الفلمنات من الماء ونجففها لتكون جاهزة للإستخدام. 7_ خذ الراسب واتركه حتى يجف في درجة حرارة الغرفة يبعد عن أي مصدر حراري . احتياطات الأمان _ حامض النتريك يحدث التهاب بالجلد إذا سقط على الجلد لذلك فوراً صب عليه ماء بارد وبسرعة على المكان الذي سقط عليه الحمض. _ الأبخرة الصفراء سامه تجنب استنشاقها وكذلك باستخدام كمامات طبية تجنبنا من استنشاق هذه الأبخرة .
إذا أضفت الكحول على المحلول سوف يتطاير الخليط في الهواء لذلك يجب صب المحلول فوق الكحول وليس العكس .
إذا ارتفعت درجة الحرارة أثناء التفاعل في المرحلة الأخيرة واشتعل الدخان الأصفر أغلقه بهدوء بكرتونة أو أي جسم صلب حتى تمنع عنه الأكسجين فينطفئ ولا داعي للخوف من الانفجار أثناء التحضير .
التزم بالصبر والتركيز وعدم التسرع خلال عملية التحضير.
لا تحتفظ بالفلمونات في إناء نحاس حتى لا تتحول إلى فلمونات النحاس وتتلف.
إذا أردت أن تخزن الفلمونات ضعها في زجاجة وأضف إليها ماء حتى يغطيها عند استخدامها أخرجها وجففها أي تخزن كل المواد الحساسة في زجاجات زجاج مغمور بالماء فالماء ينقي المواد الحساسة ويحافظ عليها ويمنع انفجارها إذا تعرضت لمصدر حراري.
تحضير بيروكسيد الهكسامين
تعريف الهكسامين: هو مادة علاجية لمعالجة أمراض البول اسم علمي Hexametlylene+ tetrauineأو تروبين اسم آخر للهكسامين ( أو تروبين)
المعادلة :_
هكسامين 14 غرام حمض كبريتيك 3ملل أكسجين 45 ملل . يصنف بيركسيد الهكسامين من المواد المنشطة والوسيطة مع المواد الحساسة ويستخدم كبادئ في الصواعق المتفجرة للمواد الكلاسيكية مثل T. N. T
طريقة التحضير :
1_ ضع 45ملل من الأكسجين في إناء زجاجي
2_ ضع الإناء الذي به أكسجين في وعاء به ثلج + ملح ( حمام ثلجي)
3_ أضف 14غ من الهكسامين بهدوء على عدة دفعات مع التحريك على أن لا تزيد درجة الحرارة عن عشرة درجات مئوية وإذا ارتفعت توقف عن إضافة الهكسامين
4_ حرك الخليط حتى يذوب الهكسامين جيداً في ماء الأكسجين مع مراعاة ألا تزيد درجة الحرارة على عشرة درجات مئوية .
5_ نضيف حمض الكبريتيك قطرة قطرة في قطارة عيون أو إبرة سرنج أو أي وعاء زجاجي آخر فقط. المطلوب التحكم بعملية التقطير مع مراعاة أن لا تزيد درجة الحرارة عن عشرة درجات مئوية .
6_ يترك الخليط لمدة ما بين 12 إلى 24 ساعة.
7 _ ترى تّكّوُن راسب أبيض في الوعاء .
8_ نأخذ الراسب ونرشحه ونحتفظ بالراسب الذي هو عبارة عن حبيبات بيركسيد الهكسامين. 9_ يؤخذ ويجفف في مجرى هوائي بعيد عن الشمس .
ننصح بأخذ عينة على رأس عود ثقاب وإشعاله لتجربة المادة . تخزن هذه المادة في وعاء به ماء، وعند استعمالها ترشح وتجفف وتكون جاهزة ، المادة خطرة جدا وليست هينة نرجو التعامل معها بحظر وعدم الاستهانة بها.
الزيوت المتفجرة
أخطرها النيترو جلسرين والذي يمكن أن ينفجر حتى بالاهتزاز وسرعة انفجاره عالية جدا تصل الى 7000متر في الثانية ونخفف من حساسيته بخلطه لتكوين الديناميت وسنتحدث عن الديناميت بأنواعه. تعد الزيوت المتفجرة من المواد المهمة ضمن تصنيف المتفجرات وذلك لشدة حساسيتها. وقدرتها التدميرية، ومن أهم هذه الزيوت النيترو جلسرين _النيترو غليكول _ النيترو ميثان _ النيترو بنزن النيتروجلسرين 1_
تحضير النيترو غلسرين المعادلة :_
15ملل حمض نيتريك مركز فوق 92%
22,5 ملل حمض كبريتيك مركز من 90 حتى 100%
6,5 ملل جلسرين + 200 ملل ماء بارد جداً
طريقة التحضير 1_ ضع في وعاء زجاجي 22,5 ملل حمض كبريتيك في وسط وعاء ( حمام ثلجي )
2_ قم بإضافة حمض النيتريك على دفعات مع عدم تجاوز درجة الحرارة عن 30درجة مئوية 3_ بعد الانتهاء من إضافة حمض النيتريك اترك الخليط الحمضي يبرد إلى خمسة درجات في وسط وعاء به ثلج ( حمام ثلجي)
4_ خذ 6,5 من الجلسرين في قطارة أو اسرنج إبرة على شرط أن تكون الإبرة منزوعة من الإسرنج أو كأس زجاجي تضع فيه المحلول وقم بإضافة الجلسرين قطرة قطرة وببطيء شديد مع مراعاة عدم تجاوز درجة الحرارة عن 10درجات مئوية . ملاحظة: إذا ارتفعت درجة الحرارة 15 درجة مئوية يصبح المحلول خطر فاسكب الحمض فوق الثلج مباشرة
5_ بعد الانتهاء من إضافة الجلسرين أضف إليه 200 ملل من الماء البارد جداً دفعة واحدة ترى ترسب طبقة زيتية في اسفل الوعاء عديم اللون هذا هو زيت النيتروجلسرين.
6_ أحضر اسرنج كبيرة في رأسه أنبوب بلاستيكي رفيع وقم بسحب الماء فيبقى راسب زيتي. 7_ يغسل بالماء جيداً _ يمكن أن يغسل بالكربونات للتأكد من عدم وجود حمض.
8_ خذ 100ملل من الماء وأضف إليه 5% كربونات الصوديوم وقم بغسل الزيت على عدة دفعات من 3 إلى أربع مرات لتخفيف أثار الحمض وبذلك يكون النيترو جلسرين جاهز للتفجير والغسيل يتم بسكب الماء المخلوط بكربونات الصوديوم على الزيت الموجود في وعاء زجاجي على عدة مرات بحيث كل مرة يسحب الماء ويبقى الزيت في الأسفل ثم تعيد الكرة مرة أخرى .
9_ يخزن في أنبوب ويضاف إليه ماء = نيتروجليسرين سائل متفجر وقوي ينفجر بصاعق ويمكن خلطه بمواد أخرى مثل القطن الطبي كي يتحول من مادة سائلة إلى مادة غير سائلة إن أردنا خلطه بالنيتروسللوز يكون أفضل.
النيتروميثانول
تحضير زيت النيترو ميثانول
المعادلة :
16,5 حمض نيتريك
25 حمض كيريتيك
14 ملل ميثاتول
طريقة التحضير:
1_ أضف حمض النتريك على حمض الكبريتيك بنفس الطريقة في التجربة السابقة.
2_ برد الخليط حتى خمسة درجات مئوية
3_ خذ في قطارة أو سحاحة 16 ملل من الميثاتول وقم بإضافة الميثاتول على الحمضيين بهدوء تام مع مراعاة ألا تزيد درجة الحرارة على عشرة درجات وإذا تجاوزت درجة الحرارة ووصلت إلى 13درجة مئوية اسكب الوعاء بما فيه فوق الثلج لأنه أصبح خطر جداً ( حرك لمدة دقيقة واحدة بعد الانتهاء من إضافة الميثاتول مع مراعاة ألا تزيد درجة الحرارة عن عشرة درجات .
4_ بعد الانتهاء من التحريك خذ 250 ملل من الماء البارد واسكبه فوق الوعاء نرى تكون طبقة زيتية في أسفل الوعاء .
5_ اشفط الماء بنفس الطريقة السابقة ويبقى الراسب زيت النيترو ميثاتول .
6_ تغسل بماء + كربونات 3% وإن لم تستخدم الكربونات فالغسيل بالماء يكفي ولكن الكربونات ربما تنقي الشوائب بشكل أفضل .
7_ وتخزن في وعاء به ماء .
ملاحظة :_ عند مشاهدتك لارتفاع درجة الحرارة من خلال مراقبة ميزان الحرارة وعدم سيطرتك عليها يفضل سكب الوعاء الذي به الحمض فوق الثلج وحول مرة أخرى ولكن بهدوء دون تسرع.

النيتروغليكول
تحضير نيترو غليكول:_
مادة قوية الانفجار أقوى من ال T.N.T ومهمة جداً وغير خطرة في التخزين لأنها لا تنفجر إن تعرضت للحرارة + أمينة النقل ، قوية المفعول ، شديدة القوة وخاصة في القدرة على القسم للمواد الصلبة. يمكن خلطها بالنيتروسللوز( القطن المعالج بحمض النتريك والكبريتيك) ملاحظة هامة : ينفجر بصاعق نيتروغليكول تحضير النيترو غليكول:_ المعادلة : _ 15 ملل حمض نيتريك 22,5 ملل حمض كبريتيك 9,5 ملل غليكول 150ملل ماء بارد جداً تعريف الغليكول:_ هو مادة سائلة تباع في التجهيزات المواد الطبية ويمكن الحصول عليها من علب التي تباع في المناطق الباردة ضد التجميد التي تصيب في الرديتير الخاص بالسيارات كي لا تجمد الماء داخل الريديتير للحصول على الغليكول من سائل ضد التجمد ذو اللون الأزرق أو الزيتي في بعض الدول .. نقوم بشراء علبة السائل ضد التجمد Antyfrize نفتحها ونضعها في وعاء طنجرة ستانلس استيل ثم نضعها فوق النار الهادئة ونتركها حتى تغلي إلى نصف الكمية بعد ذلك نقوم برفع الطنجرة عن النار فنتركها تبرد بذلك نكون حصلها على مادة الغليكول الجاهز لللعمل ضمن المعادلة السابقة.. طريقة التحضير : 1_ نضيف حمض النتريك على حمض الكبريتيك كما في التجربة السابقة . 2_ نبرد حتى خمسة درجات مئوية . 3_ نضيف الغليكول قطرة قطرة وبهدوء مع مراعاة ألا تزيد عن عشرة درجات . 4_ بعد الانتهاء من إضافة الغليكول حرك لمدة خمسة دقائق مع مراعاة ألا تزيد عن عشرة درجات مئوية . 5_ بعد الانتهاء من إضافة الغليكول نسكب 150 ملل من الماء البارد فوق التجربة نرى تكُون طبقة زيتية هي النيترو غليكول . 6_ نعزل الماء من الزيت بشفطه في ( سرنج) بطرفه بربيش رفيع كما في السابق في النيترو سليلوز أي غسل الزيت عدة مرات . النتيجة:_ يخرج عندنا الناتج وهو زيت نيترو غليكول وهو زيت متفجر، ينفجر بصاعق وممكن أن نخلط هذا الزيت بالقطن أو بنشارة الخشب أو النيترو سللوز . ملاحظة :_ هذا الزيت ينفجر بكابح وبدون كابح مثل ال.. T.N.T ملاحظة هامة :_ قد لا يخرج كمية من الزيت من التجربة إلى استخدمنا معادلات صغيرة الحجم ولكن لنعلم أن هذه الكمية القليلة يجب أن لا يستهان بها ولك ما علينا هو تكرار التجربة للحصول على أكبر كمية من هذا الزيت الخطير .
هذه هي الزيوت المتفجرة وهي الأخطر على الاطلاق ، تابع للزيوت المتفجرة : إذا ظهر غليان في المحلول أثناء إضافة الجلسرين أو الغليكول أو الميثانول فذلك يعنى بأن المحلول صار خطراً جداً وعلى وشك الانفجار وما يجب عمله أن نصب الوعاء على الثلج فوراً ونعيد العملية من جديد وببطيء وبدون تسرع . ملاحظة: لتخزين الزيوت توضع في وعاء ويضاف فوقها ماء. صناعة الديناميت 1) 1_ زيت النيترو غليسرين 75% 2_ تراب النقاعيات أو القبو لأنه غني بالنترات البوتاسيوم 25% يخلط ويفجر بصاعق . 2) نيترو غلسرين 93% _ أو 90% نيترو سيليلوز 7% _ أو 10% تنفجر بصاعق . 3_ نيترو غلسرين 62% نيترو سيليلوز 3% نترات الصوديوم 27% تنفجر بصاعق نشارة خشب ناعمة 8% 4_ نترات أمونيوم 70% نيترو غلسرين 30% صاعق اسحق النترات ونعمها جيداً ومن ثم أضفها إلى النيترو غليسرين مع التحريك حتى يصبح عجينة فتكون قد حصلت على ديناميت الأمان . 1_ نيترو غليكول + قطن طبي حسب الحاجة 2_ نيترو ميثانول + قطن طبي حسب الحاجة . 3 _ نيترو غليسرين + قطن طبي حسب الحاجة

تحضير النيتروسليلوز البارود القطني
النيترو سيلولوز : البارود القطني
.
المعادلة :_
حمض نتريك 15 ملل
حمض كبريت 25 ملل
قطن طبي حسب الحاجة
ماء 100 ملل + 5 غرام كربونات الصوديوم
الطريقة :
1_ أضف حمض النيتريك إلى الكبريتيك قطرة قطرة مع مراعاة ألا تزيد درجة الحرارة عن 30درجة مئوية في وسط حمام مائي بارد ( ثلج + ملح )
2_ خذ كمية من القطن الطبي النقي الجيد تتناسب مع حجم الحمض وأضفها إلى الحمضين حتى يتشرب القطن كل المحلول الحمضي .
3_ ألبس كفوف مطاطية وخذ القطن واغسله تحت الصنبور بالماء الجاري للتخفيف من آثار الحمض .
4_ خذ 100 ملل من الماء وأضف إليه 5 غرام من كربونات الصوديوم .
5_ ضع القطن في وسط الماء + الكربونات وضع الوعاء فوق مصدر حراري واجعله يغلي لمدة خمسة دقائق .
6_ خذ القطن واغسله مرة أخرى بالماء ودعه يجف تحت أشعة الشمس .
7_ خذ عينة صغيرة من القطن بعد أن يجف واشعلها للاطمئنان على قدرة البارود الاشتعالية . 8_ هذا البارود يكبح ويفجر بشعلة الحمض يمكنكم الاستفادة منه بعد رفع القطن في إعادة التجربة ( تصنيع بارود قطني) .
ملاحظة:_ تنتهي التجربة عند خطوة رقم 3 في غسل القطن تحت الماء ولكن من أجل الحصول على بارود قطني خالي من أي أثر للحمض يمكن اتباع خطوة رقم 4 و5.اللهم نسألك باسمك الأعظم أن تننصر إخواننا المجاهدين في كل مكان...إنك القادر على ذلك جل شأنك.
سلسلة الإعداد للجهاد
الحلقة التاسعة
أساليب وطرق تموية العبوات

الحمد لله معز المؤمنين ومذلّ الكافرين .. والصلاة والسلام على قدوة المجاهدين وإمام النبيين المبعوث بالسيف بين يدي الساعة رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد : نعرض في هذه الحلقة بعض أساليب وطرق تموية العبوات المهمة :
أولاً : العمليات داخل الأسواق :-
1- يمكن أن يدخل السوق كشخص يريد التسوق ويحمل حقائب التسوق ( وليس حقيبة سمسونايت ) يضع فيه العبوة وهنا يمكن وضع الحقيبة داخل أحد المحلات ليشتري بضاعة جديدة ، ويختار محل مكتظ بحيث لا يشعر أحد أنه ترك حقيبة .. .
2- يمكن إدخال عبوات كبيرة إلى الأسواق المكتظة وذلك عن طريق وضعها داخل علب كبيرة كعلب السمنة أو المخللات أو داخل كراتين كبيرة وجرها على عربة على أساس أنه موزع بضاعة ، وهذا يكون بعد استطلاع السوق ومعرفة أوقات التوزيع وطبيعة البضاعة وطرق إدخالها .
3- يمكن وضع العبوة داخل الكرتونات الكبيرة كالتي تحوي قناني الكولا أو المعلبات ، أو ما شابه ويفضل أن تكون الكرتونة جديدة ومكتوب عليها محتوياتها أو مرسومة كما هو الحال بالنسبة لكراتين الكولا .
4- يمكن الاستفادة من الكراتين التي تحوي أجهزه كهربائية كأن نضع العبوة داخل كرتونة ستيرو أو كرتونة لطابعة كمبيوتر أو ..
5- يمكن تمويه العبوة داخل علبة مسحوق غسيل وزن 5 كغم أو أي علبة ( كرتون ، بلاستيك ... على أن تكون الكرتونة أو الوعاء الذي بداخله العبوة عليه شعارات وصور تدل على نوع المادة الموجود بداخلة كما هو الحال في علبة مسحوق الغسيل ( برسيل ، أريل ، .. ) وذلك باتباع الطريقة التالية :-
أ. فتح الوعاء من الأسفل وإفراغ المادة منه يحذر فتحه من المكان المخصص له وذلك حتى يبدو أن هذا الوعاء قد تم شراءه الآن من أحد المحلات المجاورة ، وهنا لو تعرض الأخ للتفتيش لا قدر الله فلن يخطر ببالهم أن يفتحوا الوعاء ويروا ما بداخله لأن وضع الوعاء كما خرج من المصنع
ب. وضع العبوة داخل الوعاء ومن ثم إعادة إغلاقه كما كان .
ج. يحمل الوعاء كما هو دون وضعها داخل حقيبة ، وفي حال وضعه داخل كيس بلاستيك يجب أن يكون شفاف ، وذلك حتى يكون لا يشتبه به أي أحد كما وأن أي شخص يرى الوعاء يعرف أنه هذا مسحوق غسيل أو كرتونة بسكويت أو .. )
د. يدخل السوق وكأنه اشترى علبة مسحوق الغسيل الموجود فيها العبوة من محل آخر ويريد أن يشتري بعض الأغراض الأخرى ، وهنا يمكن أن يضعها داخل المحل الذي يريد الشراء منه ويبدأ بالبحث عن البضاعة التي يريد شراءها وقد يشتري بعض الأغراض ويضعها جانباً على أساس أنه يريد أن يحاسب مرة واحدة ، وفي الوقت المناسب ، يغادر المكان دون بهدوء وبدون لفت انتباه .
ملاحظات يجب مراعاتها في تمويه العبوات : -
1. يجب مراعاة وزن العبوة حيث يجب أن تكون منسجمة مع وزن الوعاء الأساسي . 2. يجب مراعاة الحجم بحث تكون منسجمة مع حجم الوعاء . 3. يجب عدم ترك فراغات حتى لا تبقى العبوة حرة الحركة داخل الوعاء ، ويمكن الاستفادة من الإسفنج أو الفلين لتثبيتها جيداً داخل الوعاء . 4. يمكن إبقاء القليل من المادة الأساسية الموجودة داخل الوعاء من الأعلى للتمويه على العبوة في حال التفتيش ومحاولة فتح الوعاء من المكان المخصص . ( كأن نترك قليل من مسحوق الغسيل في الوعاء من أعلى حتى لو تم فتحه من الفتحة المخصص له يجدوا مسحوق غسيل .
5. يجب مراعاة مركز الثقل بحث لا يكون الوعاء ثقيل من جهة والجهة الأخرى خفيف . 6. عدم وجود أي شيء غير طبيعة على الوعاء كبسة زر أو سلك أو لمبة .. . في حال كانت العبوة كبيرة يمكن إدخالها إلى السوق فوق عربة سواء التي يستخدمها المتسوقين أو تلك التي يستخدمها موزعو البضاعة ، ويكون الساتر لدخول السوق توزيع بضاعة على المحلات . وهنا يجب أن ينسجم الشخص مع هذا الساتر من حيث اللباس وتناسب البضاعة مع السوق ، وتناسب وقت التوزيع ، ويجب أن يحمل معه أوراق أو مفكرة كالتي يستخدمها موزعو البضاعة سواء للفواتير أو لتسجيل الديون .. . ويمكن أن يترك الأخ البضاعة على باب إحدى المحلات المكتظة ويذهب بحجة أنه يريد أن يتحدث مع صاحب المحل ، ثم يخرج لمحل آخر .. ومن ثم يغادر . مع الانتباه لوقت انفجار العبوة .

ثانياً : العمليات داخل الباصات ومواقف الباصات :-
1. في حال كانت العملية في محطة باصات وكانت الخطة أن تنفذ العملية داخل الباص فالأفضل أن تكون في حقيبة هاند باك أو سمسونايت .
2. أما إذا كانت الخطة أن يتم التفجير وسط تجمع العدو داخل المحطة فيمكن وضع عبوة كبيرة داخل حقيبة سفر كبيرة بشرط أن تكون محطة الباصات تقل مسافرين إلى مناطق بعيدة حيث لا يكون وجود الحقائب الكبيرة ملفت للانتباه . كذلك يمكن الاستفادة من الحقيبة الكبير في حال كانت العملية هي وضع العبوة في المكان المخصص للأمتعة أسفل الباص ومن ثم النزول أي لا تكون عملية استشهادية .
ملاحظة : -
يمكن الاستفادة من السيارات المفخخة لاقتحام التجمعات ( أسواق مفتوحة ، مواقف باصات مفتوحة ، أسواق مغلقة ، مواقف باصات مغلقة ، ..) بشرط أن يتم توزيع المتفجرات داخل السيارة بما يتناسب مع شكل التجمع . ويمكن الاستفادة من الشظايا في الأماكن المفتوحة والمغلقة ويمكن الاستفادة من اسطوانات الغاز و غالونات البنزين في الأماكن المغلقة تحديداً لزيادة تأثير العبوة .
إن اقتحام الأسواق المفتوحة ومواقف الباصات يكون أسهل من اقتحام الأسواق المغلقة ، ولاقتحام الأسواق المغلقة يجب البحث عن المدخل الذي يمكن أن تدخل منه السيارة ، وهنا يجب خداع الحرس في حال كان هناك حرس ، وذلك عن طريق التظاهر بأنك تريد أن توقف السيارة أمام المدخل ثم تضع مبدل السرعة على السرعة المنخفضة ثم تنطلق فجأة وتقتحم السوق فتقتل من تقتل دهساً والباقي يموت من المتفجرات .
ثالثاً : العمليات في الأماكن العامة مطاعم ، دوائر عامة ، .. :-
1. في حال كانت العملية داخل مطعم يمكن وضع العبوة بحقيبة الهاند باك ( على الكتف ) أو داخل حقيبة سمسونايت مع مراعاة أن يتناسب شكل ولباس المنفذ مع حقيبة السمسونايت 2. في حال كانت العملية داخل مؤسسة رسمية كالبريد والبنوك والدوائر الرسمية فمكن أن تكون داخل حقيبة سمسونايت .
رابعاً : استخدام السيارة المفخخة في التنفيذ ( ريموت ، توقيت ) 1. وضع المتفجرات في أبواب السيارة ، وفي الرفراف الأمامي ( الجناح ) من الجهتين ، أو في الصدام الأمامي أو الخلفي خصوصاً إن كان بلاستيكي .
2. يمكن وضع كمية المتفجرات في الصندوق مع وجود البنزين واسطوانات الغاز .
3. يمكن وضع المتفجرات في إشارة التاكسي التي تضيع على سطح السيارة . وبهذه الطريقة نضمن توجيه الشظايا إلى الرؤوس ، وعدم جود عائق بين الشظايا وبين الهدف كون إشارة التاكسي من البلاستيك .
4. يمكن الاستفادة من وضع حقيبة سفر وتثبيتها على سطح السيارة بحث تكون العبوة داخل الحقيبة .
5. يمكن الاستفادة من الصناديق أو الكراتين بوضعها داخل السيارة وقريبة من الزجاج ، شرط أن يكون زجاج السيارة لون أسود ( فيميه ) وتكون السيارة من نوع ستيشن أو ترانزيت .

الأهداف التي تنساب السيارات المفخخة :-
1. مداخل الأسواق .
2. مخارج الملاعب الرياضية .
3. مداخل ومخارج الكليات .
4. مداخل السينمات .
5. مواقف الباصات .
6. أماكن التجمعات ( تظاهرات ، احتفالات ، مهرجانات ، .. . ).
حيث يتم رصد المكان والتعرف على الطرق التي يسلكها أفراد العدو بعد انتهاء فلم السينما أو خروجهم من الكليات أو انتهاء المباراة . ويتم وضع السيارة في الطريق الذي يمر منه الحشد . وذلك لأن وضع السيارة بالقرب من هذه الأماكن قد يلفت انتباه العدو ويطلبوا تفتيش السيارة ، ولكن في حال أنها كانت بعيدة عن مكان التجمع ، فإنها لن تثير انتباههم ، وهنا يجب مراعاة أن يكون الشارع مسموح فيه وقوف السيارات حتى لا ينتبه العدو للسيارة أو يحضروا الرافعة ويبعدوا السيارة بسبب مخالفتها للوقوف . ونقوم بتفجير السيارة باستخدام الريموت أو التوقيت بعد الرصد الدقيق وتحديد الوقت الذي يمر بها حشد العدو بدقة .
ملاحظة : - يجب مراعاة المواسم والمناسبات وطبيعة المكان والمنطقة وطبيعة لباس الشخص وطبيعة السيارة التي يركبها . بحيث يكون هناك انسجام في هذه الأمور . فمثلاً في مناسبات الأعياد يمكن الاستفادة من علب الحلويات أو باقات الزهور أو النباتات المنزلية ( بحث توضع العبوة داخل الكوارة وتغطى بالتراب . .
اللهم نسألك باسمك الأعظم أن تننصر إخواننا المجاهدين في كل مكان...إنك القادر على ذلك جل شأنك.



P
m

الحمد لله العزيز القهار الواحد الغفار... إن حاجة المجاهدين في هذا الزمان إلى طلاب العلم قد اشتدت... وتعطشهم إلى حضورهم ومساعدتهم قد زاد... كيف لا... وقد كثر الجهل... وانتشر الضلال واللبس... ومزج كثير من الناس الحق بالباطل... وكثر المخذلون , والمرجفون, والملبسون.. وقل الصادعون بأمر الله, والمؤازرون لعباد الله المجاهدين... كيف لا... والمجاهدون قد كثرت نداءاتهم وهتافاتهم لطلاب العلم أن تعالوا إلينا فالناس عطشى لما عندكم... سواء العوام أو المجاهدون... فالعوام في جهل عظيم بأمور دينهم وهم في نفس الوقت ينتظرون من يعلمهم ويرشدهم... والمجاهدون بحاجة أيضاً, فالنوازل كثيرة... والعلماء قلة... فمن هنا كان من المتحتم على المجاهد أن يتزود من العلم قبل خروجه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, وأن يستغل كل لحظة قبل رحيله في تعلم أمور دينه حتى يكون على بصيرة فيما يقدم عليه, وحتى يفيد إخوانه هناك...، وحتى يتبين ذلك فانظروا كيف كان أثر العالم المجاهد (ابن عزام) رحمه الله...، ألم يشرح الله بكلامه صدوراً كان الحق فيها غير واضح...، ألم يكن لعلمه وخطبه ودروسه وكتبه الأثر الأكبر في بيان حقيقة الجهاد, وفي نفير المئات من الشباب إلى الجهاد آنذاك...؟ لا شك أنه كان له أعظم الأثر, وأتم النفع...

أيها الأحبة.... إن لم يستطع المرء أن يبلغ مرتبة العلماء الراسخين... فلا أقل من أن يأخذ من العلم مالا غنى له عنه... وهو العلم الضروري من الأحكام الشرعية التي ستعرض له في جهاده, وقد لا يجد وقتها من يبين له حكم الله فيها... فالعلم بمسائل الطهارة والصلاة والجهاد... وكذلك بعض مسائل العقيدة... وأيضاً بعض الأخلاق والآداب والوصايا... من الضرورة اللازم تعلمها لكل من أراد الخروج في سبيل الله... ولا يفهم من هذا الكلام أنه تخذيل أو تأخر عن نصرة

إخواننا... كلا والله... بل هو لأجلهم ولصالحهم... ومن بشائر الخيرات في زماننا ما نشاهده من إقبال كثير من الشباب المجاهدين والعازمين على الجهاد وحرصهم على تعلم أهم المسائل التي يحتاجونها هناك في أراضي الجهاد... ولكن الملاحظ على كثير منهم أنه لا يدري ماذا يدرس وبأي شيء يبتدئ, وبماذا ينتهي, وأي شيء يترك, فتجده يحرص أشد الحرص على التعلم ولكنه


قد يأخذ وقتاً كبيراً ولم يحصل من العلم ما كان يؤمل ويرجو... ولأجل هذا كله... فإن هذا الجمع سيختصر لك أخي المجاهد كثيراً من الأوقات والجهود, فهو عبارة عن خلاصة في كل ما يحتاجه المجاهد من مسائل وأحكام وآداب... إن شاء الله تعالى...


ففي هذا الجمع ما يلي:

· العقيدة : وتم تقسيمها إلى خمسة أقسام: "الألوهية، الأسماء والصفات، الإيمان والكفر، الحاكمية، الولاء و البراء".

· الفقه : وفيه خلاصة أحكام الطهارة والصلاة والصيام والجهاد.

· زاد المجاهد : وفيه مواضيع متعددة لا غنى للمجاهد عنها كبعض الفضائل، والأخلاق، والآداب، وأطنبنا الكلام على الابتلاء والثبات والصبر، فكان هذا الجمع حلة قشيبة ودرة لامعة لك يا أخي المجاهد... فاستعن بالله U... واحتسب كل لحظة تبذلها في هذا التعلم فهي والله خير لك ولإخوانك وأمتك بإذن الله... وينبغي التنبه إلى أنه قد أُرفق مع هذه المذكرة برنامج علمي مطول لمن أراد الاستزادة والعكوف عليه... والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.







ويشمل الأبواب التالية:

· توحيد الألوهية
· الأسماء والصفات
· مسائل الإيمان والكفر
· الحاكمية
· الولاء و البراء



توحيد الألوهية


المقصود بهذا التوحيد، هو توحيد العبادة، أي إفراد الله بما يستحق من العبادة، والعبادة ليس المقصود بها الصلاة والصيام والذبح فقط بل المراد بالعبادة: "كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " فأي عبادة من العبادات يصرفها المرء لغير الله فقد أشرك به سبحانه.

واعلم أن أهم ما ينبغي الحرص عليه في هذا الباب، هو ما يلي:

1. معنى لا إله إلا الله وحقيقتها ولوازمها، فينبغي أن تعلم أن لا إله إلا الله تتكون من شقين:

· الأول: النفي وهو (لا إله).


· والثاني: الإثبات (إلا الله) فالنفي لكل معبود سوى الله، والإثبات تقرير بأنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى وحده، وتأمل كيف بدأ بالنفي قبل الإثبات لتعلم أن
البراءة من الشرك والمشركين أصل من أصول الدين الحنيف, كما قال في آية أخرى:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.


2. معرفة أن كل الرسل بعثوا لأجل تقرير هذه الكلمة وترسيخها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ...﴾.

3. بيان حقيقة شرك المشركين، وأنهم لم يكونوا ينكرون توحيد الربوبية، فكانوا يقرون أن الله هو الخالق الرازق المدبر ولكنهم كانوا يشركون في توحيد الألوهية أي في العبادات كالذبح والدعاء والنذر وغيرها.

4. أن حجة المشركين في عباداتهم غير الله أنهم كانوا يرجون منهم أن يتوسطوا لهم عند الله ويشفعون لهم عنده، لا أنهم كانوا يعبدونهم رغبة ورهبة وخوفاً وطمعاً.


5. أن هذا الشرك لا فرق فيه بين أن يكون المشرَك به صنم أو وثن أو ملك أو نبي أو ولي فكل من عَبَدَ غير الله سواء كان صنماً أو ملكاً أو نبياً فإنه مشرك.

6. بيان معنى الشفاعة الصحيح، وهو أن الشافع لا يمكن أن يشفع حتى يأذن الله ويرضى لمن يشاء وأن الشخص مهما بلغ من منزلة عند الله فإنه لا يستطيع أن يشفع بمحض إرادته والدليل على ذلك ما كان من أبي طالب عم رسول r.



هذه تقريباً أهم الأمور التي يجب أن يتعلمها المرء من هذا الباب، وستجد في الرسالتين القادمتين أساس هذه النقاط، ومن أرادا الاستزادة والتوسع، فعليه بكتابين مهمّين في هذا الباب, وهما:
· كتاب كشف الشبهات مع أحد شروحه.
· وكتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، مع أحد شروحه أيضاً.
· وأيضاً يفضل مراجعة البرنامج العلمي ففيه تفصيل لبعض الكتب، ومن أرد التوسع أكثر فليرجع إلى بعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية مثل: (التوسل والوسيلة) وإلى رسائل وكتب أئمة الدعوة مثل (الدرر السنية).



سئل الشيخ رحمه الله تعالى عن معنى: لا إله إلا الله ؟

فأجاب بقوله: اعلم رحمك الله أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام كلمة باقية في عقيه لعلهم يرجعون، وليس المراد بقولها اللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد بقولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها، ومعاداته، كما قال النبي r (من قال لا إله إلا الله مخلصاً) وفي رواية (خالصاً من قلبه) وفي رواية: (صادقاً من قلبه).
وفي حديث آخر (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.



فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات، نفي الإلهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات، حتى محمد r وجبريل فضلاً عن غيرهم من الأولياء والصالحين.
إذا فهمت ذلك، فتأمل هذه الألوهية التي أثبتها الله لنفسه، ونفاها عن محمد وجبريل وغيرهما أن يكون لهم مثقال حبة من خردل.
فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا: السر والولاية .

والإله معناه: الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه: الفقير والشيخ، وتسمية العامة: السيد، وأشباه ذلك، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم، ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائط، هم الذين يسميهم الأولون: الآلهة، والواسطة: هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط: وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة، فذلك بأمرين:
الأول: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله r وقتلهم، ونهب أموالهم واستحل نساءهم، كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمور إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ﴾ (31) سورة يونس.
وهذه مسألة عظيمة مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار شاهدون بهذا كله، ومقرون بها، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم ولا أموالهم، وكانوا أيضاً يتصدقون، ويحجون، ويعتمرون، ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات خوفاً من الله عز وجل.

ولكن الأمر الثاني: هو الذي كفرهم، وأحل دماءهم وأموالهم، وهو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية، وهو أنه لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح




لغيره، ولا ينذر لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فمن استغاث بغيره فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك.

وتمام هذا أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله r كانوا يدعون الصالحين، مثل: الملائكة، وعيسى، وعزير، وغيرهم من الأولياء، فكفروا بهذا، مع إقرارهم بأن الله هو الخالق الرزاق، المدبر.

إذا عرفت هذا عرفت معنى: لا إله إلا الله، وعرفت أن من نخا نبياً، أو ملكاً، أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله r.
فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق، الرزاق، المدبر، ولكن هؤلاء الصالحين مقربون، ونحن ندعوهم وننذر لهم، وندخل عليهم ونستغيث بهم، ونريد بذلك الوجاهة والشجاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق المدبر.
فقل: كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدعون عيسى، وعزيراً، والملائكة والأولياء، يريدون ذلك كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (3) سورة الزمر. وقال ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ﴾ (18) سورة يونس.

فإذا تأملت هذا تأملاً جيداً عرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية، وهو تفرد بالخلق والرزق والتدبير، وهم ينخون عيسى، والملائكة والأولياء، يقصدونهم لأنهم يقربونهم إلى الله، ويشفعون عنده.
وعرفت أن من الكفار، خصوصاً النصارى منهم من يعبد الله الليل والنهار، ويزهد في الدنيا، ويتصدق بما دخل عليه منها، معتزل في صومعة عن الناس ومع هذا كافر عدو لله، مخلد في
النار بسب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه، أو يذبح له، أو ينذر له، تبين لك كيف صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك r وتبين لك أن كثيراً من الناس عنه بمعزل، وتبين لك معنى قوله r (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ).

فالله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره، وأسه ورأسه، شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم، وأبغضوهم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم، وافترض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم.

فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئاً، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.

ولنختم الكلام بآية ذكرها الله في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم كفراً من الذين قاتلهم رسول الله r، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (67) سورة الإسراء.

فقد سمعتم أن الله سبحانه ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشايخ، ولم يستغيثوا بهم، بل أخلصوا لله وحده لا شريك له، واستغاثوا به وحده، فإذا جاء الرخاء أشركوا.
وأنت ترى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم، وفيه زهد، واجتهاد وعبادة، إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله، مثل معروف الكرخي، أو عبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء، مثل زيد بن الخطاب، والزبير، وأجل من هؤلاء، مثل رسول الله r فالله المستعان وأعظم من ذلك وزراً أنهم يستغيثون بالطواغيت، والكفرة والمردة، مثل شمسان، وإدريس ويونس وأمثالهم.

والله سبحانه أعلم.

والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين.



الأسماء والصفات


* مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يُثبتون ما أثبته الله U لنفسه وأثبته له رسوله r من أسماءَ وصفات, من غير تكييف ولا تمثيل, ومن غير تحريف ولا تعطيل, فلا أحد أعلم بالله منه سبحانه, فإذا أخبر عن نفسه بشيء, فإننا نؤمن به كما أخبر به , دون أن نمثل صفاته بصفات مخلوقيهِ, لأنه قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (11) سورة الشورى.

* ضل في هذا الباب على سبيل الإجمال قسمان من الناس:
1. قسم شبهوا صفات الله بصفات خلقه, وهؤلاء هم المشبهة, وشبهتهم في ذلك أنهم قالوا: لا نعرف من الصفات إلا ما نراه من صفات المخلوقين, فلا نتصور اليد – مثلاً - إلا مثل أيدي المخلوقين.

ـ وهؤلاء ضلالهم بيّن, والرد عليهم يسير, فيجاب عنهم بدليل عقلي, ودليل نقلي, أما الدليل النقلي فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وأما العقلي فنقول: إنه قد تقرر عند كل الناس أن صفات المخلوقين تختلف عن بعضها, فَيَدُ الفيل - مثلاً - تختلف عن يد النملة.......فكيف بالمخلوق والخالق؟؟

2. قسم عطلوا الخالق عن صفاته, فأوَّلوا آيات الصفات وحرفوها, وكذلك الأحاديث أولوها وأنكروها.

ـ وشبهتهم أنهم قالوا: إذا أثبتنا لله الصفات فإننا نشبهه بخلقه, فلا بد أن ننزهه عن ذلك.




ـ وهؤلاء على مراتب, فمنهم من أنكر الصفات كلها وأثبت الأسماء, وهم المعتزلة, ومنهم من أثبت الأسماء وسبعاً من الصفات وأوّل الباقي, وهم الأشاعرة, ومنهم من أنكر الأسماء والصفات كلها وهم لجهمية.

ـ والرد عليهم كالرد السابق وهو أنه لا يلزم من إثبات صفات الله أن تكون كصفات خلقه, بل ولا يجوز أن نتصور لها كيفية معينة, فنثبت لله صفات الكمال وننزهه عن المشابهة, فإن الله جمع في آية واحدة بين إثبات الصفات وبين نفي المماثلة فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.

ـ أسماء الله وصفاته توقيفية - أي متوقف إثباتها على الكتاب والسنة - فلا نثبت إلا ما أثبته الله لنفسه أو ما أثبته له رسوله r.

ـ صفات الله وأسماؤه كلها حسنى, قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (180) سورة الأعراف.

ـ ينبغي أن نستفيد من باب الأسماء والصفات من الناحية العملية... فإذا علمنا أن الله U سميع فينبغي أن نكف عن الكلام فيما حرمه ونهى عنه, وإذا علمنا أنه بصير فينبغي أن نستحي منه ولا ننظر إلى ما حرَّم, وإذا علمنا أنه قريب مجيب فينبغي أن نكثر من الدعاء والسؤال والابتهال والتضرع إليه.

*ـ* هذه خلاصة باب الأسماء والصفات, ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب القواعد المثلى لابن عثيمين رحمه الله.



قواعد في الإيمان والكفر

· الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو/ تصديق القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح.
· الذي لم يحقق هذه الأركان الثلاث فإنه لا يعد مؤمناً.
· الإيمان عند أهل السنة والجماعة/ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
· مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة/ أنهم لا يُكَفِّرونه كما تقول الخوارج، ولا يحكمون عليه بالخلود في النار كما تقوله المعتزلة، بل يقولون أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته،ولا يجعلونه مؤمناً كامل الإيمان كما تقوله المرجئة، والدليل على أنه لا يكفر بالكبائر أن الله U أثبت لصاحب الكبيرة الأخوة الدينية، فقال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فجعلهم مؤمنين مع أنهم ارتكبوا كبيرة القتل، أما في الآخرة فيجعلونه تحت مشيئة الله U، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، ولكنه حتى لو عذب فإنه لا يخلد في نار جهنم، مادام لم يرتكب مكفراً في الدنيا، قال الله: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾.

· ينبغي أن يعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة في باب التكفير/ وسط بين "الخوارج" الذين يكفرون بالكبائر، وبين "المرجئة" الذين لا يكفرون إلا بالاستحلال، فهم لا يغلقون هذا الباب تماماً، كما أنهم لا يفتحونه على مصراعيه لكل من هب ودب يخوض فيه بغير علم، ولأهل السنة والجماعة في هذا الباب ضوابط وقواعد من أهمها:
1. التفريق بين تكفير المعين وتكفير المطلق، بمعنى "ليس كل من فعل الكفر يصبح كافراً" وليس معنى هذا أنهم لا يكفرون أحداً بعينه ممن قال لا إله إلا الله، بل يكفرونه بضوابط.
2. لا ينبغي لمن ترسخ قدمه في العلم أن يخوض في هذا الباب بغير علم، قال الشيخ سليمان العلوان: "فتجد أن بعض الشباب لا يفتي في مسائل الطهارة والصلاة، ويفتي في مسائل التكفير ويوغل فيه" فذكر الشيخ أن هذا خطأ وغلط.


3. المعيّّن لا يكفر حتى تتوفر فيه شروط وتنتفي عنه موانع، وهذه لها تفصيلاتها والكلام عليها يطول، ومن أهم ما في موضوع الشروط والموانع: "من الذي يعذر بالجهل ومن الذي لا يعذر، وكيفية إقامة الحجة، وما هي موانع التكفير، وهل كل تأويل يقبل، وما هي ضوابط الإكراه الذي لا يعذر به المرء؟"، كل هذه التفاصيل من الأصول في هذا الباب، وتجدها في الكتب المفصِّلة في هذا الفن، مثل كتاب "نواقض الإيمان الإعتقادية وضوابط التكفير عند السلف" لمحمد الوهيبي.

ـ وكذلك كتاب "نواقض الإيمان القولية والعملية" لعبد العزيز العبد اللطيف.

ـ وكذلك ما في كلام شيخ الإسلام ابن تيميه في بعض كتبه مثل "الإيمان" في المجلد السابع من الفتاوى، وقد وضعنا هنا عدداً من الأسئلة التي سُئلها الشيخ سلمان العلوان –حفظه الله.

والتي أجاب عنها بتفصيل وتوضيح وتبين، وبين فيها أصول هذه المسائل، فأكثر قراءتها والنظر فيها، والله تعالى أعلى وأعلم.












أسئلة في الإيمان ونواقضه للشيخ سليمان العلوان


^ السؤال الأول: فضيلة الشيخ ما هو تعريف الإيمان عند أهل السنة؟ وما هي نوا قضه؟

الجواب: الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح يزيد وينقص وهذا الذي اتفق عليه الصحابة والتابعون وأهل السنة، والمقصود من قول القلب هو اعتقاده، وعمل القلب هو نيته وإخلاصه، وقد حكى الإمام الشافعي إجماع الصحابة y والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر.
ـ وقال البغوي رحمه الله: "اتفق الصحابة y والتابعون ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن تارك جنس العمل مطلقاً كافر والمراد بجنس العمل أعمال الجوارح فلا يجزئ التصديق بالقلب والنطق باللسان حتى يكون عمل الجوارح.

ـ وقال الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة: "اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً ولا يجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين".
ـ وقال رحمه الله: "فالأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمناً ولم تنفعه المعرفة والقول وكان تركه للعمل تكذيباً لإيمانه وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه"، وقد حكى إسحاق بن راهويه: "إجماع الصحابة y على كفر تارك الصلاة" فقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾،

وقال r: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر t ومن طريق ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير عن جابر t.

ـ وقال سفيان بن عينية: "المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم، وليسا سواء لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية".
ـ وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر وبيان ذلك في أمر آدم u وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي r بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.
ـ وقال إسحاق: "غلت المرجئة حتى صار من قولهم إن قوماً يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره يرجى أمره إلى الله بعد إذ هو مقر، فهؤلاء الذين لا شك فيهم أنهم مرجئة.
ـ وذكر الخلال في السنة عن الإمام الحميدي عبد الله بن الزبير t أنه قال: أخبرت أن قوماً يقولون إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر بالفروض واستقبال القبلة، فقلت هذا الكفر بالله الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله r وفعل المسلمين قال الله U: ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، قال حنبل قال أبو عبد الله أحمد أو سمعته يقول من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به، وهذا قول كل أهل السنة والجماعة فهم متفقون على ما جاء في الكتاب والسنة أن تارك أعمال الجوارح مطلقاً كافر بالله خارج عن الإسلام، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في آخر رسالته كشف الشبهات: "ولا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً"، وخالف في ذلك غلاة الجهمية والمرجئة فزعموا أنه لا يكفر تارك جنس العمل مطلقاً وقد تقدم بيان فساده ومخالفته للكتاب والسنة والإجماع.

ـ وزعموا أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح لا يكفر حتى يجحد أو يستحل، وهذا باطل ليس عليه أثارة من علم، فمناط الكفر هو مجرد القول الذي تكلموا به

وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ وقد دل الكتاب والسنة على فساد هذا القول فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونِ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيْمَانِكُم﴾.

ـ فقد أجمع أهل العلم على أن سب الرسول r كفر دون اشتراط البغض أو الاستحلال.
ـ وأجمع العلماء أن السجود للأصنام أو الطواف على القبور كفر دون ربط ذلك بالاستحلال.
ـ وأجمع العلماء على أن تعمد إلقاء المصحف بالقاذورات كفر دون اشتراط الاستحلال.
وهذا كله ينقض أصول الجهمية والمرجئة ويبطل قولهم في مسألة الإيمان.

وقد جاء في سؤال الأخ طلب بيان نواقض أصل الإيمان وهي كثيرة وقد تقدمت الإشارة إلى شيء منها:
· كترك جنس العمل مطلقاً.
· وترك الصلاة بالكلية.
· و الطواف على القبور والسجود للأصنام.
· وإلقاء المصحف في القاذورات.
· ودعاء غير الله U.
· والتقرب بالذبح لغير الله.
· والنذر للأولياء.
· وسب الله U أو سب رسوله r.
· والاستهزاء بالدين.
· وتبديل شرع الله ووضع القوانين الوضعية وإقامتها مقام حكم الله U وحكم رسوله r وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فمناط الكفر في هذه الآية هو ترك حكم الله والإعراض عنه وسبب نزول الآية يقضي بكفر من ترك حكم الله واعتاض عنه بغيره من أحكام البشر.


· والكفر إذا عرف باللام فيراد به الكفر الأكبر، وما روي عن ابن عباس t من كونه كفراً دون كفر فلا يثبت عنه وقد بينت نكارته في غير موضع وأبنت أن المحفوظ عنه إطلاق الكفر على من حكم بغير مـا أنزل الله، وقد سئل ابن مسعود t عن الرشوة فقال: "من السحت فقيل له أفي الحكم قال ذاك الكفر ثم تلا هـذه الآية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾" وهذا أثر صحيح رواه ابن جرير في تفسيره ورواه أبو يعلى في مسنده و البيهقي ووكيع في أخبار القضاة.

· فمن حكم بهذه القوانين الوضعية والتشريعات الجاهلية أو قننها أو شارك في تشريعها أو فرضها على العباد وألزم بالتحاكم إليها وأعرض عن شرع الله والتحاكم إليه أو استخف بمن ينادي بتحكيم الكتاب والسنة فإنه كافر بالله العظيم وأي كفر أكبر من الإعراض عن شرع الله والصد عنه ومحاكمة من دعا إليه ولمزه بالرجعية والتخلف عن الحضارة والمناداة عليه بالجهل وسوء الفهم.

· ومن عظيم نفاق هؤلاء المشرّعين أنهم إذا دعوا إلى حكم الله تعالى وحكم رسوله r أعرضوا عن ذلك وصدّوا واستكبروا استكباراً وقد صرح أحدهم بأن حكم الله غير مناسب لمثل عصرنا فنحن في عصر التطور والحضارة ومجاراة الدول الأوربية بينما تحكيمُ الشريعة يعود بنا إلى الوراء والتخلف، وهذا لسان حال الجميع من محكمي القوانين وإن لم يتكلم به أكثرهم والأفعال شاهدة على القلوب والأقوال ولا أدل من ذلك محاربتهم للناصحين وإقصاؤهم شرع رب العالمين، وإعطاؤهم المخلوق حق التشريع بحيث تعرض الأحكام الشرعية القطعية على البرلمان فما أجازه فهو نظام الدولة وما حضره فهو ممنوع، وهذا الصنيع إعتداء كبير على التشريع الإلهي وتطاول على الأحكام القطعية ولا ريب أن هذا منازعة لله في حكمه وحكمته وإلاهيته.



· وتقييد الكفر بالجحود أو الاستحلال لا أصل له فإن الجحود أو الاستحلال كفر ولو لم يكن معه تحكيم القوانين.

· قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثالث من الفتاوى: "متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء".

· وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية في ترجمة جنكيز خان: "من ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله r خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين"، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أنزل إِلَيْكَ وَمَا أنزل مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾، فإن قيل إن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يفضل القانون على حكم الله بل يعتقد أنه باطل، فيقال: هذا ليس بشيء ولا يغير من الحكم شيئاً فان عابد الوثن مشرك ومرتد عن الدين وإن زعم أنه يعتقد أن الشرك باطل ولكنه يفعله من أجل مصالح دنيوية قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾، والاعتذار عن هؤلاء المشرعين المعرضين عن الدين بأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقال عنه: بأنّ المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار يشهدون الشهادتين ويصلون ويصومون ويحجون وليس هذا بنافع لهم، والذين يطوفون حول القبور ولها يصلون وينذرون ويذبحون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.



· والذين قالوا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعنون رسول الله r وأصحابه y ونزل القرآن ببيان كفرهم، مع أنهم كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويجاهدون.

· والرافضة الإثنا عشرية الذين يسبون الصحابة y ويزعمون بردة أبي بكر وعمر وعثمان y ويقذفون عائشة رضي الله عنها بالإفك يتكلمون بالشهادتين.

· والسحرة والكهان والمنجمون يلفظون بالشهادتين.
· وبنو عبيد القداح كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد وقد أجمعت الأمة على كفرهم وردتهم عن الإسلام.
· وهذا أمر يعرفه صغار طلبة العلم ناهيك عن كبارهم وقد صنف أهل العلم كتباً كثيرة في الردة و نوا قض الإسلام يمكن مراجعتها في مضانها.
· وأهل العلم والسنة يفرقون بين ذنب ينافي أصل الإيمان وبين ذنب ينافي كماله الواجب فلا يكفرون بكل ذنب، وقد أجمعوا على أنه لا يكفر صاحب الكبيرة ما لم يستحلها فلا يكفر المسلم بفعل الزنا وشرب الخمر وأكل الربا لأنه هذه المحرمات لا تنافي أصل الإيمان.
· والحديث عن هذه المسألة يطول ذكره وقد تحدثت عن هذه القضية في غير موضع وبينت كفر تارك أعمال الجوارح مطلقاً وردة المبدّلين لشرع الله المعرضين عمّا جاء به رسول الله r بيد أني أقول إن الحديث عن هذه المسألة وغيرها من النواقض هو حديث عن النوع دون العين بمعنى أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح كفر وهذا ليس بلازم منه تكفير المعين، لأنه لا يحكم على العين بالكفر حتى تقام عليه الحجة وتنتفي عنه الشبهة لاحتمال أن يكون جاهلاً جهلاً معتبراً أو متأولاً تأويلاً سائغاً أو مكرها، وحين تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه موانع التكفير يصبح حينئذ مرتداً عن الدين ويجب على ولىّ أمر المسلمين تطبيق حكم الله فيه، ويمتنع على آحاد الناس إقامة الحدود والأحكام دون السلطان فإن هذا يسبب فوضى في المجتمع ولا يحقق المصلحة المطلوبة، وللحديث بقية

لعلي أتحدث عنه في جلسة أخرى، وأشير إلى أسباب الضلال في هذا الباب ومواطن الزلل في كلام كثير من المعاصرين، فقد زلّ في هذه المسألة الكبيرة طائفتان:

1. الخوارج حيث أخرجوا عصاه الموحدين من الإسلام وجعلوا ذنباً ما ليس بذنب ورتبوا على ذلك أحكام الكفر ولم يراعوا في ذلك الأحكام الشرعية ولا المطلق من المقيد ولا موانع التكفير.

2. وقابلهم في هذا الضلال أهل الإرجاء حيث زعموا أنه لا يكفر أحد بذنب مهما كان ذنبه حتى يستحل أو يجحد، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على فساد هذين المذهبين وعلى ضلال تلك الطائفتين.

*ـ* وأختم بمسألة مهمة وأنبه على أنه ليس كل من شابه المرجئة بقول واحد أصبح مرجئاً، ولا كل من دان برأي من آراء الخوارج صار خارجياً، فلا يحكم على الرجل بالإرجاء المطلق أو أنه من الخوارج حتى تكون أصوله هي أصول المرجئة أو أصول الخوارج.

ـ وقد يقال عن الرجل فيه شيء من الإرجاء في هذه المسألة وذاك فيه شيء من مذاهب الخوارج، وحذار حذار من الظلم والبغي حين الحديث عن الآخرين من العلماء والدعاة والمصلحين وغيرهم، فالعدل في القول والفعل من صفات المؤمنين وهو مما يحبه الله ويأمر به قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان﴾، وقد اتفق الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم إنسهم وجنهم على حب العدل، واتفق الناس كلهم على بغض الظلم وذمه وبغض أهله وذمهم ومهما كانت منـزلة عدوك من الانحراف والضلال فهذا لا يسّوغ لك ظلمه وبهته، فكن من خير الناس للناس ولا تتحدث عن الآخرين إلا بعلم وعدل واجعل قصدك نصرة الحق والنصيحة للآخرين، وقد قال النبي r: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه من حديث أبي هريرة t.




^ السؤال الثاني: ما هي عقيدة السلف في ترك جنس العمل؟

الجواب: إن تارك جنس العمل أي أعمال الجوارح مطلقاً كافر باتفاق المسلمين ولا ينفعه حينئذٍ قوله ولا اعتقاده فإن ذلك لا يصح بدون عمل، وترى هذا مبيناً بطولٍ في الشريعة للآجري والإبانة لابن بطة وكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية وأوائل المجلد الأول من فتح الباري للحافظ ابن رجب، وليس هذا بلازم لتكفير أصحاب الكبائر كما يقوله أهل الإرجاء فإن السلف متفقون على أن من الأعمال أركاناً للإيمان يكفر تاركها ومنها واجبات لا يكفر تاركها.

ـ وفي فتح الباري لابن رجب قال سفيان بن عيينة: "المرجئة سمّوا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم، وليسا سواء، لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر".

ـ وبيان ذلك في أمر آدم u وإبليس وعلماء اليهود الذين أقرّوا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.

ـ ونقل حرب عن إسحاق قال: "غلت المرجئة حتى صار من قولهم إن قوماً يقولون من ترك الصلوات المكتوبات وصـوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يُرْجى أمرُه إلى الله بعد، إذ هو مُقر، فهؤلاء الذين لا شك فيهم يعني أنهم مرجئة"، ومن دعاوى أهل الإرجاء أنه لا يكفر أحد بالفعل ما لم يستحل أو يكذب أو يعاند الحق ويبغضه ويستكبر عنه، وهذا قول غلاة الجهمية وهو خلاف الكتاب والسنة والإجماع فإن ساب الرسول r كافرُ بالاتفاق دون اشتراط البغض أو الاستحلال.



ـ وأجمع العلماء على كفر المستهزئ بالدين دون ربط ذلك بالاعتقاد بل يكفر بمجرد الاستهزاء الصريح ولو كان هازلاً أو مازحاً قال تعالى: ﴿قل أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ فمناط الكفر هو مجرد القول.

ـ وكذلك أجمع العلماء على كفر الحاكم المبدل لشرع الله الذي يضع القوانين الوضعية ويجعلها قائمة مقام حكم الله وحكم رسول الله r.
وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتاب البداية والنهاية في ترجمة جنكيز خان، قال رحمه الله: من ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين.

وقول ابن عباس في قوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ كفر دون كفر. لا يصح عنه رواه الحاكم في مستدركه من طريق هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس وهشام بن حجير ضعيف الحديث قاله الأئمة يحي بن معين وأحمد بن حنبل والعقيلي وغيرهم وقال الإمام سفيان بن عيينة. لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير مالا نجده عند غيره.
والمحفوظ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (هي كفر) رواه عبد الرزاق في تفسيره من طريق عبد الله عن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وسنده صحيح.
وهذا المنقول عن أكابر الصحابة.ولا أعلم عن أحد منهم خلافاً في ذلك.

فأصحاب القوانين الوضعية والأنظمة الجاهلية والتشريعات المخالفة لحكم الله كفار:
1. بترك الحكم بما أنزل الله.
2. وكفار بتبديل شرع الله.
3. وكفار في حكمهم بهذا التشريع الجاهلي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثالث من الفتاوى: والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء.

والاعتذار عن هؤلاء المشرّعين بأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. يقال عنه.

* بأن المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار يشهدون هذه الشهادة ويصومون ويصلون وليس هذا بنافع لهم.

* والذين قالوا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونزل القرآن بكفرهم، كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويجاهدون.

* والذين يطوفون حول القبور ولها يصلون وينذرون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

* والرافضة الإثنا عشرية يتكلمون بالشهادتين.

* والسحرة والكهان والمنجمون يلفظون بهما.

* وبنو عبيد القداح كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد. وقد أجمعت الأمة على كفرهم وردتهم عن الإسلام.

وهذا أمر يعرفه صغار طلبة العلم ناهيك عن كبارهم.

فالاعتذار عن تكفير المبدّلين لشرع الله من أجل التكلم بالشهادتين مجرد تلبيس وتعمية للحقائق ومساهمة في استمرار الشرك في الأرض ونفوذ سلطان البشر مكان شرع الله.



وقد اعتذر عنهم آخرون بأنهم لا يفضلون القانون على الشرع ويعتقدون أنه باطل !! وهذا ليس بشيء ولا أثر له على الحكم فعابد الوثن مشرك ومرتد عن الدين وإن قال أنا أعتقد أن الشرك باطل.


^ السؤال الثالث: فضيلة الشيخ هل يعذرون بالجهل؟

الجواب: الذي منشأ ضلاله وكفره الإعراض عن العلم والعلماء والصدود عن الحق والتفريط الواضح في البحث عن سبيل الأنبياء والمرسلين فهذا غير معذور قال تعالى: ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾ وقال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾.

والذي منشأ ضلاله وتلبسه بالشرك أو الكفر الجهل المعتبّر مثل عدم بلوغ العلم أو التأويل الذي له وجه في العلم ونحو ذلك فإنه لا يُكفَّر حتى تقوم عليه الحجة.

وذلك أنَّ الجهل نوعان:
· الأول مقبول/ وهذا مانع من ثبوت الأحكام الشرعية فإن الحكم لا يترتب إلا على من توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع.

· الثاني غير مقبول/ وقد بينت ذلك في غير موضع وفصلت في المسألة وذكرت الأدلة على ذلك ومذاهب أهل العلم والله أعلم.






^ السؤال الرابع/ فضيلة الشيخ هل يكفر ساب الرسول r بمجرد السب أم يشترط في ذلك الاستحلال؟

الجواب: أجمع الصحابة y والتابعون ومن جاء بعدهم من أهل السنة أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح كفر دون تقييد ذلك بالاستحلال، واتفق أهل العلم على أن الكفر قد يكون بالجحد أو التكذيب أو الإعراض، وقد يكون بالقول كسب الله U وسب رسوله r والاستهزاء بالدين وأحكامه، ويكون بالفعل كالسجود للأصنام والطواف على القبور والذبح للجن والأوثان، وقد يكون بالترك كترك جنس العمل مطلقاً، وحكى إسحاق بن راهويه وغيره إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة عمداً وقد جاء في صحيح مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير المكي عن جابر t أن النبي r: قال (بين الرجل وبين الشرك أو الكفـر ترك الصلاة)، والكفر المعرف بالألف واللام يدل على الكفر الأكبر غير أنه قد جاء في كفر تارك الصلاة خلاف بين أئمة المذاهب فقالت طائفة لا يكفر مطلقاً ما لم يجحد وجوبها، وقالت طائفة يكفر كفراً أكبر لإجماع الصحابة y على ذلك على خلاف بينهم في القدر الذي يكفر بتركه فقالت طائفة يكفر بترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها وقالت أخرى لا يكفر إلا بالترك الكلي، وبالجملة فأهل السنة لا يكفرون بمطلق الذنوب ولا بكل ذنب كما تفعل الخوارج والمعتزلة حيث يكفرون بكبائر الذنوب ويعتقدون ذنباً ما ليس بذنب ويرتبون عليه أحكام الكفر وتارة يأخذون الناس بلازم أقوالهم وهذا كثير في المتأخرين ولا يفرقون في إطلاق الأحكام بين النوع والعين ولا بين مسألة وأخرى وقد يكفّرون من لا يوافقهم على هذه الانحرافات وقد جاء نعتهم على لسان رسول الله r: (أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد t، فأهل السنة وسط بين الخوارج والمرجئة فلا يكفرون أهل الكبائر ما لم يستحلوا ذلك ولا يقولون بقول المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب أو لا يكفر من أتى بمكفر حتى يستحل فهذا باطل بالكتاب والسنة والإجماع فمن سب الله U أو سب رسوله r فقد كفر دون تقييد ذلك بالاستحلال وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد قال إسحاق بن راهويه، وقد أجمع العلماء على أن من سب الله U أو سب رسوله r أو دفع شيئاً أنزله الله أو قتل نبياً من أنبياء الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر.


الحكم بغير ما أنزل الله

قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، والمراد بالطاغوت في هذه الآية الحاكم بغير شرع الله الذي جعل نفسه مشرَّعاً مع الله أو دون الله وقد سمّاه الله مشركاً في قوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾، وقال تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، و سمّاه كافراً في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾، والكفر إذا أُطلق وعرّف بالألف واللام فيراد به الأكبر، وما قيل عن ابن عباس t أنه قال: (كفر دون كفر) لا يثبت عنه، فقد رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/521) والحاكم في مستدركه (2/313) من طريق هشام بن حُجَير عن طاووس عن ابن عباس به، وهشام ضعفه الإمام أحمد ويحي بن معين والعقيلي وجماعة، وقال علي بن المديني: "قرأت على يحي بن سعيد حدثنا ابن جريج عن هشام ابن حجير فقال يحي بن سعيد خليق أن أدعه قلت أضربُ على حديثه؟ قال نعم" وقال ابن عيينة لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره، وهذا تفرد به هشام وزيادة على ذلك فقد خالف غيره من الثقات، فذكره عبد الله بن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس t عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ قال هي كفر وفي لفظ (هي به كفر) وآخر (كفى به كُفْره) رواه عبد الرزاق في تفسيره (1/191) وابن جرير (6/256) ووكيع في أخبار القضاة (1/41) وغيـرهم بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد، وطريق هشام بن حجير منكر من وجهين:
· الوجه الأول: تفرد هشام به.
· الوجه الثاني: مخالفته من هو أوثق منه.

ـ وقوله (هي كفر) واللفظ الآخر (هي به كفر) يريد أن الآية على إطلاقها والأصل في الكفر إذا عرّف باللام أنه الكفر الأكبر كما قرر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في الاقتضاء (1/208) إلا إذا قيد أو جاءت قرينة تصرفه عن ذلك.


ـ وقول امرأة ثابت بن قيس (ولكني أكره الكفر في الإسلام) رواه البخاري (5273) عن ابن عباس t، لا يخالف هذه القاعدة ولا ينقض الأصل المقرر في هذا الباب فقد قالت، (في الإسلام) وهذه قرينة بينة على أن المراد بالكفر هنا مادون الأكبر، ولا يصح أن يقال عن الكفر الأكبر في الإسلام ولو أطلقت الكفر مُعَرفاً باللام دون تقييده لتبادر إلى الأذهان حقيقة اللفظ وما وضع له فنفت هذا التوهم بتقييدها وهذا واضح للمتأمل.

ـ وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (13/119) (من ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدَّمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين)، وهذا حق لا خلاف فيه، وأعظم منه وأولى بنقل الإجماع على كفره من صدَّ عن شرع الله وبدَّل أحكام الدين وفرض على قومه تشريعات يتحاكمون إليها في أموالهم ودمائهم وأعراضهم زيادة على هذا حماية هذه التشريعات وتفريغ الجهود والطاقات في تقنينها والمجادلة عنها.

ـ وقول بعض المعاصرين عن هذا الإجماع الذي نقله ابن كثير رحمه الله بأنه (خاص بملوك التتار ومن تلبس بمثل ما تلبسوا به من نواقض الإسلام والتي منها الجحود والاستحلال للحكم بغير ما أنزل الرحمن) هو مجرد ظن لم تسانده حقائق علمية ولا حجج قائمة، على أن الحافظ لم يتفرد بقوله ولا بنقله للإجماع. فخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين يذكرون مثل هذا وأعظم، وكيف لا يحكم بكفر من عطل الشريعة ونصب نفسه محللاً محرّماً محسناً مقبحاً وجعل محاكم قانونية لها المرجعية في الحكم والقضاء ولا يمكن مُساءَلتها أو التعقيب والاعتراض على أحكامها، وحملُ الكاتب كفر التتار على الجحود والاستحلال ليس له وجه سوى تأثره بأهل الإرجاء من جعل مناط الكفر هو الاستحلال أو الجحود وهذا باطل في الشرع والعقل فالاستحلال كفر ولو لم يكن معه حكم بغير ما أنزل الله والآية صريحة في أنّ مناط الكفر هو الامتناع عن الحكم بما أنزل الله.



ـ وكثير من المتأخرين متأثرون بمذاهب أهل الإرجاء الذين يقولون كل من أتى بمكفر من قول أو عمل فإنه كافر ولكنّ كفره ليس لذات العمل لكنه متضمن للكفر ودلالة على انتفاء التصديق بالقلب وعلامة على التكذيب، وآخرون من غلاة المرجئة يمنعون من التكفير بالعمل مطلقاً ما لم يثبت عنه الجحود أو الاستحلال، وهذا خلاف كتاب الله U وسنة رسوله r وإجماع المسلمين، وقد اتفق أهل العلم على أن سبّ الله U وسب الرسول r كفرٌ ولم يشترط واحد منهم الاستحلال أو الاعتقاد بل يكفي في كفره مجرد ثبوت السب الصريح.

ـ واتفقوا على كفر المستهزئ بالدين بدون شرط الاعتقاد أو الاستحلال بل يكفر ولو كان مازحاً أو هازلاًَ، واتفقوا أيضاً على أن التقرب للأموات بالسجود لهم أو الطواف على قبورهم كفر، واتفقوا على أن إلقاء المصحف في القاذورات كفر، وهذا قول كل من يقول بأن الإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

ـ وقد اتفق أهل السنة على أن الكفر يكون بالقول كالاستهزاء الصريح بالدين ويكون بالفعل كالسجود للأصنام والشمس والقمر والذبح لغير الله، والأدلة من الكتاب والسنة صريحة في كفر من أتى بمكفر وذلك بمجرد القول أو الفعل دون ربط ذلك بالجحود أو الاستحلال فإن هذا فاسد لم يقل به أحد من الصحابة والتابعين ولا الأئمة المعروفين بالسنة.

ـ قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ # لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ومناط الكفر هو مجرد القول الذي تكلموا به.

ـ وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأْرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.


ـ وبالجملة فكل من قال أو فعل ما هو كفر صريح كفر ما لم يمنع من ذلك مانع من الإكراه أو التأويل أو الخطأ كسبق اللسان أو الجهل المعتبر.

ـ ومن الكفر المستبين ترك جنس العمل مطلقاً دون ربط ذلك بأعمال القلوب فمجرد الترك المطلق لجنس العمل كفر أكبر ولكن يستدل بانتفاء اللازم الباطن دون جعله شرطاً للحكم وهذا صريح الكتاب والسنة فالحكم واقع على أعمال الجوارح وليس على ما في القلوب فهذا لعلاّم الغيوب، وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في فتح الباري (1/23) عن سفيان بن عيينة أنه قال: المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم وليسا سواء لأن ركوب المحارم متعمداًَ من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم u وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي r بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.


* من كلام الشيخ سليمان العلوان.














الولاء والبراء

إن هذا الموضوع من أهم مواضيع العقيدة، كيف لا وهو لا زمٌ لمعنى لا إله إلا الله، حيث فيها نفي كل ما يعبد من دون الله، وبغضه وكراهته، وفيها توحيد الله وعبادته ومحبة كل من أحب الله ورسوله، ولأن هذا الباب من العلامات المميِّزة للمؤمنين الصادقين، والفاضحة للمنافقين المدّعين، كان ثقيلاً على المنافقين العملُ به، بل من الثقيل عليهم رؤية من يقوم به، فهاهم اليوم يوالون الكفار، ويعادون بعض المؤمنين الصادقين، وهاهم كذلك يحاولون استئصال هذا الفكر على حد تعبيرهم، فالكتب التي تؤصل موضوع الولاء والبراء وتفصّله تُرفض وتسحب من الأسواق، والذي يتحدث عن هذا الموضوع ويبينه للناس، يرمى بالتشدد والتطرف، وربما أوذي أو أوقف، لذلك ينبغي على المتبع لدين الله أن يهتم بهذا الموضوع وأن يدين الله U به عاجلاً غير آجل فقد قدمه الله بالذكر على الإيمان به فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾، وينبغي العكوف عليه ودراسته، ونحن هنا وضعنا لك أخي المجاهد خلاصة الموضوع وزبدته ومن أراد الاستزادة والزيادة فليرجع إلى أحد هذا الكتب:

· الموالاة والمعاداة/ لمحماس الجلعود, وهذا كتاب رائع ومفيد، وجامع لمسائله وفصوله, ولكنه سحب من الأسواق، وقد يوجد في المكتبات القديمة.

· حقيقة الولاء والبراء/ لسيد سعيد عبد الغني، وهو كذلك من أروع ما كتب في هذا الباب، وهو غير متوفر في كل المكتبات.

· الولاء والبراء/ لمحمد سعيد القحطاني، وهو كتاب مفيد ولكنه دون سابقيه.



ولاء المؤمن للمؤمنين
موالاة المؤمن لإخوانه المؤمنين تتجسد في صور كثيرة نلقي الضوء على بعض منها عسى أن تكون حافزاً لكل مؤمن على معرفة كل ما يجب عليه تجاه إخوانه المؤمنين موالاة لهم ومعاداة للكافرين.
ومن هذه الموالاة:

1ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يتناصرون ويتعاضدون وذلك يكونوا بوسائل شتى وطرق عدة وعلى رأس ذلك كله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(71) سورة التوبة.
فإن أول صفة لهؤلاء الأولياء من المؤمنين والمؤمنات أنهم يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف وينهى بعضهم بعضاً عن المنكر.
فإذا كانوا يتحركون بهذا الدين ويأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر فبعضهم أولى ببعض بهذا الأمر وبهذا النهي.
ونتذكر في هذا المقام الصحابي الجليل أنس بن النضر y حينما أخلص المولاة للرسول r وهو سيد المؤمنين فقام وقاتل تحت رايته رغم إشاعة خبر موته r. (وذلك في غزوة أحد).
وتظهر المولاة أيضاً حينما (نهى أصحابه عن المنكر) بتركهم القتال والاستسلام لخبر موت النبي r فقال لهم: وما يجلسكم ؟ !!.
فلما قالوا له: (قتل الرسول r ) نهاهم مرة ثانية عن هذا المنكر وهو الجلوس وترك الجهاد. قال لهم: فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟!!.

ثم يأتي دور الأمر بالمعروف فقال لهم (قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله r. هكذا تتجلى عقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلم مع إخوانه وأخواته من المؤمنين والمؤمنات فهم أحق الناس بأن يتوجه إليهم هذا النفع وحماية لهم من أي ضرر قد يقع فيه أحدهم ولذلك وصفهم الله بخير أمة أخرجت للناس بهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ (110) سورة آل عمران.

2ـ اللين وخفض الجناح:
إن من مظاهر الموالاة في الله أيضاً اللين وخفض الجناح للمؤمنين فإن هذا الدين فريد في خصائصه يصنع نوعاً خاصاً من الرجال يجمع بين اللين والشدة، والرقة والغلظة، والذلة والعزة، وبالمصطلح العقدي يجمع بين (الولاء والبراء) ( ولاء للمؤمنين) فنرى اللين والرقة والذل وخفض الجناح (وبراء من الكفرة والمشركين والمنافقين) فنرى الشدة والغلظة والعزة والكبرياء.

ويصور لنا القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الذي تتحكم فيه العقيدة فتوجه المؤمن من حيث الولاء والبراء تتحكم في سلوكه وتوجه مشاعره وأحاسيسه انطلاقاً من مبادئ هذا الدين وانتهاء بأحكامه ومعاملاته فالمؤمن وفق ما أراده له الله ووجهه إليه رسوله الكريم r لا يملك إلا السمع والطاعة في عزة وكرامة وفي حب وولاء وعن اقتناع وعقيدة قال تعالى في وصف هذا الولاء والبراء: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ (54) سورة المائدة. ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (29) سورة الفتح.

ثم بعد هذا اللين نرى التوجيه الرباني لنبي ورسول هذه الأمة محمد بن عبد الله r أن يعلن ولاءه للمؤمنين وأن يترجم هذا الولاء في سلوك إيماني جميل ورقيق كله رفق وحنان وأمن وأمان حيث قال له الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (215) سورة الشعراء، الله أكبر على هذا اللين وخفض الجناح للمؤمنين.

وتتطامن نفس المؤمن مع أهل الإيمان تواضعاً وليناً ورفقاً للتآلف قلوبهم على محبة الله وتتوثق عرى أخوتهم على دينه وقد أمر الله رسوله r بخفض جناحه لأولئك الذين يستجيبون لدعوته كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم للهبوط.


وهذه أعلى مقامات اللين والتواضع في صورة حسية مجسمة معبرة والأمة الإسلامية المتراحمة يحنو فيها الكبير على الصغير ويعطف الغني على الفقير ويذل القوي للضعيف لأن هذه صفات الإيمان فلا تفاخر ولا تعالي ولا تعاظم ولا ظلم
فإنه لم يرد بهذا الذل – الذل والهوان الذي صاحبه ذليل – وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول – فالمؤمن من ذلول كما جاء في الحديث: (المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد وإذا أنيخ على صخرة استناخ).
فهذا هو اللين وخفض الجناح الذي هو إعلان عن الولاء لعباد الله المؤمنين.

3ـ المحبة والمودة:
ومن مظاهر الولاء للمؤمنين أيضاً (المحبة والمودة) فإن من ركائز الولاء هي المحبة بل يدور الولاء على هذا الأصل فأصل الولاء والموالاة يقوم على المحبة التي هي نابعة من القلب ولذلك يقول النبي r في الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فهذه المحبة من دعائم الإيمان وأصوله فحب المؤمن واجل كحب النفس ولا يطلق مطلق الإيمان ولا مطلق الولاء لمن لم يحب المؤمنين بل ويحب لهم ما يحبه لنفسه.

بل نرى الصحابة رضي الله عنهم يضربون لنا المثل الأعلى في هذا الحب فهم قد علوا على هذه المنزلة وهي الحب للغير ما يحبه المؤمن لنفسه لقد فاتوا هذه المرتبة وعلوا على هذا المقام فكان أحدهم يحب لأخيه أكثر ما يحبه لنفسه والقرآن الكريم خير شاهد على هذا السمو والارتقاء، والطهر والنقاء، والعلو والارتفاع عن حطام الدنيا وما فيها، والنفس وما جبلت عليه قال تعالى معبراً عن هذا النموذج الفريد، والمثال الأشم الأعظم وعن هؤلاء الصفوة:﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ (9) سورة الحشر.

فبلغت بهم المحبة والمودة والموالاة أنهم يفضلون ويؤثرون إخوانهم في الله على أنفسهم بمالهم الذي هو ملكهم الخاص، وديارهم التي هي ممتلكاتهم الخاصة وذلك لما دخل الإيمان في قلوبهم وملك عليهم أفئدتهم أنساهم أموالهم وممتلكاتهم فرأوا إخوانهم أحق منهم مما في أيديهم، !!! نعم،

إنها العقيدة الحقة، إنها الموالاة في الله وابتغاء مرضاة الله فرضي الله عن هؤلاء القوم ورضوا عنه، حقاً ورب الكعبة إنه دين القيمة.

فضل الحب في الله:
أما عن فضل الحب في الله فحدث ولا حرج، فإن هذه المحبة في الله بين المؤمنين موالاة لله تعالى وولاء للمؤمنين، فهي سبب لحب الله تعالى ورضاه على المؤمن، فالله يحب من يحب من عباده المؤمنين، ويبغض من أبغض عباده المؤمنين
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).
قال الإمام النووي رحمه الله:
(المتحابون بجلالي) أي بعظمتي وطاعتي لا للدنيا.
وقوله تعالى: يوم لا ظل إلا ظلي) أي أنه لا يكون من له ظل مجازاً كما في الدنيا.
قال القاضي عياض: ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق.
قال عيسى بن دينار: وعناه كفه عن المكاره، وإكرامه، وجعله في كنفه وستره.
وقيل: يحتمل أن الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم، يقال: هو في عيش ظليل أي طيب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجه ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد ؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها ؟ قال: لا، غير أني أحبه في الله عز وجل. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه).

فانظر يا أخي كيف كانت هذه الموالاة، وهذا الحب، وهذه المودة في الله سبباً في حب الله للعبد، لأن بالحب والود، والتماسك والتراحم، تقوى الشوكة، ويظهر الدين، وتكون الغلبة لعباد الله المؤمنين ويتحقق فيهم (الجسد الواحد) الذي أخبر به النبي r في حديثه الشريف.
فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله r (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

وفي رواية أخرى يمثل النبي r الجسد (بالرجل الواحد) تجسيداً للوحدة، وحثاً على الاجتماع والتماسك والاعتصام بحبل الله.

فعن النعمان بن بشير: قال: قال رسول الله r (المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).

4ـ الحفاظ على حرمة المسلم:
إن من أهم أبواب الموالاة ومبادئها في الإسلام أن يعلم المؤمن والمسلم حقوق أخيه المسلم وما يجب عليه تجاهه، وأن يعلم أن للمسلم حرمة يجب الوقوف عندها وعدم انتهاكها فهذه من أعلى مبادئ الموالاة أن يصون المسلم حرمة أخيه المسلم في حضوره وفي غيابه.
وهذه الحرمة لها صور كثيرة، وللأسف يقع فيها كثير من المسلمين وفي ذلك انتقاص من الموالاة لإخوانه المسلمين. ونلمح بعضاً من هذه الحقوق في حديث النبي r:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن محمداً r قال: (ألا أنبئكم ما العضة ؟ هي النميمة القالة بين الناس).



وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله r قال: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).

فمن هذه الأحاديث الشريفة وغيرها تظهر لنا حقيقة الموالاة في الله للمؤمنين وكيف أن المسلم مطالب بل هو فرض عليه حفظ وصون حرمة أخيه المسلم في حضوره، وفي غيبته، ويشمل هذا الأمر جميع حرمات المسلم الحسية والمادية والمعنوية.
ولقد اشتملت هذه الأحاديث على بعض هذه الحقوق نلقي الضوء عليها سريعاً للتذكرة لإخواننا المسلمين، عسى أن يلتزموا بهذه التوجيهات المحمدية، وينتهوا عن هذه المحرمات اللا أخلاقية.
بعض حرمات المسلم:
· ألا يحسد المسلم أخاه المسلم بتمني زوال النعمة عنه.
· ألا يتعامل المسلم بالنجش مع أخيه المسلم وألا يبيع على بيع أخيه.
· ألا يبغض المسلم أخاه المسلم (لأن البغض لا يكون إلا للكافرين).
· ألا يتدابر المسلمان بأن يعرض كل منهما على الآخر.
· ألا يظلم المسلم أخاه المسلم بأي نوع من أنواع الظلم ما كبر منه وما صغر.
· ألا يحقر المسلم أخاه المسلم بل يتواضع له في لين وذلة وخفض للجناح.
· ألا يتجسس المسلم على أخيه المسلم وهو سماع حديثه بدون علمه.
· ألا يتحسس المسلم على أخيه المسلم وذلك التحسس بالبحث عن عورات أخيه المسلم. بل هو مطالب بستر عورات إخوانه المسلمين من باب الموالاة في الله.
· عدم الظن السوء بالمسلمين بل يجب على المسلم حسن الظن بإخوانه المسلمين من باب المحبة والموالاة.
· ألا يهجر أخاه فوق ثلاث إن اضطر إلى امتداد الهجر إلى ثلاث لأصل الأصل هو سرعة إزالة الشحناء من بين المسلمين.
· ألا يغتاب المسلم أخاه المسلم وذلك بذكر عيوبه.
· ألا يقع في البهتان وذلك بذكر ما ليس في أخيه من العيوب وغير ذلك.

· أن يحذر المسلم أن يقع في النميمة وهي الإفساد بين الناس عن طريق نقل الكلام والافتراء وغير ذلك.
· أن يحذر المسلم من أن يأكل مال أخيه المسلم بالباطل فمال المسلم حرام إلا ما كان عن طيب نفس.
· الحذر من انتهاك عرض المسلم فعرض المسلم كله حرام.
· الحذر من سفك دم المسلم فالمسلم دمه حرام فزوال الدنيا أهون عند الله من قطرة دم من مسلم تسفك بغير حق.

5ـ النصرة:
إن من مقتضيات الموالاة في الله لإخواننا المؤمنين (النصرة) وهي نصرة المسلمين في كل مكان، وفي كل بلد، وعلى كل أرض، وفي أي وقت، وفي كل عصر فالنصرة حق إسلامي، وواجب إيماني، وموالاة في الله تعالى.

ونحن حين نتكلم عن النصرة أول ما يخطر ببالنا، ويمر على أذهاننا موقف الجيل الأول رضوان الله تعالى عنهم من هذا الدين ومن بعضهم البعض فلقد جسدوا هذه النصرة في مواقف إيمانية رائعة ومدهشة، أوضحت المقصود من تلك الكلمة ومن هذا التعبير (النصرة)، فنرى المهاجرين يهجرون أوطانهم ومسقط رؤوسهم ويتركون أهليهم وأموالهم، ويخلفون أولادهم وراءهم في مكة المكرمة ويهاجرون إلى المدينة نصرة لله ولرسوله r ونصرة لهذا الدين.

وفي المقابل نجد نصرة أخرى ومن نوع خاص ومن طراز فريد من هؤلاء الأنصار رضي الله عنهم جميعاً ينصرون إخوانهم في الله من المهاجرين فيأوونهم في أرضهم ويغدقون عليهم من أموالهم ومما في أيديهم من فضل الله تعالى في سخاء وجود، إيثاراً لهم على أنفسهم حتى ولو كانوا في شدة أو ضيق.



فنرى هذا الذي يكفل أخاً له من المهاجرين، وهذا الذي يهبه داره، وثالثاً يشاطره ماله، ورابعاً يعرض عليه أن يطلق له إحدى زوجتيه لكي يعفه ونصرة له، الله أكبر إنها النصرة في الله تعالى والموالاة لعباد الله المؤمنين في أعلى صورها المشرفة والمشرقة. ويعبر لنا القرآن الكريم عن هذا الموقف ويرسم لنا هذه الصورة في أروع تعبير، وأوضح بيان وأبدع تركيب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (9) سورة الحشر.

ويعلل الله تعالى لهذه المواقف الإيمانية وهذه الموالاة وهذه النصرة بأن ذلك من مقتضيات الموالاة في الله تعالى وأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ (72) سورة الأنفال.

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله:
ذكر الله تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى [مهاجرين] خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك.
وإلى [أنصار] وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم (فبعضهم أولياء بعض) أي: (كل منهم أحق بالآخر من كل أحد) ولهذا آخى رسول الله r بين المهاجرين والأنصار كل اثنين فكانوا يتوارثون بذلك إرثاً على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث.

ويزيد الله الأمر تأكيداً ووضوحاً في وجوب النصرة بين المؤمنين بعضهم وبعض وذلك بأمر صريح، وخاصة إذا هذه النصرة في قتال ديني فإنه يزيد الأمر وجوباً لأنهم إخوانهم في الدين تجمعهم أخوة الدين التي هي أوثق من أخوة النسب.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (72) سورة الأنفال.


ثم بعد هذا الأمر من الله تعالى بالنصرة للإخوان في الله وفي الدين بين سبحانه أن المؤمنين ليس لهم أولياء إلا إخوانهم في الإيمان، أما الكافرون فيعضهم أولياء بعض. قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ (73) سورة الأنفال

يقول الحافظ ابن كثير: لما ذكر الله تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار.

ثم يأتي بعد ذلك التحذير الرباني من التخلف عن هذه النصرة في الدين، وترك موالاة المؤمنين وطمس قضية [الولاء والبراء] وطرحها من عقيدة المسلم، قال تعالى محذراً من ذلك بعد الأمر بالنصرة: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (73) سورة الأنفال(أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل).

وبعد هذا العرض السريع لبعض مفهوم النصرة في الدين نستطيع أن نحدد بعض نقاط من النصرة في الدين ونذكر من ذلك ما يلي:
1ـ النصرة بالنفس: وهذه النصرة في الدين بالنفس من أعلى مقامات النصرة والموالاة وذلك لأن المؤمن فيها يحمل روحه على أكفه لنصرة إخوانه في الدين، وحماية لعرض المسلم، وصوناً لمقدسات المسلمين، وحقناً لدم المسلم، وحفاظاً على أرض الإسلام والمسلمين، فيهب المسلم في المشرق لنصرة أخاً له في المغرب، تحقيقاً للموالاة، وانطلاقاً من الأخوة.
فلا يبالي المسلم الحق بأي خطر، ولا يحمل هم أهل ولا ولد، ولا منعه زوجة ولا رغد عيش، عن نصرة إخوانه في الله، فكل شيء يضعف وتقل قيمته أمام هذا الواجب الإيماني في نصرة المسلم في أي مكان كان، ومهما كان لونه، ومهما اختلفت لغته، ومهما بعد قطره, فهو حلقة في هذا العقد لإسلامي الواحد المترابط، وهو عضو في هذا الجسد الإسلامي الواحد، فيا له من دين عظيم يربي رجالاً عظاماً، يأبون إلا العزة والكرامة والريادة والقيادة فحقاً: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (8) سورة المنافقون.

2ـ النصرة بالمال: فقد يعجز المسلم عن نصرة إخوانه في الدين والعقيدة بالنفس ولكن من باب النصرة أوسع من أن يغلق. فقد يحبس الرجل المرض، أو يحول بينه وبين الجهاد في سبيل الله ونصرة إخوانه أي عائق من العوائق. فلا يقف المسلم موقف المتفرج من إخوانه. فهؤلاء الإخوان يحتاجون إلى المال لشراء السلاح والعدة والعتاد، فمن جهز غازياً فقد غزا كما ورد عن النبي r فتجهيز الغازي وإطعامه وإخلافه في أهله فإن ذلك يعد جهاداً في سبيل الله ونصرة في الدين.

والآيات كثيرة جداً في القرآن تحث على الجهاد بالمال قبل النفس ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (95) سورة النساء.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ.﴾ (72) سورة الأنفال.

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ (20) سورة التوبة.

وتقديم المال على النفس لأنه قد تكون الحاجة ماسة للمال أكثر من الرجال لشراء السلاح والعتاد والطعام وغير ذلك من لوازم القتال فرحم الله هذه الأمة التي تقدم أموالها وأنفسها فداءً لهذا الدين وإعزازاً للدين وموالاة للمؤمنين.







فضل الجهاد بالنفس والمال من السنة:
كما ذكرنا أن من أنواع النصرة التي هي من الموالاة في الله أن تكون هذه النصرة بالنفس والمال، وما ذلك إلا جهاد في سبيل الله تعالى ولقد جاءت الآيات بالحث على هذا الجهاد بنوعيه في القرآن الكريم، وأيضاً جاءت السنة المطهرة بالحث على الجهاد بالنفس والمال، والرباط في سبيل الله تعالى، وفضل الاستشهاد في سبيل الله ترغيباً للمسلمين لنيل هذه الدرجة، وتحقيقاً للنصرة والموالاة في الله ونصرة لهذا الدين، ونشراً له، وتبليغاً للدعوة، وتأدية للأمانة, وهي أمانة توصيل هذه الدعوة لكل البشرية سيراً على درب محمد r.

ومن هذه الأحاديث: عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل).

فانظر أخي المسلم كيف تضمن الله للمجاهد في سبيله أن يدخله الجنة، أو النصر أو الظفر أو الغنيمة.
وكذلك انظر إلى هذه الكرامة في دمه لونه لون الدم ورائحته رائحة المسك وكيف كان حب الرسول r للجهاد وكيف تمنى أن يقتل في سبيل الله مرات ومرات لما في ذلك من الكرامة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي r قال: (ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أنها ترجع إلى الدنيا، ولا أن لها وما فيها إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة).
وفي رواية: (فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة).


الله أكبر. الله أكبر. إنها أكبر أمنية عند هذا الشهيد الذي وجد من التكريم والكرامة عند ربه ما جعله يتمنى أن يرجع لهذه الدنيا من أجل أن يقتل عشر مرات في سبيل الله تعالى.

ما تمنى أن يرجع ليكمل رسالة الدكتوراة ولا من أجل أن يتزوج المرأة الرابعة، ولا من أجل أن يكمل مسيرته المالية ليكون مليارديراً، ولا من أجل أن يتربع على كرسي العرش ويظفر بالحكم والإمارة، ولا غير ذلك من أمور الدنيا الفانية، بل يريد أن يتشرف مرات ومرات بهذا اللقب وهو [الشهيد] وهذه المنزلة وهي [الشهادة].

وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله).
وعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (ولروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها).

وعن أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r قال: (يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد r نبياً، وجبت له الجنة) فعجب لها أبو سعيد فقال: (أعدها علي يا رسول الله، ففعل، ثم قال: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) قال ما هي يا رسول الله؟ قال (الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله).
هكذا يا أخي المسلم الأحاديث في هذا الباب كثيرة وكلها تبين عظم وقدر ومكانة المجاهد في سبيل الله تعالى يا لها من منزلة ويا له من شرف فالفوز كل الفوز، والرباح كل الرباح، والسعادة كل السعادة، لمن شرفه الله بالجهاد في سبيله وكرمه بالشهادة في سبيله تعالى، فيا إخوة الإسلام هيا إلى جنات عرضها كعرض السماوات والأرض.





3ـ النصرة بأن يخلفه في أهله وماله:
إن من النصرة أيضاً أن يخلف المسلم أخاه المسلم في أهله وماله وهذه نصرة من نوع آخر وإن لم يكن ظاهراً في ميدان المعركة وعلى أرض القتال، فإن له عظيم الأثر على نفسية المجاهد ومعنوياته، فإن المجاهد يشعر بنوع من الطمأنينة على أهله وماله، ويذهب عنه القلق والهم، ويبعث على الشجاعة والإقدام، وعدم مهابة الموت لأنه يعلم أن الله لن يضيعه في أهله وماله، وأن الله قد سخر له إخوة له في الله يخلفونه في الأهل والمال ويحافظون عليهم ويراعون حرمتهم وكأنه موجود بل ربما أكثر من حالة وجوده.

ولذلك قد بين الرسول r مدى أجر وفضل من قام بهذا النوع من النصرة والموالاة وذلك بقوله r في الحديث الذي رواه زيد بن خالد الجهني قال: (قال نبي الله r (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا)
وفي رواية أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r بعث إلى بني لحيان (ليخرج من كل رجلين رجل) ثم قال للقاعد: (أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج).
والخلف يكون ببرهن والإحسان إليهن وقضاء حوائجهن التي لا يترتب عليها مفسدة، ولا يتوصل بها إلى ريبة ونحوها.

حرمة نساء المجاهدين:
إذا كان للمسلم على المسلم أن يتقي الله في حرماته وفي نسائه، فإن هذا الحق يتأكد فيمن غاب عن أهله من أجل نصرة إخوانه في الدين، ونشراً للدين ودفاعاً عن المقدسات, وحفاظاً على الأرض، وصوناً للعرض.

فكان من أوجب الواجبات لهذا المسلم، ومن أعظم الحقوق حفظ عرض هذا المجاهد في غيابه وعدم التعرض لنسائه بريبة من [نظر محرم، أو خلوة، أو حديث محرم، أو غير ذلك...]
وجاء التحذير الشديد من الرسول r في هذا الأمر حتى لا يقع أحد في هذا الإثم العظيم، وبلغ من شدة التحذير من نساء هؤلاء المجاهدين بأن جعلهن رسول الله r في الحرمة كحرمة الأمهات.

فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله r (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم؟)
وفي رواية: فقال (فخذ من حسناته ما شئت) فالتفت إلينا رسول الله r فقال (فما ظنكم؟).


4ـ النصرة بالدعاء وتحديث النفس بالغزو:
ومن أنواع النصرة والموالاة الدعاء لكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها وخاصة المجاهدين منهم، الذابين عن الدين وحماة التوحيد، وحراس العقيدة فمن عجز عن النصرة بالنفس والمال، فلا يعجزه الدعاء لإخوانه بالنصر والتمكين، وسحق أعداء الدين، وإظهار الحق وأهله وإبطال الباطل وأهله.

ولعل دعوة مخلصة من قلب مسلم صادق ينصر الله بها جيشاً، ويحقق بها نصراً وظفراً، ويهزم بها عدواً، يحق بها حقاً ويبطل بها باطلاً، فإن من أقرب الدعاء للاستجابة دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب.

وأيضاً من أنواع النصرة في الدين، أن يحدث المسلم نفسه بالغزو في سبيل الله فإن كان قد حرم الجهاد والنصرة [لظروف في نفسه] من مرض أو فقر أو غير ذلك أو حيل بينه وبين الجهاد في سبيل الله فعليه أن يحدث نفسه إذا أزيل هذا المانع، وذهب هذا العائق ليكونن في أوائل صفوف المجاهدين، نصرة لله وللمؤمنين.

ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق).



قال الإمام النووي رحمه الله: (والمراد أن من فعل هذا [لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو] فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد فغي هذا الوصف. فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق.
وفي الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها.

ولهذا التحديث [أي تحديث النفس بالغزو] الأجر العظيم عند الله تعالى وخاصة إن كان عند صدق وإخلاص فإن الله يجزل لصاحبه العطاء نتيجة لهذه النية الصالحة، والعزيمة الصادقة.
فعن جابر t قال: كنا مع النبي r في غزاة فقال: (إن بالمدينة لرجالاً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم المرض) وفي رواية (إلا شركوكم في الأجر)، وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته وكلما حدث الإنسان نفسه بالخير كلما أعطاه الله من الأجر على قدر نيته وإخلاصه.


الولاء للكفار والمشركين

قد تكلمنا في الصفحات الماضية عن بعض الولاء المشروع، الذي شرعه الله ورسوله وجاء في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد r، مثل ولاء المسلم لربه، ولكتابه، ولدينه، ولرسوله r، وللمؤمنين، ولاءً قلبياً وعملياً، ويحب فيهم، ويبغض من أجلهم، متقرباً إلى الله تعالى بهذا الاعتقاد، وبهذه العبادة.
فكان من المستحسن الإشارة هاهنا إلى بعض الولاء غير المشروع الذي حرمه الله تعالى، وحرمه رسوله r، وهو مما يفسد على المسلم اعتقاده ويذبذب توحيده، ويعرض إسلامه للخطر وإيمانه للزوال فإنه لا يجتمع لمسلم واحد في قلبه ولاء لله وولاء للشيطان، ولا ولاء للقرآن وولاء لأحكام الجاهلية، ولا ولاء للرسول r وولاء للجبت والطاغوت، ولا ولاء للمؤمنين وولاء للكفار والمشركين والملحدين.

فلا يجتمع نقيضان للمسلم في قلبه، فإما [قلب مسلم، كله ولاء لله ولدينه ولكتابه ولرسوله r ولعباده المؤمنين] وإما [قلب كافر كله ولاء للشيطان والكفرة والمشركين والمنافقين الطواغيت] فوجب على المسلم أن يحذر من أن تنزلق قدمه في إحدى هذه المهالك سواء المخرج منها من الملة أو ما ينقص الإيمان أو يخدش التوحيد أو يذبذب العقيدة.

وهذه الموالاة غير المشروعة والمنهي عنها لها صور شتى، وأنواع متعددة نشير إلى بعضها في هذه السطور بعون الله تعالى ومشيئته: وهو ب [الولاء للكفار والمشركين]:
1ـ حكم موالاة الكفار والمشركين:
لقد حصر الله تعالى الموالاة التي يجب أن يكون عليها المسلم أن تكون لله تعالى ولرسوله r وللمؤمنين: حيث قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (55) سورة المائدة.

فبمقتضى هذه الآية تخرج أي موالاة لغير المؤمنين عن هذا الحصر الرباني فمن صرف هذه الموالاة لغير المؤمنين من الكفار والمشركين والملحدين وغيرهم ممن عادى الله ورسوله وعباده المؤمنين فقد خرج على أمر الله، وعرض نفسه للهلاك وسوء المصير.فكيف يوالي المسلم من عادى الله؟ وكيف يناصر المسلم من حارب دين الله؟ وكيف يحب المسلم من بغض رسول الله r وكفر به؟ !!.
بل لا بد من المعاداة والبراء وعدم الموالاة، وإلا فهي خيانة لله ولدينه، ولرسوله، وللمؤمنين.
ويأتي التحذير الرباني في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه للمؤمنين ألا يتولوا الكافرين وبعدم اتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء من دون المؤمنين. وأن من فعل ذلك الأمر المشين فليس من الله في شيء. فهو ليس على منهج الله، ولا على سنة رسول الله r وهو على خطر الشرك، وأوشك أن يخرج من دائرة الإسلام، ويهوي في مدارك الشرك والضلال.



قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ (28) سورة آل عمران.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ثم توعد على ذلك فقال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (28) سورة آل عمران أي ومن ارتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (28) سورة آل عمران أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنه لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم.

وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان.

ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ (28) سورة آل عمران أي يحذركم نقمته في مخالفته، وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ (28) سورة آل عمران أي إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. فهذا التحذير واضح وصريح من الله تعالى لكل من والى الكفار والمشركين أعداء الله تعالى. وإن في هذا النهي وهذا التحذير لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ومن وقع في هذا الولاء للكفار والمشركين فقد هوى في مدارك الشرك، وارتد عن دينه، وخرج من دائرة الإسلام وأصبح من الكافرين.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: (من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء أي قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده ودخوله في الكفر ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (28) سورة آل عمران أي إلا أن تكونوا في سلطانهم


فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل.

ونلحظ أن ابن جرير الطبري رحمه الله يصرح بأن من يقع في هذه الموالاة فقد كفر بالله وخرج من إسلامه، فالقضية إذاً قبل أن تكون [ولاء وبراء] فهي [إسلام وكفر] ويترتب عليها الجنة أو النار. فالأمر جد خطير والقضية قضية عقيدة وتوحيد، فهي أصل من أصول الدين، ليس كما يظن البعض [أو الأكثر] أنها قضية ثانوية فرعية، ولا يعول عليها الكثير من الأمور، وتختلط عليهم الأمور وتنزلق الأقدام.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو والى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة بمودة القلب، أو بنصرة، أو باستنصاره فهو ليس من الله في شيء، لا في صلة ولا في نسبة، ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا ولاية، فهو بعيد عن الله، منقطع الصلة تماماً في كل شيء تكون فيه الصلات، ولكن قد يحاول بعض الذين في قلوبهم مرض أن يجدوا لأنفسهم بعض الحجج ويقتطفوا بعض الآيات أو الجزء من الآية ليبرروا ما هم عليه من خطأ ومن إعراض عن دين الله ومن تعطيل لكتاب الله تعالى. ومن موالاة لأعداء الله تحت حجج واهية، وشبهات بالية، كاذبين على أنفسهم، مخادعين لشعوبهم خاصة وللمؤمنين عامة، مفترين على الله الكذب وهم يعلمون. فيعادون أولياء الله وكل من رفع كتاب الله ودعا لتحكيمه وتطبيقه والعمل بسنة نبيه r، موالين لكل من حاد الله ورسوله، وحارب دين الله، وعمل (سواء علناً أم في خفاء) على تعطيل كتاب الله، موالين بذلك أعداء الله وأعداء الدين.

ولذلك جاء التحذير الرباني من الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو سبحانه مطلع على ما في الصدور، سواء عنده ما أعلن وما أخفى، بل إنه سبحانه وتعالى يعلم كل ما في السماوات وما في الأرض ولا يعزب عن علمه شيء، فيعد النهي عن هذا

الولاء غير المشروع والمحرم يخاطب الله تعالى النفس البشرية وهو يعلم ما قد يتسرب إليها من محاولة للتحايل على شرع الله وإرضاء النفس الأمارة بالسوء، يخاطبها الله عز وجل ويخاطب هذا الضمير الإنساني، فهو نداء من الله تعالى إلى عباده متحدثاً إلى داخلهم ونفوسهم وشعورهم وأحاسيسهم وخطرات أنفسهم. أن يعملوا ويوقنوا أن الله تعالى مطلع عليهم وسوف يحاسبهم يوم القيامة، يوم يرجعون إليه فيجدوا كل شيء قد سطر في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ويجدون كل شيء حاضراً.

فيقول الله تعالى محذراً بعد هذا النهي: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ # يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رءوف بِالْعِبَادِ﴾ سورة آل عمران.

2ـ خطورة تمييع قضية الولاء والبراء:
إن قضية الولاء والبراء من أصول الدين، ومن عقيدة المسلم ولا بد من وضوح هذه القضية نصب أعين المسلمين، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، وحتى يعلم المؤمن من الكافر، والموالي من المعادي، ومن الذي يستحق الولاء ومن يستحق المعاداة، وحتى يتميز الصف المسلم الموحد، من الصف الكافر المشرك، وحتى يكون الدين كله لله، وحتى يخرج الناس من عبادة المخلوقات إلى عبادة خالقها، وحتى يهتدي من اهتدى على بينة ويهلك من هلك عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. لا بد من إيضاح هذه العقيدة للناس، لا بد من إجلاء الأمور وإظهار الحق واتباعه، وتعرية الباطل واجتنابه، فلا يجتمع (الكفر مع الإيمان) ولا (الولاء مع البراء) لشخص واحد وقوم بعينهم [من الكافرين].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (22) سورة المجادلة قال: (أخبر الله تعالى أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينافي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد

الإيماني انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب)، فلا بد من الفصل، والفصل التام في قضية الولاء التي تجمع بين الشتات وتؤلف بين القلوب، وتآخي بين الأجناس في أخوة إيمانية، لا يعرفها، ولا يتصورها إلا من ذاق حلاوتها، وعاش في ظلالها، واستنشق رحيقها، لا بد وأن تربى الأجيال على هذه العقيدة وعلى هذا الولاء لله ولدينه وللمؤمنين.

والتحذير كل التحذير من الوقوع في الكفة الأخرى فإن فيها الهلاك وإن ظن البعض أن فيها النجاة، فتباً لكل من والى غير المؤمنين، ومن ود وأحب من عادى دين الله، وتقرب لكل من حاد الله ورسوله.

ويقول الأستاذ سيد قطب في هذا المضمار: (هكذا تنقسم البشرية إلى حزبين اثنين: حزب الله وحزب الشيطان، وإلى رايتين اثنتين: راية الحق وراية الباطل، فإما أن يكون الفرد من حزب الله فهو واقف تحت راية الحق، وإما أن يكون من حزب الشيطان فهو واقف تحت راية الباطل، وهما صفان متميزان لا يختلطان ولا يتميعان !! لا نسب، ولا صهر، ولا أهل، ولا قرابة، ولا وطن، ولا جنس، ولا عصبية، ولا قوية إنما هي العقيدة ولعقيدة وحدها، فمن انحاز إلى حزب الله ووقف تحت راية الحق فهو وجميع الواقفين تحت هذه الراية إخوة في الله، تختلف ألوانهم، وتختلف أوطانهم، وتختلف عشائرهم وتختلف أسرهم ولكنهم يلتقون في الرابطة التي تؤلف حزب الله، فتذوب الفوارق كلها تحت الراية الواحدة. ومن استحوذ عليه الشيطان فوقف تحت راية الباطل فلن تربطه بأحد من حزب الله رابطة، لا من أرض، ولا من جنس، ولا من وطن، ولا من لون، ولا من عشيرة، ولا من نسب، ولا من صهر.. لقد أنبتت الوشيجة الأولى التي تقوم عليها هذه الوشائج فأنبتت هذه الوشائج جميعاً).

فلا بد من تربية الأبناء وتنشئة الأجيال على أن يكونوا من حزب الرحمن، ومعادين لحزب الشيطان، وأن يكونوا تحت راية الإسلام، متبرئين من راية الكفر والإلحاد،


مخلصين في ولائهم لله تعالى، مجتنبين موالاة الكفار والمشركين والملحدين وكل أعداء الدين، حتى يفصل بين الصفين، وتتباين الرايتان.


العقيدة فوق القرابة والرحم:
لقد أمرنا الله تعالى بصلة الرحم والإحسان إلى ذري القربة وبرهم، وجعل ذلك قربة لله تعالى، بل أخبر النبي r في الحديث الصحيح فيما يرويه عن رب العزة أن الرحم مشتقة من اسم الله تعالى فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.

وأيضاً بين النبي r أن صلة الرحم سبب في سعة الرزق وطول العمر. وغير ذلك مما هو مقرر في شريعتنا الغراء من فضل صلة الرحم والإحسان لذوي القربى وبرهم.
ولكن إذا تعارض هذا البر وتصادمت هذه الصلة مع العقيدة فلا مقارنة ولا مفاضلة، بل يضرب بهذه القرابة وهذا الرحم عرض الحائط.

فإذا كان المقام مقام التوحيد، والقضية قضية العقيدة فلا يوضع أمامها في الكفة المقابلة أي شيء، فما وصلنا هذا الرحم، وما أحسنا إلى هؤلاء الأقرباء إلا من منطلق هذه العقيدة وإلا تعبداً لله الذي فرض علينا هذه العقيدة وتعبدنا بها، فالعقيدة هي الأصل الثابت الذي يتلاشى أمامه أي شيء يعارضه أو ينقص منه شيئاً.

ويأتي هذا الفصل الرباني في هذه المسألة واضحاً جلياً يقرع الآذان ويحيي الضمائر، ويرسخ أمر العقيدة في القلوب، ويبين مكانه من دين الله تعالى قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (22) سورة المجادلة.



يقول الأستاذ/ سيد قطب رحمه الله: فروابط الدم والقرابة هذه تتقطع عند حد الإيمان، إنها يمكن أن ترعى إذا لم تكن محادة وخصومة بين اللوائين: لواء الله ولواء الشيطان.

والصحبة المعروفة للوالدين المشركين مأمور بها حين لا تكون هناك حرب بين حزب الله وحزب الشيطان، فأما إذا كانت المحادة والمشاقة والحرب والخصومة فقد تقطعت تلك الأواصر التي لا ترتبط بالعروة الواحدة وبالحبل الواحد، ولقد قتل أبو عبيدة أباد يوم بدر، وهم أبو بكر بقتل ولده عبد الرحمن، وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير، وقتل عمر وحمزة وعلي وعبيدة والحارث أقرباءهم وعشيرتهم، متجردين من علائق الدم والقرابة إلى آصرة الدين والعقيدة، وكان هذا أبلغ ما ارتقى إليه تصور الروابط والقيم في ميزان الله، ويزيد الإمام المحدث ابن كثير رحمه الله تفصيلاً فيقول: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله r المسلمين في أسارى بدر فأشار الصديق رضي الله عنه بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة ولعل الله تعالى أن يديهم.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا أرى ما أرى يا رسول الله، هل تمكني من فلان (قريب لعمر) فأقتله؟ وتمكن علياً من عقيل، وتمكن فلاناً من فلان، [ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين].

وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ﴾ (22) سورة المجادلة، أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.

وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (22) سورة المجادلة. سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر [في الله] عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.


4ـ الولاء للكفار والمشركين من نوا قض لا إله إلا الله:
إن الولاء عقيدة، وعبادة، يتعبد بها المسلم لربه سبحانه وتعالى، ويدين له بها، فهي من مقتضيات لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله تقتضي أن نوالي أنصارها ومعتنقيها.

ولا إله إلا الله تقتضي البراء ومعاداة من يعادي هذه الكلمة ومن يحاربها ومن لم يدين بها، فهذه من عقيدتنا، وهذا هو ديننا.

يقول الأستاذ محمد قطب حفظه الله: (وقد أباح الله للمسلمين في حالة الاستضعاف ألا يظهروا العداوة لأعدائهم، ولكنه لم يبح لهم قط أن يوالوهم... فعدم إظهار العداوة شيء، والموالاة شيء آخر، الموالاة التي تشمل مودة القلب والتناصر والمحبة... هذه لا تكون إلا بين المؤمنين بعضهم وبعض. ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ (28) سورة آل عمران. نعم، يحذركم الله نفسه، وهو المطلع على ذخائل نفوسكم، وعلى مداخل الشيطان إليها، أن يدخل إليكم من باب الاستضعاف والخوف فيقول لكم: لا عليكم أن توالوا الكفار لتأمنوهم وتصرفوا شرهم عنكم ! كلا ! لا ولاء ! حتى في الاستضعاف لا ولاء ! إنما هو فقط عدم إظهار العداوة لهم، وعدم استفزازهم للاعتداء عليكم وأنتم لا تستطيعون رد بأسهم. أما الولاء القلبي فغير جائز، لأنه ينقض لا إله إلا الله، ولأنه يذيب الحاجز النفسي الذي يفصل المؤمن عن أعداء الله، فيميل إليهم، فينسى دينه ويصبح مثلهم ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا # وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾، هذا في ولاء القلب... فكيف بالتعاون معهم، لا على البر والتقوى، ولكن على حرب الإسلام والمسلمين؟!.

تلك كلها نواقض لا إله إلا الله، يقع فيها كثير من الناس في وقتنا الحاضر دون أن يدروا.


5ـ صور لموالاة الكفار والمشركين:
· الرضا بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة.
· التولي العام واتخاذهم أعوانا ًِ وأنصاراً وأولياء أو الدخول في دينهم وقد نهى الله عن ذلك فقال: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ (28) سورة آل عمران.
· الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر أو التحاكم إليهم دون كتاب الله كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ (51) سورة النساء.
· مودتهم ومحبتهم، وقد نهى الله عنها بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (22) سورة المجادلة.
· الركون إليهم. لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾.
· مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين: قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
· اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين. لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (118) سورة آل عمران.
· طاعتهم فيما يأمرون ويشيرون إليه. ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ وقوله تعالى:



﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ﴾ (149) سورة آل عمران.

· مجالستهم والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (140) سورة النساء.
· توليهم أمراً من أمور المسلمين، ومن ذلك الإمارة، والكتابة وغيرها) والتولية شقيقة الولاية لذلك فتوليهم نوع من توليهم وقد حكم الله أن من تولاهم فإنه منهم ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم. والولاية تنافي البراءة (فلا تجتمع البراءة والولاية أبداً).
· استئمانهم وقد خونهم الله تعالى. حيث أخبر أن منهم من لا يؤدي الأمانة من تلقاء نفسه، ولا خوفاً من الله تعالى إلا إذا اضطر إلى تأديتها. قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (75) سورة آل عمران.
· الرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزي بزيهم.
· البشاشة لهم والطلاقة وانشراح الصدر لهم وإكرامهم وتقريبهم.
· معاونتهم على ظلمهم ونصرتهم.
· مناصحتهم والثناء عليهم ونشر فضائلهم.
· تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم: (على سبيل الإكرام والتعظيم).
· السكنى معهم في ديارهم وتكثير سوادهم.
وقد قال رسول الله r: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله).
وقوله r: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن سكنهم أو جامعهم فليس منا).

· التآمر معهم وتنفيذ مخططاتهم والدخول في أحلافهم وتنظيماتهم، والتجسس من أجلهم، ونقل عورات المسلمين وأسرارهم إليهم والقتال في صفهم.
· من هرب من دار الإسلام إلى دار الحرب بغضاً للمسلمين وحباً للكافرين.
· من انخرط في الأحزاب العلمانية أو الإلحادية كالشيوعية، والاشتراكية، والقومية والماسونية، وبذل لها الولاء والحب والنصرة.


6ـ خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء للكفار:
1. أن منها ما هو كفر محض وانسلاخ من الدين مثل:
· التولي المطلق.
· مودتهم لأجل دينهم وسلوكهم، والرضا بأعمالهم، وتمني انتصارهم على المسلمين.
· طاعتهم في أمور التشريع.
· اعتقاد مساواتهم بالمسلمين، وأن المسلمين لا ميزة لهم.
· الوثوق بهم وائتمانهم دون المسلمين.
· نصرتهم ومساعدتهم على حرب المسلمين.
· التشبه بهم إعجاباً واستحساناً في قضايا التوحيد والعبادات، وكذلك التشبه المطلق بهم.

2. ومنها ما هو كبيرة من الكبائر، يكفر إذا استحلها مثل:
· اتخاذهم بطانة.
· مداهنتهم والتذلل لهم، وملاينة الحربيين منهم.
· المبالغة في تعظيمهم ورفع شأنهم.
· الدخول في سلطانهم بدون حاجة ولا اقتضاء مصلحة عامة

· التشبه بهم في أخلاقهم وشعائرهم كالموالد والأعياد.
· الإقامة عندهم لمن لا يستطيع إعلان دينه مع قدرته على الهجرة.


3. ومنها ما هو أقل من ذلك نحو:
· ميل القلب غير الإرادي إلى الزوجة الكتابية، أو الابن غير المسلم أو من بذل إلينا معروفاً، أو من كان صاحب خلق وأدب.
· مدحهم والثناء عليهم بدون مسوغ شرعي بغض النظر عن دينهم.
· مصادقتهم ومعاشرتهم.
· الثقة فيهم.
· العمل لديهم مع وجود الإهانة والاحتقار.
· إلقاء السلام عليهم.
· الدعاء لهم بالصحة والعافية وطول العمر ودوام الاستقرار
· تهنئتهم في المناسبات العادية والأفراح مثل الزواج والسلامة من كارثة فهذه تتراوح بين التحريم والكراهة بحسب الحال والملابسات.

4. وهناك أشياء مباحة لا تعد موالاة، مثل:
· معاملتهم بالحسنى واللطف – لا سيما المسالمين منهم ـ.
· الصدقة على محتاجيهم.
· الإهداء إليهم وقبول هديتهم.
· تعزيتهم في مصائبهم على الوجه المشروع.
· رد التحية عليهم، ورد السلام إذا سلموا تسليماً صحيحاً [بقول وعليكم].
· معاملتهم في العقود المالية المباحة.


· تأجيرهم المساكن والدور، بشرط ألا تتخذ بؤرة للفساد.
· استعمالهم عند الحاجة إليهم في الأمور العادية.
· السفر إليهم لأغراض مباحة، مع القدرة على إعلان الدين
· الإقامة عندهم لغرض صحيح، مع القدرة على إظهار الدين.
· زيارتهم لغرض مشروع.
[وذلك كما زار النبي rاليهودي عند احتضاره وتلقينه الإسلام].
· شمولهم بالرحمة العامة كما في الحديث الصحيح: لا يرحم الله من لا يرحم الناس).
· أخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم.
· مصالحتهم ومسالمتهم عند الحاجة، أو عندما يطلبونها.
· مخالطتهم عند اللزوم، مع عدم الركون إليهم.
· الاستفادة مما عندهم في شؤون الحياة الدنيا – كالصنائع والنظم مما لا يدخل في التشريع
· أكل طعام أهل الكتاب، والزواج من نسائهم عند الحاجة.
· ائتمان بعضهم على بعض الأمور العادية.

فهذه وما أشبهها كلها مباحة – بل بعضها ربما يكون – مطلوباً – بشرط ألا تتجاوز الحدود والقيود التي وضعت لكل منها.

وبهذا يتبين لنا أن القول بإطلاق تحريم الموالاة بحيث تشمل الصور المباحة التي ذكرناها، أنه أمر يفقد الدقة والموضوعية، وكذلك التساهل في العلاقة مع غير المسلم فإنه يخل بالعقيدة. والله أعلم.

* من كتاب حقيقة الولاء والبراء لسيد سعيد عبد الغني.




ويشمل الأبواب التالية:

· الطهارة
· الصلاة
· الصيام
· الجهاد
· الطهارة
كتاب الطهارة
مقدمة في الطهارة وتعريفها

تعريف الطهارة شرعاً: ارتفاع الحدث وزوال الخبث
هناك فوارق بين ارتفاع الحدث وبين زوال الخبث منها:
1. ارتفاع الحدث يشترط فيه النية، وزوال الخبث لا يشترط فيه النية.
2. ارتفاع الحدث لابد له من ماء طهور ليرتفع، وزوال الخبث بأي مزيل يزال.
3. ارتفاع الحدث لا يعذر فيه بالنسيان، وزوال الخبث يعذر لأنه من باب التروك.
* أقسام المياه على الصحيح تنقسم إلى قسمين:
· طهور.
· ونجس.
ويدل له أدلة عديدة منها:

ـ حديث أبي سعيد t في السنن أن رسول الله r قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وهذا دليل قوي فرسول الله r جعل المياه قسمان فهو إما طهور وإما نجس ولم يجعل شيئاً وسطاً بينهما.
ـ وقوله r في البحر: (هو الطهور ماؤه...) مع أن ماء البحر متغير طعمه بالملوحة فدل على أن الماء إذا تغير بالطاهرات لا يخرج عن مسمى الماء الطهور إلا إذا غلب عليه هذا الطاهر فإنه ينتقل عن مسمى الماء إلى مسمى هذا الطاهر مثل البيبسي أو الشاهي فيسمى باسمه ولا يسمى ماءً.

ـ وكذا أمره r بالوضوء من الماء المتغير بالطاهرات في أحاديث فدل على أنه باقي على طهوريته وأصله, مثل: حديث ابن عباس t في الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماء وسدر) متفق عليه.

ـ (وتوضأ رسول الله r من قصعة فيها أثر عجين) رواه أحمد عن أبي هريرة t، وغيرها من النصوص وأما استدلالهم بالآية والحديث فلا دليل فيها على هذا التقسيم.

% مسألة: إذا تغير الماء بشيء من الطاهرات مثل: وقع فيه شاهي أو سدر أو عجين أو نحوها فله حالتان:
· الأولى: ألا يزول اسم الماء عنه بأن يبقى على مسماة بعد خلطه: فهذا حكمه فيه خلاف:
ـ القول الأول/ وعلى الصحيح أنه طهور يجوز الوضوء به ويرتفع الحدث به مادام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد نص عليها في أكثر أجوبته واختاره شيخ الإسلام ومن الأدلة:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، وهذا نكره في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء.
ـ وأيضاً من السنة أن رسول الله r: (أمر بغسل المحرم الذي وقصته دابته بماء وسدر) متفق عليه.

ـ (وكذا توضأ r من قصعة فيها أثر العجين) رواه الإمام أحمد, ومن المعلوم أن الماء يتغير قليلاً بمخالطة السدر والعجين ومع ذلك بقي على طهوريته.

· الثانية/ أن يغلب عليه الشيء المختلط به بحيث يزول اسم الماء عنه مثل الشاهي والبيبسي والعطر واللبن فهذه لا تسمى طهوراً ولا يجوز الوضوء بها وإنما يسمى ماءً مضافاً مثل ماء الورد أو شاهي ولذا لا يأخذ أحكام الماء المطلق في القرآن فلو توضأ بها لم يرتفع حدثه وإذا لم يجد إلا بيبسي أو لبناً فإنه يتيمم ولا يتوضأ بها.


% مسألة/ إذا أصاب الماء الطاهر نجاسة فلا يخلو من حالتين؟
· الأولى/ أن يتغير أحد أوصافه بالنجاسة فهذا ينجس بالإجماع ويدل لذلك ما رواه ابن ماجة وضعفه أبو حاتم أن رسول الله r قال: (الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه).
وممن نقل الإجماع على التنجس بالتغير الإمام الشافعي وابن المنذر والنووي وابن تيميه وابن حجر والشوكاني.

· الثانية/ أن تصيبه نجاسة ولم يتغير، هذا فيه خلاف مشهور نقله ابن تيميه وفيه ستة أقوال 21/30 الفتاوى ومن أشهرها:
ـ القول الأول/ الفرق بين الماء القليل والكثير والماء الكثير قلتان فما فوق.
ـ القول الثاني/ أنه لا ينجس مطلقاً إذا لم يتغير سواء كان قليلاً أو كثيراً وهذا هو الأقرب وهو قول أهل المدينة وأهل الحديث ورواية عن أحمد وهو مذهب كثير من الصحابة وجماعة من التابعين ورجحه شيخ الإسلام وابن دقيق العيد والشوكاني والصنعاني ومحمد بن عبد الوهاب وكثير من أئمة الدعوة رحم الله الجميع.




باب الآنية
الكفار سواء كانوا أهل كتاب أو غيرهم من الوثنيين أوانيهم وثيابهم التي يخيطونها أو يلبسونها الأصل فيها أنها مباحة وحلال كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29].

ـ ولما ورد من الأحاديث التي تدل على أن رسول الله r أكل من أوانيهم وكذا توضأ من أوانيهم ولبس من ثيابهم لما أهدوا له إياها ومن هذه الأحاديث:
1. ما في الصحيحين: (أن رسول الله r توضأ من مزادة امرأة مشركة).
2. وما في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلنا يا رسول الله: إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال: (لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها).
3. وكذا كانت الملوك ترسل إليه الهدايا من الثياب ولم ينقل عنه غسلها وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الأصل في ثيابهم وأوانيهم الطهارة والحل.
وأما إن علمنا نجاستها فهي باقية على الإباحة إلا أنه يجب غسلها قبل استخدامها.
? فائدة: يمكن تقسيم أواني وثياب الكفار إلى أقسام ثلاثة:
· القسم الأول/ أن نعلم نجاستها مثل ما شربوا فيه الخمر أو نحوه ولم يغسلوه فيجب غسلها قبل استعمالها وعليها يحمل حديث أبي ثعلبه أن رسول الله r قال: (لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها).
· القسم الثاني/ أن نعلم من حالهم أنهم يتوقون النجاسات ولا يستعملون إلا الطاهرات فلا إشكال في جواز استعمالها من غير غسل لأنها باقية على الأصل وهو الإباحة والطهارة.
· القسم الثالث/ أن نجهل حالهم ولا يغلب على الظن شيء عنهم فهل يجب غسلها قبل استخدامها؟ فيه خلاف والأقرب أنه لا يجب غسلها، لأن الأصل الطهارة فلا ننتقل عنه إلا بيقين ورسول الله r توضأ من مزادة امرأة مشركة ولم يسألها استخدمتها أم لا.

ـ وما رواه جابر t عند أبي داود قال: (غزونا المشركين مع رسول الله r فكنا نستعمل آنيتهم ولا نسألهم ولم ينكر علينا رسول الله r).

ـ والقاعدة في أواني وثياب الكفار هي: [جواز استعمالها وعدم وجوب غسلها ما لم نتيقن أو يغلب على الظن أن فيها نجاسة] وقد أشار لهذا ابن حجر.

? فائدة: قال ابن القيم في إغاثة اللهفان 1/153 "ومن ذلك أن النبي r كان يلبس الثياب التي ينسجها المشركون ويصلي فيها".

باب الاستنجاء وآداب التخلي
ـ شروط الاستجمار:
حتى يكون الاستجمار جائزاً مجزئاً فقد ذكر العلماء له شروطاً أصحها ما يلي:
1. أن تكون الأحجار طاهرة ويدل له ما رواه البخاري عن ابن مسعود t قال: (جئت رسول الله r بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال:هذا رجس) فالأحجار النجسة لا يجوز استعمالها لنجاستها.
2. أن لا تقل المسحات عن ثلاث لما روى مسلم عن سلمان t قال: (نهانا رسول الله r أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) فإذا لم ينقى بثلاث فيجب أن يزيد رابعة فإذا زالت النجاسة سن له أن يقطع وتراً لما روى مسلم من حديث جابرt أن رسول الله r قال: (الاستجمار تَوٌ..). ـ وعند أبي داود: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).
3. كونه منظفاً للمحل، لأنه المقصود وأما إن كان لا ينظف فلا، مثل التراب فإنه لا ينظف ولذا لم ترد النصوص بذكره في الاستجمار.



4. أن لا يكون عظماً ولا روثاً فالاستجمار بهما لا يجوز ولذا قال رسول الله r عنهما: (إنها رجس) كما في البخاري وفي حديث رويفع أن رسول الله r قال له: (يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو بعظم فإن محمداً برئ منه) فالاستجمار بهما محرم لدلالة هذا الحديث وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.

% اختُلف في البول قائماً هل ينهى عنه أم لا؟ وأقرب الأقوال أنه جائز لكن بشرطين:
· أن يأمن تطاير رشاشه عليه.
· أن يأمن إنكشاف عورته من أن يراه أحد.

وإن كان الأولى البول جالساً فهو أكثر هدي رسول الله r وأيسر وآمن من رجوع النجاسة لكن يجوز البول قائماً بلا كراهة.
كما دل له فعل رسول الله r في حديث حذيفة أن رسول الله r : (انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما) متفق عليه.

ـ قال ابن المنذر: "ثبت عن عمر وابن عمر وسهل y أنهم بالوا قياماً.
ـ وقال النووي: "وقد روي عن رسول الله r في النهي عن البول قائماً أحاديث لا تثبت ولكن حديث عائشة هو الصحيح فقط وهو قولها: (ما بال رسول الله r قائماً منذ أُنزل عليه القرآن) صححه الحاكم وأبو عوانة وهذا محمول على ما كان في البيوت.

وقد حفظ غيرها بوله قائماً كحديث حذيفة t وهو من كبار الصحابة، وعموماً فحديث عائشة محمول على أغلب هديه r، وأما حديث حذيفة فهو لبيان الجواز، ولذا قال الترمذي في جامعه: "ومعنى النهي عن البول قائماً على التأدب لا التحريم".



% حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة هذه المسألة اختلف العلماء فيها على أقوال:
ـ القول الأول: أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً في البنيان والفضاء وهذا قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد.
ـ القول الثاني/ أنه يحرم في الفضاء ويجوز في البنيان وهذا مذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد، واستدلوا على جوازها في البنيان بحديث ابن عمر t: (أنه رقى بيت حفصة فرأى رسول الله r مستدبراً الكعبة يقضي حاجته) متفق عليه.

ـ وحديث جابر t عند أبي داود: (نهى النبي r أن نستقبل القبلة فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها).
والأحوط والله أعلم هو القول الأول ويدل له:
ـ عمومات أدلة النهي كحديث أبي أيوب t أن رسول الله r قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) متفق عليه وفيه أن أبا أيوب انحرف عن القبلة وهو داخل المرحاض.
ـ وحديث سلمان t عند مسلم: (نهانا رسول الله r أن نستقبل القبلة ببولٍ أو غائط).
ـ ومعقل بن أبي معقل عند أبي داود، وأما حديث جابر فيجاب عنه بأنه فيه كلام، كما قال ابن القيم: "انفرد به ابن إسحاق وقال عنه أحمد وابن معين ليس بحجة فكيف يعارض به الأحاديث الصحاح وقد ضعف الحديث ابن عبد البر وجماعة".
4ـ وعلى فرض صحته فهو كما قال ابن حجر حكاية فعل لا عموم لها فيحتمل كونه لعذر أو في بنيان أو نحوها فالاحتجاج به فيه نظر.
5ـ وأما حديث ابن عمرt فيتطرق له عدد من الاحتمالات منها: أنه خاص برسول الله r أو أنه للضرورة أو أنه قبل النهي، ورؤيا ابن عمر لم تكن من قصد فيبعد كونه لبيان الجواز.
ولذا فقد رجح شيخ الإسلام وابن القيم المنع مطلقاً وهذا أحوط وأقرب وإن كان الاستقبال والاستدبار في البنيان شأنه أخف من الفضاء لوجود الأدلة المحتملة كحديث ابن عمرو جابر لكن نقول الأحوط للمسلم التحرز منها والله أعلم.

صفة الوضوء

· الأولى: غسل اليدين في أول الوضوء: سنة وليس بواجب، لأنه لم يذكر في الآية وكذا بعض الأحاديث، ونقل النووي الإجماع عليه، إلا في المستيقظ من نوم الليل فإنه يجب غسلهما.
· الثانية: الاستنشاق: واجب على الصحيح ويتأكد الوجوب عند القيام من النوم لقول رسول الله r: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر فإن الشيطان يبيت على خيشومه) متفق عليه. وهو أن يجذب الماء داخل الأنف ثم يخرجه.
· الثالثة: السنة في الوضوء: أن يقدم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه كما جاء في صفة وضوء رسول الله r لكن لو قدم غسل الوجه عليهما لصح الوضوء ولكنه خالف السنة لأنها كلها فرض واحد.
· الرابعة/ حد الوجه: الذي يجب غسله "من منابت شعر الرأس المعتاد وإلى الذقن طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً".
· الخامسة: اللحية: الخفيفة يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إن كان ظاهراً، وأما اللحية الكثيفة فيكفي غسل ما ظهر منها، وتخليلها سنة والأحاديث الواردة في الأمر بالتخليل فيها كلام لكن قواها بعض العلماء بمجموعها منهم الشوكاني والمباركفوري والألباني وصحح بعضها الترمذي وإلى استحبابها مال ابن القيم كما قال في الزاد: "وكان رسول الله r يفعله أحياناً".
· السادسة: الرأس: يجب تعميمه بالمسح على الصحيح كما سبق بيانه.
ـ وتعميمه له صفتان:
ـ الأولى/ مجزئة: وهي أن يعممه على أي صفة كان من الجنب أو الخلف أو الغطس.
ـ الثانية/ مستحبة: وهي ما ثبت فعلها عن رسول الله r في الصحيحين: (أن يبدأ بمقدمة رأسه حتى يصل إلى قفاه ثم يرده إلى حيث بدأ) كما في حديث عبدالله بن عمرو t.


· السابعة: غسل أعضاء الوضوء: أكمله أن يغسل كل عضو ثلاث مرات والذي بعده مرتين وأقله مرة واحدة ويجوز أن يخالف بينهما فيجعل بعضها واحدة وبعضها اثنتين وبعضها ثلاثاً وقد جاءت المخالفة بينها في الأحاديث الصحاح.
· الثامنة: الصحيح في مسح الرأس: أنه يقتصر فيه على مرة واحدة ولا يشرع الزيادة عليها لأنه لم يرد عن رسول الله r وأما ما ورد في سنن أبي داود فإسناده ضعيف وقد سبق بيانه.

قال شيخ الإسلام: "مذهب الجمهور أنه لا يستحب مسحه ثلاثاً وهو أصح" ولهذا قال أبو داود أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح مرة واحدة وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ثلاثاً ونحو هذا قاله ابن القيم في زاد المعاد 1/193وابن حجر في الفتح 1/298.


باب المسح على الخفين
شروط المسح
1ـ لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء: وعليه أكثر العلماء والدليل حديث المغيرة عن رسول الله r قال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) متفق عليه.

? فائدة قوله بالماء: يخرج الطهارة بالتيمم فالذي يتيمم ثم يلبس الخف فإذا وجد الماء لا يمسح عليه.

2ـ أن تكونا ساترتين لمحل الفرض: وهو من القدم إلى الكعب، وقد صرح بذلك أئمة المذاهب الأربعة والظاهرية.



% مسألة: ما حكم المسح على الخف الذي فيه شقوق وخروق؟ فيه خلاف:
1ـ الحنابلة وهم أشد المذاهب في هذا ذهبوا إلى أنه لو كان فيه خرق واحد ولو صغير تظهر منه البشرة لم يجزئ المسح عليه.
2ـ وذهب طائفة من العلماء إلى جواز المسح عليه حتى ولو كان فيه شقوق مادامت لا تخرجه عن مسمى الخف ولم تمنع الانتفاع به ويغطي أكثر القدم وهذا قول ابن المنذر وأبو ثور والثوري وإسحاق بن راهوية ويزيد بن هارون ورجحه شيخ الإسلام21/172 ويدل لهذا:
ـ أن رسول الله r أباح المسح على الخفين إباحة عامة فيشمل كل ما يسمى خفاً ولو كان فيه خروقاً ما لم يخرج عن هذا المسمى.
ـ ظاهر حال الصحابة فإن غالبهم فقراء وكانوا يطئون بها الشوك والحجارة ولابد أن تخرقها ولم ينقل عن رسول الله r أنه نهاهم عما اخترق.
ـ أن المشقة حاصلة بنزعه كغيره.

% مسألة: حكم المسح على الخف الشفّاف؟
1ـ ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يمسح عليهما.
2ـ وخالف في ذلك جملة ومنهم شيخ الإسلام وقال مادام أنهما تسميان خفان فيمسح عليهما بلا تفريق، وهذا قول قوي وإن كان الأول أحوط خروجاً من النزاع لكن لو مسح عليهما لأجزأه والله أعلم.
3ـ طهارة عينهما: وهذا شرط صحيح والنجاسة نوعان:
· نجاسة عينية/ كأن يكون الخف من جلد كلب فلا يصح المسح عليه لأنه نجس ولا يمكن تطهيره.
·
· نجاسة حكمية/ كأن يكون أصله طاهر لكنه وقع عليه بول فيصح المسح عليه ويقرأ القرآن ويمس المصحف لكنه لا يصلي حتى يزيل النجاسة من خفه.


% مسألة: هل المسح مؤقت أم لا؟
وقع خلاف بين العلماء راجع فقه الممسوحات (294ـ301) والراجح في هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء أن مدة المسح محددة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر وهذا قول جمع من الصحابة منهم عمر وعلي وابن مسعود وكثير من السلف وهو مذهب الأحناف والشافعية والحنابلة والظاهرية ويدل له:
ـ حديث علي t عند مسلم قال: (جعل رسول الله r ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم).
ـ حديث صفوان بن عسال t قال: (كان رسول الله r يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) رواه الترمذي وصححه.
فائدة/ لو احتاج رجل إلى عدم النزع مثل حان وقت النزع وعنده عدو يتبعه أو نحوه فقد ذهب شيخ الإسلام إلى أنه إن احتاج فإنه يجوز له عدم النزع أكثر من ثلاثة أيام مثل خشية إدراك العدو أو نحوه واستدل بما رواه ابن ماجة عن عقبة بن عامر t قال: (عندما أرسله أبو عبيدة يخبر عمر بفتح مصر فقال: عمر منذ كم لم تنزع الخفين؟ قال: من الجمعة إلى الجمعة قال أصبت السنة) صححه الألباني فيحمل عند الحاجة عند شيخ الإسلام 21/215الفتاوى.

%مسألة:متى يبدأ يحسب المدة؟
1ـ ذهب الحنابلة إلى أنه من أول حدث بعد لبس.
2ـ وذهب آخرون إلى أنه من أول مسح بعد لبس سواء سبقه حدث أم لا، وهذا رواية عن الإمام أحمد وبه قال الأوزاعي وأبو ثور ورجحه النووي وشيخ الإسلام والسعدي وابن عثيمين وهذا هو الأقرب والله أعلم.

ـ قال ابن عثيمين: "تبتدئ المدة من أول مرة مسح وليس من لبس الخف ولا من الحدث بعد اللبس لأن الشرع جاء بلفظ المسح" كما قال صفوان: (أمرنا أن نمسح على خفافنا) 1/276 الروض المربع.

% مسألة: إذا مسح في السفر ثم أقام فإنه يتم مدة مقيم إن كان بقي من المدة شيء وقواه الشيخ ابن عثيمين وهذا صحيح لأنه أصبح مقيماً وزالت رخصة السفر.

% مسألة: إذا مسح في الحضر ثم سافر ففيه قولان:
· القول الأول/ المذهب قالوا يأخذ مدة المقيم لأنه المتيقن وما زاد لم يتحقق شرطه ولاجتماع حاضر ومبيح فغلبوا جانب الحضر.
· القول الثاني/ أنه يمسح مدة مسافر ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين لأن الأحاديث ذكرت المسافر وأطلقت فيصدق على كل مسافر فلو مسح أربعة أوقات ثم سافر نقول بقي عليك يومان ووقت.

ـ مثال على القول الراجح: لبس إنسان الخفين عند صلاة الظهر ولكنه لم يمسح عليهما إلا بعد المغرب فإنه يبدأ بحساب المدة من المغرب لا من الظهر.

*ـ صفة مسح الخف:
أن يمسح أعلاه ولا يمسح أسفله بل ومسح الأسفل لا أصل له كما قال علي t: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله r يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

ـ وصفة المسح يبدأ من أصابع الرجل إلى أول الساق، يبل يديه بالماء ثم يمسح قدمه اليمنى بيده اليمنى والشمال بالشمال ولو مسحهما باليدين جميعاً لجاز.

% مسألة: هل يمسحهما جميعاً أم يقدم اليمنى؟
والأقرب أن الأمر واسع والأصل حديث المغيرة: (ومسح على خفيه) فمن قال جميعاً قال هذا يفهم من دلالة الحديث، ومن قال يقدم اليمين قال أنه بدل الغسل فيأخذ حكمه.

*ـ ثم ذكر بعد ذلك مبطلات المسح على الخف وذكر ثلاثة وهي:

% مسألة: من أصابته جنابة فإن مدة المسح تنتهي لأن المسح إنما يكون في الطهارة الصغرى ولحديث صفوان بن عسال t: (كان رسول الله r يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة) صححه الترمذي.

% مسألة: لو نزع الخف بعد لبسه فما الحكم؟
ـ القول الأول/ المذهب أن المدة تنقطع وليس له المسح عليهما إلا بعد الوضوء التام ورجحه ابن جبرين1/257 شفاء العليل.
ـ القول الثاني/ وهو التفصيل على حالتين:
· أن ينزع خفية بعد لبسهما وقبل المسح عليهما وهو على طهارة فهذا وضوئه على صحته وله لبسهما ولا تنقطع مدة المسح.
· أن ينزع الخف بعد المسح عليهما فهذا:
1. إن كان محدثاً فليس له لبسهما إلا بعد غسل القدمين أي أن المدة انقطعت.
2. وأما إن كان على طهارة، قالوا فالوضوء لا يبطل لكن ليس له المسح عليهما إلا بعد غسل القدمين ثانية وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام 21/181 ورجحه الشيخ السعدي.


% مسألة: إذا انقضت المدة فهل يبطل الوضوء أم يبطل المسح فقط؟ فيه خلاف:
· القول الأول: إنقضاء المدة ناقض للوضوء عند الحنابلة مثل مسح يوم وليلة فإذا انتهت المدة يلزمه تجديد الوضوء ولو لم يحدث.



· القول الثاني/ أن الطهارة لا تبطل بانتهاء المدة ولكن ليس له تجديد المسح فقط, وأما الطهارة فما دام لم يحدث فله أن يصلي أكثر من وقت حتى يحدث وهذا هو الأقرب واختاره ابن حزم وشيخ الإسلام ص15 الاختيارات والدليل:
1. أن أحاديث التوقيت تضمنت وقت ابتداء وانتهاء المسح ولم تتكلم عن الطهارة.
2. أن هذا تطهر بمقتضى الكتاب والسنة فلا تنتقض طهارته إلا بدليل ولا دليل هنا.
3. أن الطهارة لا ينقضها إلا حدث وما يلحق به مما دل عليه الكتاب والسنة وهذا ليس حدثاً ولا بمعناه.



فصل في المسح على الجبيرة والعمامة

صفة المسح على الجبيرة: أن يغسل الأعضاء الصحيحة بالماء فإذا جاء موضع الجبيرة أو اللفافة مسح عليها. ونحوه إذا كان الجرح مفتوحاً ويضره الغسل فإنه يكتفي بمسحه.
ـ ذكر العلماء الفروق بين المسح على الخف والجبيرة وأشار إليها شيخ الإسلام في الفتاوى 21/176 وهي:
1. أن المسح على الجبيرة عزيمة والمسح على الخف رخصة.
2. أن المسح على الجبيرة غير مؤقت والمسح على الخف مؤقت.
3. أن المسح على الجبيرة يكون في الطهارتين الكبرى والصغرى أما المسح على الخف ففي الصغرى فقط.
4. الجبيرة لا بد من مسحها كلها أعلاها وأسفلها أما الخف فيمسح أعلاه فقط.

5. الجبيرة لا يشترط لها تقدم الطهارة على الصحيح والخف يشترط له ذلك.
فائدة/ الصحيح أن المسح على الجبيرة غير مؤقت بل يمسح عليها حتى يزول العذر 1/205 الممتع.

*ـ خلاصة في الجروح التي على فرض من فروض الوضوء:
· أن يكون عليه جبيرة أو لفافة: فهذا يمسح عليها ولا إشكال.
· أن لا يكون عليه جبيرة: فهذا يغسل الجرح، فإن كان يضره فإنه يمسح عليه، فإن كان يضره المسح أيضاً فإنه يتيمم لذلك العضو بعد كمال الوضوء.


المسح على العمامة
ثبت جواز المسح عليها بعدة أدلة:
ـ فقد جاء في البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة t (أن النبي r مسح على ناصيته وعلى العمامة).
ـ وجاء كذلك في صحيح مسلم عن بلال t (أن النبي r مسح على الخفين والخمار) والخمار هنا فسره كثير من العلماء بالعمامة.
ـ اشترط بعض العلماء لجواز المسح عليها أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة يعني مدارة تحت الحقة أو لها طرف مرتخ بين الكتفين، قالوا لأن هذه عمائم العرب، ورد شيخ الإسلام على هذا بأنه لا دليل عليه بل النص جاء في المسح على العمامة.
ـ يسن أن يمسح مع العمامة ناصية الرأس ولا يجب ذلك.
ـ ولا يشترط في المسح على العمامة أن تكون أدخلت على طهارة، ولا يشترط لها توقيت معين على الصحيح لأنه لم يرد عن النبي r شيء في ذلك، وقياسها على الخفين لا يصح.
ـ صفة المسح عليها: أن يعممها جميعها بالمسح مرة واحدة، ويشرع أن يمسح معها ما ظهر من الرأس كالناصية وأطراف الرأس كذلك الأذنين.



باب نواقض الوضوء
1. الخارج من السبيلين.
2. زوال العقل أو تغطيته بإغماء أو نوم، وتغطية العقل قسمان:
· القسم الأول: أن يكون بالجنون والسكر والإغماء فهذا ينقض قليله وكثيره لأنه لو خرج منه شيء لم يشعر به وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن من زال عقله بجنون أو أغمي عليه بمرض ونحوه أن عليه الوضوء، الأوسط 1/144 ويشهد له: (أن رسول الله r لما أغمي عليه وأراد القيام للصلاة أغتسل) متفق عليه.
· القسم الثاني: أن يكون بالنوم فله حالات ثلاث:
v ـ الحالة الأولى: إن كان النائم مضطجعاً وقد استغرق فهذا ينقض الوضوء وقد نقل إجماع العلماء على ذلك ابن عبد البر في التمهيد 3/302 وابن قدامه1/181المغني.
v الحالة الثانية: إن كان النوم يسيراً ومتمكناً من مقعدته كالجالس والقائم فلا ينقض الوضوء عند جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم فإن النوم عندهم ليس بحدث في نفسه ولكنه مظنة الحدث كما في حديث علي t مرفوعاً: (العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) إسناده حسن.
v الحالة الثالثة: وأما ما سوى ذلك فوقع فيه خلاف كثير على ثمانية أقوال.

*ـ والأقرب في هذا أن النوم ليس ناقضاً بنفسه بل هو مظنة للنقض فإن كان النوم يسيراً بحيث لو خرج منه شيء لأحس به لم ينقض، وأما إن كان كثيراً مستغرقاً أو كان على حالة يمكن أن يخرج منه شيء ولا يشعر به فإنه يعتبر ناقضاً.


وهذا قريب من قول مالك والزهري ورجحه شيخ الإسلام 21/228في الفتاوى وابن عثيمين وبه تجتمع الأدلة فيحمل ما حصل من الصحابة كما في الصحيحين على النوم غير المستغرق ويحمل حديث صفوان بن عسال: (ولكن من غائط وبول ونوم) على المستغرق والله أعلم.

3. مس الذكر, لما في حديث بسرة t :(من مس ذكره فليتوضأ) وهذا الحديث أرجح من الأحاديث المعارضة له كحديث طلق.
4. أكل لحم الجروز, لحديث جابر بن سمرة t في مسلم: (أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال:نعم توضأ من لحوم الإبل) وأما حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله r ترك الوضوء مما مست النار) فعلى فرض صحته فإنه عام ويخصصه حديث الأبل.

% مسألة : ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة عمل بما يتيقن: وهذه قاعدة مهمة، وهي مفزع للعبد عند حصول الشك أن يرجع إلى اليقين والقاعدة الكلية هي "اليقين لا يزول بالشك"، فإذا تيقن الطهارة ولكنه شك هل أحدث أم لا فإنه لا ينتقل من الطهارة إلا بيقين وكذا العكس إذا تيقن أنه أحدث لكن لا يدري هل توضأ بعد الحدث أم لا فإنه لا ينتقل من اليقين وهو الحدث إلا بيقين، وهذه تقطع الوساوس عن العبد وتريحه من عناء كثير.
ويحرم على المحدث عدد من الأمور منها:
1ـ الصلاة: فلا يجوز أن يصلي ولا تقبل منه وهو على غير طهارة بدلالة الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ... الآية﴾ [المائدة: 6].

ـ والسنة كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة t مرفوعاً: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) والإجماع منعقد على عدم جوازها بلا طهارة.
2ـ والطواف.
3ـ ومس المصحف ببشرته بلا حائل، وهذا مذهب جماهير العلماء أنه لا يجوز مس المصحف بدون حائل إلا على طهارة، قال شيخ الإسلام: "مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا

طاهر كما في الكتاب الذي كتبه رسول الله r لعمرو بن حزم وفيه: (لا يمس القران إلا طاهر) رواه الدارقطني وقال الإمام أحمد أرجوا أن يكون صحيحاً وقال أيضاً: "لا أشك أن النبي r كتبه وهذا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن عمرو وغيرهما ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف والصحيح أن مس المصحف يجب الوضوء له" الفتاوى21/266.

% مسألة: خروج المني لا يخلو من حالتين:
· الحالة الأولى: إن كان حال اليقظة فيشترط كونه دفقاً بلذة، ويلزم من وجود اللذة كونه دفقاً.
· الحالة الثانية: أن يكون حال المنام فلا يلزم اللذة بل إذا استيقظ ورأى المني فإنه يلزمه الغسل حتى لو لم يذكر احتلاماً ولا لذة، حكى ابن المنذر الإجماع عليه ودليله: (إنما الماء من الماء) رواه مسلم من حديث أبي سعيد.

ـ المستيقظ لا يخلو من حالات:
§ الحالة الأولى: أن يذكر احتلاماً ويرى منياً فيلزمه الغسل.

§ الحالة الثانية: أن يرى ماءً ولا يذكر احتلاماً ويتيقن أنه مني فيلزمه الغسل بإجماع العلماء كما نقله ابن المنذر.

§ الحالة الثالثة: أن يرى أنه احتلم ولكن لا يجد بللاً، فلا يلزمه غسل لقول رسول الله r: (لما سئل عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: نعم إذا هي رأت الماء) متفق عليه.





باب التيمم
ـ التيمم شرعاً: هو التعبد لله بمسح الوجه والكفين من الصعيد الطيب.
ـ وقد دل على مشروعيته:
1. الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43].
2. السنة وهي كثيرة.
3. الإجماع.

ـ نقل ابن الملقن إجماع العلماء أن التيمم مخصوص بالوجه والكفين سواء كانت الطهارة كبرى أم صغرى.

% مسألة: وهي هل التيمم رافع للحدث أم مبيح فقط؟
ومعنى هذا: هل التيمم يرفع الحدث تماماً فيصح أن يعمل الإنسان كل ما يعمله إذا توضأ أم أنه مبيح للعبادة فقط، بمعنى أنه لو تيمم لصلاة العشاء مثلاً فلا يجوز له أن يصلي غيره؟
§ القول الأول/ المذهب يرون أنه مبيح.
§ والقول الثاني/ أنه رافع للحدث مطلقاً وهذا قول كثير من العلماء وهو مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وابن عثيمين وهو الأقرب للأدلة ومنها:
ـ أنه بدل عن الماء فيأخذ حكم المبدل إلا بدليل.
ـ قول رسول الله r: (وتربتها لنا طهوراً) فتأخذ أحكام الماء الطهور إلا بدليل.
ـ أن الله U لما ذكر التيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، فدل أنه مطهر، وثمرة الخلاف: "على القول أنه رافع

يكون كالماء تماماً، فلا يشترط له دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت فلا يلزم بتجديد التيمم لكل صلاة إذا كان العذر قائماً ولم يحدث حتى يأتي بناقض آخر، كذلك يتيمم حتى في أوقات النهي ولهذا نعرف أن هذا الشرط فيه نظر وأنه لا يشترط على الصحيح".
يصير الإنسان إلى التيمم في حالتين:
· الأولى: إما لعدم وجود الماء كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43].
ـ وفي حديث عمران t: (وليسوا على ماء وليس معهم ماء).

· الثانية: أو يخشى باستعماله الضرر، فيكون الماء موجوداً لكن يخشى الضرر مثل أن يكون به جروح، أو يخشى ضرر البرد، أو يخاف من الهلاك، أو لا يجد ماء ليشرب إلا هذا فيخشى من الهلاك إن توضأ به، فيجوز له في هذه الحالات التيمم ويدل لهذا أدلة عديدة ومنها:
1. قول رسول الله r: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أبو داود.
2. ولحديث عمرو بن العاص t: (لما بعثه رسول الله r فاحتلم في ليلة باردة فأشفق على نفسه من الهلاك إن اغتسل فتيمم وأقره رسول الله r على ذلك) رواه أبو داود.

% مسألة: من وجد ماء لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوباً ثم تيمم، مثال هذا: أن يكون عنده ماء لا يكفي إلا لغسل الوجه واليدين، فيجب حينئذ أن يستعمل هذا الماء في غسلهما ثم يتيمم للباقي، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
ـ ولما رواه البخاري عن رسول الله r : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ورجح هذا بن عثيمين 1/233 الممتع وابن جبرين 1/349 شفاء العليل.



% مسألة: إذا اجتمع في الإنسان حدث ببدنه، ونجاسة في ثوبه أو بدنه، فإنه يقدم غسل النجاسة على رفع الحدث فإن فضل معه شيء من ماء توضأ به وإلا تيمم وأجزأه، وسبب تقديم إزالة النجاسة على رفع الحدث بالماء:
ـ لأن التخلية قبل التحلية.
ـ ولأن النجاسة لا يرفعها التيمم على الصحيح ولا يشرع لها، وأما رفع الحدث فيشرع له.

%مسألة: ويصح التيمم لكل حدث، سواء كان أصغر كأكل لحم الإبل، أو أكبر إذا كان جنب ودليل ذلك الكتاب كقول الله U: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
ـ والسنة كحديث عمار t لما تيمم من الجنابة.
ـ والإجماع انعقد على ذلك كما نقله جماعة وقد ورد عن عمر وابن مسعود y الخلاف في الأكبر لكن نقل النووي وشيخ الإسلام أنهما رجعا عنه.

%مسألة: هل يصح التيمم بكل ما على وجه الأرض أم أنه يشترط التراب؟
· القول الأول: وهو أن يكون المُتَيَمَّمُ به تراب له غبار واستدلوا بقول رسول الله r: (وتربتها لنا طهوراً) متفق عليه.
· القول الثاني: أن هذا لا يشترط وأنه يجوز أن يتيمم بكل ما تصاعد على الأرض من السباخ والأحجار وهذا قول كثير من العلماء، كمالك وأبي حنيفة ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم والسعدي وابن عثيمين ونقله ابن رجب عن أكثر العلماء 2/267الفتح وهو الأقرب للأدلة ومنها:
ـ قوله r: (وجعلت لي الأرض مسجدا ًو طهوراً) فالأرض عام يشمل التراب وغيره.


ـ قول رسول الله r: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) رواه أبو داود.
ـ أن رسول الله r تيمم بالجدار لرد السلام ومعلوم أنه لا غبار له.
ـ قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ والصعيد هو: كل ما تصاعد على الأرض سواء كان تراباً له غبار أو حجر، وأما قول رسول الله r: (وتربتها...) فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص وهذا هو الأقرب.
فائدة/ الشيء الذي يتيمم به:
1. إذا كان من جنس الأرض: فله أن يتيمم به ولا يشترط أن يكون عليه غبار كالصخرة الصماء والبلاط والجدار.
2. وإن كان من غير جنس الأرض مثل الباب، فقد رجح جملة من العلماء أنه يشترط وجود الغبار لدلالة حديث جابر t حتى يصح أنه تيمم بالتراب.

% مسألة: لو تيمم المسلم لعدم وجود الماء، ثم وجد الماء بعد ذلك فلا يخلو من ثلاث حالات:
· الأولى: أن يجد الماء بعد الفراغ من الصلاة فالصلاة صحيحة وليس عليه الإعادة بالإجماع كما نقله ابن المنذر، ويدل له ما رواه أبو داود: (في قصة الرجلين اللذين صليا بالتيمم ثم وجدا الماء فقال رسول الله r للذي لم يعد الصلاة أصبت السنة..) فالصواب مع من أصاب السنة.
· الثانية: أن يجد الماء قبل أداء الصلاة فهنا يلزمه الوضوء لبطلان طهارته ويصلي بوضوء لأن العذر في إباحة التيمم زال قبل الإتيان بالعبادة.
· الثالثة: أن يجد الماء أثناء الصلاة ففيه خلاف:
ـ القول الأول: المذهب أن صلاته باطلة لحديث: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) ورجحه ابن عثيمين وهو مذهب أبي حنيفة ورجحه ابن حزم.

ـ القول الثاني/ وذهب مالك والشافعي إلى أنه يتم ولا إعادة عليه، والأحوط الأول.

% صفة التيمم هي كالتالي:
1ـ أن ينوي التطهر لأنه عبادة فلا يصح إلا بنية ثم يسمي.
2ـ ثم يضرب الأرض، والصحيح أنه يكفيه ضربة واحدة لأنها هي الثابتة كما في الصحيحين عن عمار t مرفوعاً: (ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة) وكذا في قصة أبي جهيم في تيمم رسول الله r من الجدار وأما حديث: (التيمم ضربتان) فإنه ضعيف، ولكن ورد عن بعض الصحابة موقوفاً.
3ـ ثم يمسح يده الشمال باليمين ثم يمسح وجهه وكفيه بهما والسنة أن يمسح وجهه بيديه لحديث عمار مسح وجهه بيديه ورجحه ابن عثيمين.

% مسألة: إذا دخل وقت الصلاة على العبد و هو لا يجد الماء فلا يخلو من حالتين:
· الأولى: إن علم أو غلب على ظنه أنه لن يجد الماء في الوقت: فإنه يقدم الصلاة ويبادر بها، وكذلك إذا كان مرتبطاًَ بجماعة يخشى أن تفوت فله تعجيلها ولو تيمم مع علمه أنه سيجد الماء في آخر الوقت.
· الثانية: وأما إن علم أو غلب على ظنه أنه سيجد الماء آخر الوقت بلا مشقة ولا كلفة: مثل أناس بعثوا من يأتيهم بالماء ثم دخل عليهم وقت الصلاة فالأولى لهؤلاء انتظار الماء حتى يؤدوا صلاتهم بطهارة الوضوء واستدلوا بما روي عن علي t قال: (إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت فإن لم يجد الماء تيمم وصلى) والتلوم هو التأخير والانتظار.




· الصلاة
كتاب الصلاة
باب الأذان والإقامة

نبين هنا حكم الأذان والإقامة وأنهما فرض كفاية يجب أن يقاما في البلد لقول رسول r لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) والأمر يقتضي الوجوب, ولمداومة رسول الله r وخلفاؤه الراشدون عليه، وفي الصحيحين أن رسول الله r كان إذا أراد غزو قرية (يستمع فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار) ولذا نص العلماء على فرضية الأذان والإقامة ووجوب إقامتهما في البلد.
% وحكم الأذان والإقامة في السفر على أقوال:
· القول الأول: المذهب أن الأذان في السفر سنة للجماعة ولا يجب فلو تركوه فلا إثم عليهم.
· القول الثاني: ورجحه الشيخ محمد بن إبراهيم والسعدي وابن عثيمين أنه واجب على الجماعة في السفر كالحضر.
والدليل:
1. أن رسول الله r كان يحافظ عليه في السفر كمحافظته في الحضر.

2. أيضا قوله لمالك بن الحويرث ولابن عمه: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما) متفق عليه وهما مسافران, قال ابن باز: "فإن أراد الصلاة فالسنة له أن يؤذن ويقيم حتى ولو كان وحده أو حتى ولو كان مسافراً".




باب شروط الصلاة
1ـ الإسلام.
2ـ العقل.
3ـ التمييز.
4ـ الطهارة.
5ـ دخول الوقت وفيه مسائل:
ـ فوقت الظهر: يبدأ من زوال الشمس لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي ميلها نحو الغروب، ولحديث جابر t: (أن جبريل u صلى بالنبي r في اليوم الأول حين زالت الشمس...) وحديث عبد الله بن عمرو t أن رسول الله r قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس)، وآخره موطن خلاف، والأقرب أنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ودليله حديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله r قال: (وصار ظل الرجل كطوله ولم يحضر العصر) وهذا قول مالك وأحمد وإسحاق والثوري والشافعية، فإذا صار ظل الرجل كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.

ـ ووقت العصر: بدايته فيه خلاف والأقرب ما عليه كثير من الأئمة أنه إذا صار ظل الرجل مثله أي بعد خروج وقت الظهر، نقله ابن المنذر في الأوسط 2/329 عن مالك والثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وجماعة، ويدل لـه حديث جابر t (في صلاة رسول الله r في اليومين وفي اليوم الأول صلّى العصر حين صار ظل الرجل مثله).

§ وآخره موطن نزاع:
ـ فقيل إلى اصفرار الشمس.
ـ وقيل إلى الغروب.




والأقرب والله أعلم أن العصر يمتد وقتها إلى غروب الشمس لما رواه البخاري عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته) وهذا قول ابن عباس وعكرمة ورواية عن مالك وقول الثوري وإسحاق وظاهر تبويب البخاري واختاره ابن المنذر 4/329 الفتح لابن رجب، لكن ينهى الإنسان عن تأخير صلاة العصر إلى ما بعد اصفرار الشمس لغير عذر فقد ورد الزجر عن ذلك في قول رسول الله r: (تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا قربت للغروب قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) رواه مسلم وفي لفظ لغيره: (تلك صلاة المنافق (ثلاثاً) يجلس حتى إذا اصفرت قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) فإن أخرها بعد اصفرار الشمس لغير عذر فيكره وقد ذكر ابن قدامة أنه لا يجوز 2/19 المغني لأنه قد خالف السنّة والهدي النبوي ولكنّها صحيحة لأن وقتها لا يخرج إلا بالغروب 4/289 الفتح.

? فائدة:
1. من صلّى العصر قبل الاصفرار صحّت صلاته بالإجماع نقله ابن عبد البر.
2. ومن صلّى بعد الاصفرار لعذر صحّت بلا كراهة.
3. ومن صلاها بعد الاصفرار لغير عذر ففيه خلاف والأقرب أنها صحيحة مع الكراهة ومخالفة السنة.

ـ ووقت المغرب: أوله بلا خلاف أن وقتها يدخل بغروب الشمس وأحاديث المواقيت كلّها تدل عليه، وثبت عند البخاري عن سلمة بن الأكوع t قال: (كنا نصلّي المغرب مع رسول الله r إذا توارت بالحجاب) ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على هذا.
ـ وآخر وقتها الصحيح: أنه يستمر حتى غروب الشفق الأحمر ويدل لـه حديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق) وفي رواية: (ما لم يغب الشفق) وهذا قول أكثر العلماء ومنهم الثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقول للشافعي رحم الله الجميع 4/357 الفتح لابن رجب.

والشفق: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس ويستمر غالباً نحواً من ساعة.

% مسألة: المغرب السنة أن تعجل أول وقتها وهذا بإجماع العلماء 4/355 الفتح ويكره تأخيرها إلى طلوع النجم في السماء ويدل لـه ما رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة والحاكم عن أبي أيوب t قال: قال رسول الله r: (لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم).

ـ ووقت العشاء: بدايته لا يعلم خلاف في أنه لا يدخل إلا بعد غياب الشفق الأحمر، ويدل لـه حديث أبي موسى وجابر وبريدة y ونحوها: (أن رسول الله r لم يصلي العشاء إلا بعد أن غاب الشفق).

ـ وأما آخره فإن طائفة من العلماء قسموا وقت العشاء إلى قسمين:
1. وقت ضرورة.
2. ووقت اختيار.
· فوقت الضرورة/ يمتد إلى طلوع الفجر فلو استيقظ نائم أو أفاق مغمي عليه أو طهرت حائض أو أسلم كافر بعد منتصف الليل فتلزمه صلاة العشاء، وفي لزوم المغرب معها خلاف.
· وأما وقت الاختيار/ أي إلى متى يجوز لـه تأخير العشاء من غير نهي ولا كراهة إذا لم يكن عنده عذر؟
ـ فذهب طائفة من العلماء أنه إلى ثلث الليل وهذا مروي عن جماعة لحديث أبي موسى t: (أن رسول الله r أخّر العشاء إلى ثلث الليل).

ـ وذهب آخرون إلى أنه إلى نصف الليل وهو الأقرب والله أعلم ويدل لـه حديث أنس t عند البخاري : (أن رسول الله r أخّر العشاء إلى نصف الليل) وفي مسلم عن أنس t قال: (انتظرنا

رسول الله r ليلة حتى كان قريب من نصف الليل ثم جاء فصلّى) وهذا قول الثوري و ابن المبارك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق والبخاري.

ـ ووقت الفجر: بدايته لا خلاف بين العلماء أنه لا يدخل إلا بطلوع الفجر الصادق وقد روى البيهقي عن جابر t مرفوعاً: (الفجر فجران فأما الفجر الذي يكون كذئب السرحان فلا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام) قال البيهقي: "والمرسل أصح" ونقل الإجماع على هذا وأنه لا يدخل إلا بطلوع الفجر الصادق.

ـ وأما نهايته فالذي عليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً أنه ينتهي بطلوع الشمس ويدل لـه ما رواه مسلم عن عبد الله ابن عمر y أن رسول الله r قال: (ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس).

6ـ ستر العورة.
7ـ إزالة النجاسة من البدن والثوب والبقعة.
8ـ استقبال القبلة مع القدرة:
ـ فالعاجز عن استقبالها مثل المريض إذا كان لا يقدر على استقبالها لكونه لا يجد أحداً يوجهه إليها فيصلي حسب حاله لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] وقول رسول الله r: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

ـ حالة اشتداد الحرب فيصلّي حيث كان وجهه لا سيما إذا خشي من توجهه إلى جهة واحدة من مباغتة العدو له كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا﴾ [البقرة: 239].

ـ النافلة للمسافر السائر سواءً كان راكباً أو ما شياً على الصحيح فالمسافر إذا تنفل في الطريق لا يشترط لـه التوجه للقبلة لوروده عن رسول الله r تيسيراً على الأمة وتخفيفاً لما رواه ابن



عمرt قال: (كان رسول الله يسبح على راحلته قِبل أي وجه توجّه ويوتر علها غير أنه لا يصلّي عليها المكتوبة) والتنفل في السفر لا يخلو من حالتين:
· الحالة الأولى: أن يكون راكباً فلا إشكال في صحة تنفله وعدم اشتراط القبلة للأحاديث الصريحة الصحيحة.
· الحالة الثانية: أن يكون ماشياً على قدميه فموطن نزاع هل يُلزم باستقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام والركوع والسجود.

*ـ والأقرب في هذا والله أعلم أنه لا يلزم ويلحق بالراكب لعموم أحاديث التنفل في السفر ولأن العلة موجودة في هذا وهذا اختيار كثير من الحنابلة ونقله الإمام أحمد عن عطاء واختاره شيخ الإسلام 2/197 شرح العمدة، والشيخ ابن عثيمين 2/263 الممتع.


% مسألة: هل يجب استقبال القبلة في تكبيرة الإحرام للمتنفل الراكب أم لا؟ موطن نزاع:
1. ذهب بعض العلماء إلى وجوبه لحديث أنس t: (أن رسول الله r كان إذا سافر وأراد أن يتنفل استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه) رواه أبو داود وحسنه ابن حجر.
2. وذهب بعض العلماء وهو الأقرب إلى أنه لا يجب، قال ابن القيم في زاد المعاد 1/ 476 "وفي هذا الحديث نظر وسائر من وصف صلاته r على راحلته أطلق أنه كان يصلي عليها قِبل أي جهة توجهت به ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها كعامر بن ربيعة وابن عمر وجابر بن عبدالله وأحاديثهم أصح من حديث أنس "إذاً فالصحيح عدم وجوب ذلك وغاية ما يدل عليه الحديث هو استحباب الاستقبال مع تكبيرة الإحرام عند عدم المشقة وهذا رواية عن الإمام أحمد ورجحها ابن القيّم 1/ 476 زاد المعاد، والشيخ ابن عثيمين 2/ 262 الممتع، والسعدي صـ43 المختارات، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة ومالك.


ـ المصلي واجب عليه أن يتحرى جهة القبلة لأنها شرط، فإن تحرى بالطرق المعروفة وغلب على ظنه أنها القبلة ثم صلى ثم تبين له بعد ذلك أنه صلى إلى غير القبلة فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه لأنه أتى بما عليه عند القيام بالعبادة واجتهد قدر طاقته ودليل ذلك ما رواه ابن ماجة وحسّنه الألباني عن عامر بن ربيعة قال كنا مع النبي r في سفره ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]

? فائدة: الطرق التي يستدل بها على القبلة:
1. مشاهدتها إن كان مقابلاً للكعبة.
2. أن يخبره ثقة عدل جهة القبلة سواءً عن يقين أو عن اجتهاد فإنه يأخذ بقولـه إن وثق فيه وتصح صلاته حتى لو تبين له بعد ذلك أنه مخطئ.
3. المحاريب التي في المساجد فإنها دليل على جهة القبلة وقد وقع نزاع في حكم المحاريب واختار الإمام أحمد ورجحه طائفة من المحققين وهو مذهب أبي حنيفة إباحتها، بل ذهب بعض العلماء إلى استحبابها كما رجحه ابن الجوزي وابن عثيمين ورواية عن أحمد والأحاديث الواردة في النهي عنها ضعيفة، وهو من المصالح المرسلة وليس مقصوداً لذاته وإنما هو مقصود لغيره وهذا الذي عليه العمل منذ أزمان متطاولة عند المسلمين من غير نكير والله أعلم 2/184الروض 2/270 الممتع، والحاصل أن المحاريب دليل صحيح على جهة القبلة لأن المسلمين منذ أن وضعوها في المساجد كانوا يجعلونها إلى جهة القبلة.
4. معرفة القبلة عن طريق الشمس والقمر فيستدل بهما على جهة القبلة وكل بلد يعرفون القبلة بالنظر إلى توجه الشمس ولهم في ذلك علامات تختلف باختلاف البلدان وفصول العام.
5. وكذا القطب وهو نجم خفي يخرج في الشمال الشرقي بالنسبة لنا في القصيم لا يراه إلا حديد البصر إذا كانت السماء صافيه والقطب لا يتغير عن مكانه ولذا يستدل به على جهة القبلة، فإذا نظر إلى أحد هذه الطرق وغلب على ظنه أن هذه جهة القبلة فله أن يصلّي فإن

أصاب فالحمد لله وإن أخطأ بعد الاجتهاد وبذل الوسع فصلاته صحيحة ولا يلزمه إعادتها كما دلَّ لهُ حديث عامر بن ربيعة عند ابن ماجة.

% مسألة: التوجه إلى القبلة لا يخلو من حالتين:
1. أن يكون ينظر إلى الكعبة فقد رجح جملة من العلماء وهو قول الحنابلة وجوب معاينة القبلة وعدم الانحراف عنها لأنه قادر على ذلك وهو منها قريب.
2. أن يكون بعيداً فإنه يكفيه التوجه إلى جهة القبلة لقولـه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] والمسلم يكفيه أن يجتهد في التحري، وأما المبالغة والتدقيق الذي يفضي إلى النزاع في ذلك فإنه ليس من هدي رسول الله r والصحابة بل ثبت عند الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (ما بين المشرق والمغرب قبله) والدين يسر وسمح، وأما ما يفعله بعض الناس من هدم المساجد لأجل الانحراف القليل جداً فهذا أمر مبالغ فيه والأولى تركه ومثله ما يحصل من البعض من النزاع والاختلاف إذا كانوا في البر لأجل انحراف يسير فهذا يقول انحرف يسيراً والآخر يخالف فهذا لا ينبغي وحديث أبي هريرة t فيه توسيع حين قال رسول الله r: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) وهذا لأهل المدينة ومن على سمتهم يكفيهم التوجه إلى جهة القبلة ولو كان فيه انحراف يسير في واقع الأمر فإنه مما يتسامح فيه، ومثله عندنا في القصيم يقال القبلة إلى جهة الغرب فيتحرى الصواب قدر طاقته من غير تشديد في هذا والله أعلم.

% مسألة: لو صلى بغير اجتهاد وتحري فلا يخلو من:
1. أن يتبين لـه خطاه فإنه يلزمه الإعادة لإخلاله بشرط بلا عذر.
2. أن يتبين لـه أنه أصاب القبلة:
· فالمذهب يرون أن عليه الإعادة لتفريطه في ترك ما وجب عليه.


· وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه الإعادة لأنه لم يصلي إلا إلى جهة تطمئن لها نفسه وقد تبين له صوابه ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين 2/279 الممتع.
9ـ النية.


باب أركان الصلاة

1ـ القيام في الفرض مع القدرة.
2ـ تكبيرة الإحرام.
3ـ قراءة الفاتحة للإمام والمنفرد والمأموم في السرية وفي الجهرية، قال الإمام أحمد: "ما علمنا أحداً من أهل الإسلام يقول إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ".
4ـ الركوع.
5ـ الرفع منه.
6ـ الاعتدال قائماً بعد الركوع.
7ـ السجود.
8ـ الرفع منه.
9ـ الجلوس بين السجدتين.
10ـ الطمأنينة وهو مذهب جمهور العلماء أن الطمأنينة في الأركان واجبة ودليل ذلك:
ـ قول رسول الله r للمسيء في صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) متفق عليه.
ـ وما رواه الترمذي وصححه من حديث أبي مسعود مرفوعاً: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود).




ـ وحديث أبي قتادة t أن رسول الله r قال: (أشر الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها) رواه الإمام أحمد وقال في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح.

قال شيخ الإسلام: "والركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه وحين وضع وجهه على الأرض فأما مجرد الخفض والرفع عنه فلا يسمى ركوعاً ولا سجوداً ومن سماه ركوعاً وسجوداً فقد غلط على العربية" الفتاوى 22/569 وهذا هو الراجح خلافاً للأحناف القائلين أن الطمأنينة سنة وقد تعقب هذا جملة من الأحناف راجع تحفة الأحوذي 2/110.

? فائدة: والقدر الواجب من الطمأنينة في كل ركن هو "بمقدار الذكر الواجب عليه, إن كان منفرداً, وأما إن كان إماماً فإنه يزاد بمقدار ما يغلب على ظنه أن المأمومين أتوا بالذكر الواجب" كما بينه المجد بن تيمية 2/113 الإنصاف 3/419 الممتع.

11ـ التشهد الأخير.
12ـ الجلوس له.
13ـ التسليم.
14ـ الترتيب.

باب واجبات الصلاة

1ـ التكبيرات سوى الإحرام، فقد صح عن ابن مسعود t أنه قال: (كان رسول الله r يكبر في كل خفض ورفع وقيام قعود) رواه الترمذي وصححه.




2ـ قول سمع الله لمن حمده، ودليله ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة t قال: (كان رسول الله r يكبر حين يقوم إلى الصلاة ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة) وأما المأموم فقد دلت السنة على أنه لا يشرع في حقه التسميع كما هو قول الحنابلة والدليل على ذلك ما في الصحيحين عن أنس t أنه قال قال رسول الله r: (وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) رواه مسلم.

3ـ قول ربنا ولك الحمد، لقول رسول الله r: (فإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد).

4ـ قول سبحان ربي العظيم في الركوع.

5ـ وسبحان ربي الأعلى في السجود، واستدلوا بأمر النبي r به في حديث عقبة t قال: (لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ قال لنا رسول الله r: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم) رواه الإمام أحمد وأبو داود، وبفعل رسول الله r كما في حديث حذيفة t: (أن رسول الله r كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى) رواه الخمسة وصححه الترمذي.

6ـ قول رب اغفر لي بين السجدتين، لما روي عن حذيفة t أن رسول الله r كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي رب اغفر لي) رواه النسائي وصححه الألباني.

7ـ التشهد الأول، ودل له:
ـ أن رسول الله r داوم عليه وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ـ وحديث ابن مسعود t عند البهيقي والدار قطني وصححاه قال: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) فدل أنه بعد ذلك استقر فرض التشهد.


ـ أن رسول الله r : (لما نسيه جبره بسجود السهو) وكون رسول الله r جبره بالسجود دليل على عدم ركنيته وقد سقط بالسهو إلى بدل، بخلاف السنن فإنها تسقط بلا بدل واجب وإلى وجوب هذا ذهب جمهور المحدثين.

8ـ الجلوس له.


باب سنن الصلاة

هناك سنن قولية وسنن فعليه فأما السنن القولية:
1ـ دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، ومن الأدلة على ذلك:
ـ استفتاح عمر t عند مسلم : "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
ـ ما في الصحيحين عن أبي هريرة t مرفوعاً: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعد بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد).
ـ ما رواه مسلم من حديث علي t مرفوعاً: (كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغرلي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك) وإلى هذا ذهب الشافعي وابن المنذر.



ـ ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r كان يستفتح الصلاة من الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وغيرها من الاستفتاحات الواردة سواء في صلاة الفريضة أو النافلة.

ـ وهذه الاستفتاحات كلها جائزة ومشروعة في الفرائض والنوافل.

2ـ التعوذ بالله U من الشيطان الرجيم، وقد وردت الاستعاذة عن رسول الله r في أحاديث منها ما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد t قال: (كان رسول الله r إذا قام إلى الصلاة استفتح بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)،وقال ابن المنذر جاء عن رسول الله r أنه كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) صححه الألباني.

3ـ البسملة، ويدل له ما رواه نعيم المُجمِر قال: (صليت وراء أبي هريرة t فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن وقال والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله r) رواه النسائي، وحديث أم سلمة رضي الله عنها: (أن رسول الله r كان يُقَطِّع قراءته، كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين...الحديث).

4ـ قول "آمين" للإمام والمأموم جميعاً، والتأمين مشروع للإمام والمأمومين جميعاً كما هو قول جمهور العلماء لحديث أبي هريرة t مرفوعاً: (إذا أمَّنَ الإمام فَأمِّنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

5ـ قراءة سورة بعد الفاتحة، لحديث عبادة t أن رسول الله r قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فيفهم منه جواز الاكتفاء بها، وقالوا إن رسول الله r لم يعلمها المسيء في صلاته وإنما قال: (اقرأ بفاتحة الكتاب).

ـ وما رواه مسلم عن أبي هريرة r قال: (في كل صلاة قراءة فما أسمعنا النبي r أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم فمن قرأ بأم القرآن فقد أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل).

6ـ الجهر بالقراءة للإمام، في المغرب والعشاء والفجر، للإمام مستحب لما ورد عن رسول الله r أنه كان يجهر بها، ولكن لو أسر فإن صلاته صحيحة ولكنه أساء لمخالفته هدي النبي r.

7ـ قول: "ملئ السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" بعد التحميد، ويدل لـه أن رسول الله r كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) متفق عليه وعند الإمام مسلم زيادة على ما تقدم: (أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقد أخرجنا قول سمع الله لمن حمده.

8_ ما زاد على المرة في تسبيح الركوع والسجود ورب اغفر لي، ويدل له ما رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود t أن النبي r قال: (إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه) قال الترمذي: "إسناد حديث ابن مسعود ليس بمتصل لأن عون بن عبد الله لم يلق ابن مسعود، والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون ألا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات"، قال المبار كفوري: "والظاهر أن الأحاديث بمجموعها تصلح أن يستدل بها على استحباب عدم النقصان على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود" 2/131 تحفة الأحوذي، وقد قوى ورود الزيادة على واحدة الشيخ الألباني لشواهدها الكثيرة عن الصحابة 2/39 إرواء الغليل.

9ـ الصلاة في التشهد الأخير على آل النبي r وآله والبركة عليه وعليهم، وفي التشهد الأخير التحيات المعروفة وهي (التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله

وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وهذه واجبة لدلالة السنة كما سبق بيانه.

ـ والصلاة على آل رسول الله r هذه من السنن والمستحبات لأنها صفة كمال ومن مكملات الصلاة على رسول الله r كما في حديث كعب بن عجرة t قال: (قلنا يا رسول الله قد علمتنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فقال قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) متفق عليه، فرسول الله r إنما أمرهم بهذه الصيغة حين سألوه تعليمهم ولم يبتدئهم بها 2/232 المغني.

10ـ الدعاء بعده، الدعاء بعد الفراغ من الصلاة والسلام على رسول الله r في التشهد الأخير مستحب وقد دلت الأدلة على أن من مواضع الدعاء في الصلاة، الدعاء بعد الفراغ من التشهد وقبل السلام ولذا ثبت من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r كان يتعوذ فيها من أربع: (من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) متفق عليه.


باب صلاة التطوع

% المسألة الأولى: ما حكم الوتر؟
الذي عليه جمهور العلماء أن الوتر سنة مؤكدة وليس بواجب وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة حيث يرى وجوبه، وهناك أدلة عديدة تصرف أمر رسول r به عن الوجوب ويبقى أنه سنة مؤكدة لأمر رسول الله r بها كما في قولـه r: (إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر... جعلها لكم فيما بين العشاء إلى الفجر) رواه أحمد وأبو داود من حديث خارجه بن حذافة لكن هناك صوارف تدل على عدم الوجوب ومنها:

ـ ما رواه أبو داود لمَّا أُخْبِرَ عبادة بن الصامت t عن رجل يقول الوتر واجب فقال: (كذب، سمعت رسول الله r يقول: خمس صلوات كتبها الله على العباد فمن جاء بهن ولم يترك شيئاً منهن استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).

ـ وكذا حديث الأعرابي لما سأل رسول الله r: (فذكر له الصلوات الخمس فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع).

ـ وقال علي t: "إن الوتر ليس بِحَتْمٍ كهيئة المكتوبة، ولكن رسول الله r أوتر ثم قال: (يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر) رواه أحمد في المسند 2/591 المغني.
ـ فالصحيح أنه سنة مؤكدة فحري بالمسلم المحافظة عليه حتى قال الإمام أحمد: "من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل شهادته" وهذا على المبالغة في التأكيد لما ورد فيه من الأحاديث الحاثة عليه، وقد كان رسول الله r لا يتركه حضراً ولا سفراً، بل كان إذا غلبه نوم أو وجع ولم يقدر على فعله بالليل قضاه في النهار.

% المسألة الثانية: ما هو أقل الوتر؟
أقل الوتر ركعة فللإنسان أن لا يصلي في الليل إلا ركعة واحدة ولا يسبقها بشفع وهذا ثبت عن عشرة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة وسعد وابن عمر وجماعة y وهو قول جمهور العلماء وهو قول الإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماعة ويدل له قول الرسول r فيما رواه مسلم: (الوتر ركعة من آخر الليل) 2/578 المغني، وأما ما روي من حديث محمد بن كعب: (أن رسول الله r نهى عن البُتَيْرَاء) فإنه ضعيف ولا يثبت.





% المسألة الثالثة: ما هو أكثر المشروع؟
أكثر المشروع إحدى عشر فالوارد عن رسول الله r أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما كان رسول الله r يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة).

ـ وقد ورد أيضاً في الصحيحين أن رسول الله r كان يصلي ثلاث عشرة ركعة كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس t قال: (كان رسول الله r يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة).
ـ وكذا ثبت عن عائشة رضي الله عنها: (أنها ذكرت أن رسول الله r كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة) متفق عليه، وهذا له محملان:
· الأول: أن تحمل رواية الثلاث عشرة ركعة على أنه كان يصلي ركعتين بعد الوتر كما في رواية مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر)
· الثاني: أو يحمل على مشروعية الأمرين إلا أن الهدي الغالب عنه أنه لا يزيد على أحد عشر ركعة.

% المسألة الرابعة: ما هي صفة أدائه؟
الأفضل في صلاة الليل والسنة أن يفصل كل ركعتين بسلام وأن لا يصل الوتر بما قبله بل يجعله بسلام وَحْدَه، والدليل عليه ما في الصحيحين من حديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة)، وما روت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي r كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة) رواه مسلم.




% المسألة الخامسة: ما هو أدنى الكمال؟
أدنى الكمال في صلاة الليل أن يصلي ثلاث ركعات شفعاً ووتراً وله فيها ثلاث صفات اثنتان مشروعتان وواحدة غير مشروعة:
· الصفة الأولى: أن يصليها بسلامين وتشهدين، فيصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعة وتراً، ثم يسلم لحديث ابن عمر t: (أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة ويخبر أن رسول الله r فعله) رواه ابن حبان وقوى إسناده ابن حجر في الفتح ولحديث ابن عمر t في الصحيحين: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى).

· الصفة الثانية: أن يسردها بسلام واحد وتشهد واحد وهذه جائزة لحديث عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله r يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن) صححه الحاكم ووافقه الذهبي والنووي.

· الصفة الثالثة: أن يصليها بتشهدين وسلام واحد كصلاة المغرب، فهذه ورد النهي عنها كما في حديث أبي هريرة t (أن النبي r قال لا توتروا بثلاث ولا تتشبهوا بصلاة المغرب) أخرجه ابن حبان وقال ابن حجر إسناده على شرط الشيخين.


% المسألة السادسة: متى وقت الوتر؟
وقت الأداء للوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني ويدل لذلك أحاديث منها:
ـ حديث: (أوتروا قبل أن تصبحوا) رواه مسلم.

ـ وحديث: (إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم) رواه أبو داود ونقل الإجماع عليه ابن رشد وابن المنذر 3/10 الروض، فمن صلاها قبل صلاة العشاء لم تجزئ.

% مسألة: إذا طلع الفجر عليه وهو لم يوتر فماذا يُشرع له؟
يشرع له قضاؤه إن كان تركه لعذر مثل نوم أو نسيان أو انشغال أو مرض، فإذا قضاه فلا يخلو من حالتين:
· الأولى: أن يصليه بعد طلوع الشمس فهذا جائز ويجعله شفعاً لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة).
· الثانية: أن يصليه ما بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر، فهذا موطن نزاع لكن ذهب طائفة من العلماء إلى جواز ذلك إذا لم يتقصد تأخيره إلى الأذان وإنما خرج عليه الفجر من غير قصد فلا بأس أن يصليه وتراً بعد طلوع الفجر وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة أنهم فعلوه منهم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبو الدرداء وعبادة وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم y، قال ابن عبد البر: "ولا يعلم لهؤلاء مخالف" لكن كما قال ابن قدامة: "لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح لقول رسول الله r: (أوتروا قبل أن تصبحوا) فإن فاتته صلاة الليل فله أن يصلي بعد الصبح قبل أن يصلي الصبح وتراً 2/530 المغني 9/152 الباري لابن رجب.


% المسألة الثامنة: ما هو وقت الأفضلية لأداء الوتر؟
الأفضل في أداء الوتر في آخر الليل، لكن إذا خشي أن لا يقوم آخر الليل فيوتر أوله، لما رواه مسلم عن جابر t قال: قال رسول الله r: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل).
ـ وقال r: (الوتر ركعة من آخر الليل).
ـ ولكنه أكثر فعل الرسول r كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (مِنْ كُلِّ الليل أوتر رسول الله r من أوله وأوسطه وآخره حتى انتهى وتره إلى آخر السحر).

ـ فإذا خاف أنه لا يقوم آخر الليل فليوتر قبل النوم كما أوصى رسول الله r بذلك أبا هريرة وأبا الدرداء وأبا ذر، وقال أبو هريرة t: (أو صاني خليلي بثلاث، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) متفق عليه.

ـ وعند أبي داود أن النبي r: (قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال آخر الليل، فقال لأبي بكر أخذ هذا بالحزم وقال لعمر وأخذ هذا بالقوة).

% المسألة التاسعة: ما حكم التطوع بعد أن يوتر وما صفته؟
السنة أن تكون آخر صلاة الإنسان بالليل وترا لقول رسول الله r: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) فيصلي ما شاء ثم يختم صلاته بوتر.

% مسألة: لكن لو أوتر أول الليل ثم قام آخره فماذا يفعل؟
الصحيح في هذا أنه لا يشرع في حقه أن يوتر ثانية لما روى أبو داود والترمذي وحسنه من حديث طلق بن علي أن رسول الله r قال: (لا وتران في ليلة) والمستحب في حقه أن يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره وهذا مروي عن جمع من الصحابة كأبي بكر وعمار وسعد وابن عباس وأبي هريرة وعائشة y وهو قول جملة من فقهاء الحديث كمالك والأوزاعي وأحمد وأبو ثور، وقد ورد في أحاديث أن رسول الله r: (صلى بعد الوتر شفعاً) وهذا يدل على جواز الصلاة بعد الوتر إلا أنه ليس هو الهدي المعروف عن الرسول r، لكن لو استيقض بعد أن أوتر وأراد الصلاة فليصلي شفعاً شفعاً 9/173 فتح الباري لابن رجب 2/598 المغني.

% المسألة العاشرة: بيان مشروعية القنوت في الوتر:
فقد ورد أن رسول الله r علمه بعض الصحابة كالحسن بن علي وغيرهم، وكان أبي بن كعب إذا صلى بالصحابة قنت بهم في رمضان.


% المسألة الحادية عشرة: ما هو الأولى في القنوت في الوتر، هل المداومة عليه أم تركه أحياناً؟
أما الجواز فكلا الأمرين جائزان لكن الأولى أن لا يداوم على القنوت في الوتر بل يفعله تارة ويتركه أخرى، قال شيخ الإسلام: "إن الأقرب أن يقنت أحياناً ويتركه أحياناً حيث أن أكثر الذين وصفوا صلاته بالليل لم يذكروا القنوت وقد ورد قنوته في حديث أبي بن كعب" أ.هـ وقال الإمام أحمد: "إنه لم يصح عن النبي r في القنوت في الوتر قبل الركوع ولا بعده شيء ولكن عمر كان يقنت" والمتأمل لصلاة رسول الله r بالليل يرى أنه لم ينقل عنه أنه قنت فيها إلا بإسناد لا يخلو من علة فعلى هذا الأولى أن لا يداوم عليه، وقد علمه رسول الله r الحسن وهذا دليل على مشروعيته 1/103 المنار.


% المسألة الثانية عشرة: ما هو موضع القنوت أهو قبل الركوع أم بعده؟
قال شيخ الإسلام: "الناس فيه طرفان ووسط منهم من لا يرى القنوت إلا بعد الركوع ومنهم من لا يراه إلا قبله وأما فقهاء الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بها، وإن اختاروا القنوت بعده لأنه أكثر وأقيس فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد سمع الله لمن حمده" 23/100، فكلا الأمرين جائز فقد جاء أن رسول الله r قنت بعد الركوع كما روى مسلم من حديث أبي هريرة وأنسy: (أن رسول الله r قنت بعد الركوع)، وأيضاً جاء في حديث أُبي: (ويقنت قبل الركوع) وعن ابن مسعود أن رسول الله r قنت قبل الركوع قال الإمام أحمد: "أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع فإن قنت قبله فلا بأس" 2/582 المغني.

% المسألة الثالثة عشرة/ هل يرفع يديه في دعاء القنوت؟
السنة في دعاء القنوت أن يرفع يديه، والدليل ما في سنن البيهقي وصححه هو والنووي عن أنس t قال: (رأيت رسول الله r كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم)


وقال الأثرم كان أبو عبد الله يرفع يديه في القنوت إلى صدره واحتج بأن ابن مسعود رفع يديه في القنوت إلى صدره وروي ذلك عن عمر وابن عباس وبه قال إسحاق وأصحاب الرأي 2/584 المغني.

% المسألة الرابعة عشرة: الدعاء في القنوت هل فيه تحديد بأدعية معينة؟
الدعاء في القنوت مفتوح فليس فيه تحديد لا يتعداه العبد، بل له أن يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، لكن ينبغي عليه مراعاة ما ورد في السنة فمن ذلك:
1. ما علمه رسول الله r الحسن بن علي t قال: (علمني رسول الله r كلمات أقولـهن في الوتر "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه أبو داود والترمذي وصححه النووي والحاكم وأحمد شاكر وحسنه الترمذي وقال ولا نعرف عن النبي r في القنوت شيء أحسن من هذا.
2. ما روي أن عمر t قنت به وهو ما يسمى بسورتي أبي: (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنَّا نَسْتَعِيْنُكَ ونَسْتَهْدِيْك، ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم عَذِّب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك) أخرجه البيهقي في الكبرى.
3. وفي حديث علي t أن رسول الله r كان يقول في آخر وتره: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) رواه الخمسة وصححه الألباني.





% المسألة الثامنة عشرة: حكم القنوت في غير الوتر، كالفريضة مثلاً هل يشرع أم يكره أحياناً؟ فيه خلاف:
وسبب الخلاف في هذا أنه ثبت في الصحيح أن رسول الله r قنت في الفجر وكذا سائر الصلوات، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
· القول الأول: أن القنوت في الفرائض لا يشرع مطلقاً لا لنازلة ولا لغيرها وأن هذا منسوخ لأن رسول الله r تركه في آخر أمره وهذا مروي عن طائفة من أهل العراق.
· القول الثاني: أن القنوت في الفرائض مشروع مطلقاً وأن المداومة عليه سنة وذلك في صلاة الفجر لما روى الإمام أحمد في المسند عن أنسt قال: (لم يزل النبي r يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا) صححه الحاكم.
· القول الثالث: أن القنوت في الفرائض لا يشرع إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة وقالوا:
1. إن رسول الله r قنت لسبب ثم تركه عند عدم ذلك السبب.
2. وهذا هو المروي عن رسول الله r من عدم القنوت إلا في نازلة وهو فعل الخلفاء الراشدين كما في جامع الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري t قال: (قلت لأبي يا أبت إنك صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة نحو خمس سنين أكانوا يقنتون في الفجر، فقال أي بني محدث) صححه الترمذي وقال العمل عليه عند أكثر أهل العلم 2/450 تحفة الأحوذي، وهذا قول فقهاء الحديث كابن المبارك وأحمد وإسحاق وأكثر أهل العلم كما حكاه الترمذي،

*ـ أما حديث أنس t السابق فالجواب عنه:
ـ فقد قال شيخ الإسلام: "إن تصحيح الحاكم دون تحسين الترمذي وكثيراً ما يصحح الموضوعات فإنه معروف بالتسامح".
ـ أن القنوت قبل الركوع لا يختص بالدعاء فإنه قد يراد به طول القراءة والقيام فمن أين لكم أن أنساً أراد به الدعاء دون سائر أنواع القنوت كما قرره ابن القيم وابن تيمية خاصة

وقد نفاه أبو مالك عن أبيه حينما سأله هل كان الرسولr وخلفاؤه يقنتون الفجر، واختار عدم مشروعيته في الفرائض إلا في النوازل فقهاء الحديث ورجحه شيخ الإسلام 23/105 وابن القيم في زاد المعاد 1/276 والمبار كفوري 2/ 448 تحفة الأحوذي وقد روى سعيد بن منصور عن أبي هريرةt قال: (إن رسول الله r كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم) 2/586 المغني.

% المسألة التاسعة عشرة: يستثنى من عدم مشروعية القنوت في الفرائض؛ قنوت النوازل:
ـ الأقرب أنه سنة ثابتة عن رسول الله r إذا نزلت بالمسلمين نازلة ـ كأن يخافون من عدو أو يهجم عليهم الكفار أو يؤسر منهم أحد فيدعون بفكاكه أو يحاصر منهم أحد ـ أن يقنتوا في الفرائض فقد قنت رسول الله r شهراً كاملاً يدعو على أحياء من العرب، ويدعو للمستضعفين من المسلمين.

ـ وهو مخير في أي فرض منها إن شاء في الصلوات السرية أو الجهرية لأنه قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة t قال: (لأقربن بكم صلاة رسول الله r فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين).

ـ وعن ابن عباس t قال: (قنت رسول الله r شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح) رواه أبو داود وصححه الحاكم، والفجر والمغرب آكد كما ذكره شيخ الإسلام لما روى مسلم عن البراء بن عازب t قال: (كان النبي r يقنت في صلاة المغرب والفجر).
ـ والمشروع أن يدعو بدعاء مناسب للمقام قال شيخ الإسلام: "والدعاء في القنوت ليس شيئاً معيناً ولا يدعو بما خطر له بل يدعو من الدعاء المشروع بما يناسب سبب القنوت" 23/115 الفتاوى.
ـ ولا يبدأ بدعاء القنوت بقولـه: (اللهم اهدنا فيمن هديت….) لأن هذا دعاء علمه رسول الله r الحسن في الوتر، ولم يكن هدي رسول الله r الدعاء به في النوازل وكان هديه الدعاء


بما يناسب الحال، (فمرة دعا لقوم من المستضعفين أن ينجيهم الله حتى قدموا) متفق عليه من حديث أبي هريرة t، ومرة دعا على قوم من الكفار وهم رِعْل وذكوان وعصية شهراً كاملاً فيدعوا على حسب النازلة التي تحل بالمسلمين من دفع عدو أو فك أسير أو كشف فتنة أو فك حصار أو نصر مجاهدين.


% مسألة: من الذي يقنت؟ وهل يشرع إذن الإمام؟ اختلف العلماء في هذا على أقوال:
· القول الأول: المذهب أن القنوت يشرع للإمام أو نائبه فقط لأن الذي كان يقنت هو رسول الله r فقط وفي هذا نظر.
· القول الثاني: وذهب طائفة من أهل العلم أن قنوت النوازل يشرع لكل مساجد المسلمين بل قال شيخ الإسلام: "يشرع لكل مصلٍ سواء كان في جماعة أو منفرداً لعموم قول النبي r: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وذهب إلى أنه لا يشترط إذن الإمام في هذا لأنه عبادة ودعاء لا افتيات فيه فإذا حلت النازلة شرع دعاء الله فيها، وهذا القول قوي لأنه لا دليل على اشتراط إذن الإمام، واختاره الشيخ ابن باز رحمه الله.


باب صلاة المسافر

% مسألة: ما حكم قصر الصلاة الرباعية في السفر؟
القصر في السفر مشروع، وقد دل عليه الكتاب كما في قولـه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ [النساء: 101].
ـ والسنة والأخبار عن رسول الله r في قصره في السفر متواترة ففي الصحيحين عن ابن عمر t قال: (صحبت رسول الله r فكان لا يزيد على ركعتين في السفر وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك).

ـ وحديث يعلى ابن أمية قال: (قلت لعمر: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله r فقال: صدقةٌ تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) مسلم.

ـ والإجماع منعقد على مشروعيتها في الجملة 3/105 المغني 675 / صلاة المؤمن.


% مسألة: هل السفر محدد بمسافة معينة أم لا؟
· القول الأول: الجمهور قالوا السفر الذي يقصر فيه محدد بمسافة وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وبينهم نزاع في تحديدها, ومن أشهر التحديدات حدها بأربعة برد لما روي عن ابن عمر وابن عباس y: (يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من عسفان إلى مكة).
ـ والبريد مسيرة نصف يوم، والأربعة بُرُد قريب من 48 ميلاً، وبالكيلوات قريب من 80 كيلو، وقالوا: هو الوارد عن ابن عمر وابن عباس y 3/108 المغني ورجحه ابن باز 680 صلاة المؤمن.
· القول الثاني: أن السفر لا يحدد بمسافة وإنما يرجع إلى العرف فما تعارف الناس أنه سفر فله القصر فيه ولو كان أقل من 80 كيلو، وما لم يتعارفوا على أنه سفر لم يقصر ولو كان أكثر, وهذا اختيار ابن قدامة 3/108 المغني وابن حزم وابن تيمية 24/38 وابن القيم والشيخ ابن عثيمين والسعدي, أنه لا يحدد وإنما يرجع للعرف بأنه سفر ويتزود له ويبرز للصحراء وهذا القول أقوى لأوجه عديدة، منها:
ـ أن النصوص مطلقة في السفر وما روي من التحديد ليس من باب التقييد وإنما هو حكاية حال.
ـ أنه ثبت عن أنس t أنه قال: (كان رسول الله r إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) رواه مسلم, وهذا يحتمل أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً قصر إذا بلغ ثلاثة أميال, ويحتمل أنه إذا قصد هذا القدر من المسافة قصر ولو لم يكن سفراً طويلاً كما اختاره الصنعاني.


ـ لكن لو اضطرب العرف على الإنسان ولم يعلم هل هذا سفرا أم لا, ورجع إلى قول الجمهور في تحديد المسافة لأنه أضبط لكان حسناً.

% مسألة: متى يبدأ المسافر يترخص برخص السفر؟ قولان لأهل العلم:
· القول الأول: أنه لا يترخص حتى يفارق بنيان بلده وهذا مذهب الأئمة الأربعة والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وهو قول علي t ورواية عن ابن عمر وجماعة من التابعين.
· القول الثاني: أنه يجوز الترخص إذا نوى السفر وإن لم يخرج عن البلد وهذا قول عطاء وجماعة مستدلين بحديث أبي بصرة t: (أنه ركب في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع ثم قرب غداؤه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفر فقلت ألست ترى البيوت قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله فأكل) رواه أبو داود وصححه الألباني.

*ـ والأقرب في هذا قول جمهور العلماء ويدل له:
ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ [النساء: 101]، فأباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبل المفارقة لا يكون مسافراً ولا ضارباً في الأرض.

ـ حديث أنس t: (صليت الظهر مع رسول الله r في المدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين) متفق عليه.
ـ قال ابن المنذر: "ولا أعلمُ النبيَّ r قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة, فلا يقصر إلا بعد مفارقة البنيان حتى ولو كان قريباً غير بعيد" واختار هذا ابن قدامة 3/112 المغني والشيخ ابن عثيمين 4/513 الممتع, والعبرة بمفارقة البيوت العامرة المسكونة وأما ما اتصل بها من مزارع أو بيوت خربة فإنه لا عبرة بها, وكذا المراد المفارقة البدنية لا البصرية فلو فارقها وتعداها ببدنه فله الترخص ولو كان يرى أطرافها كما في حديث أبي بصرة وهذا اختيار ابن قدامة والشيخ ابن عثيمين.


% مسألة: إذا لم ينوي القصر عند الإحرام فالصحيح أنه يصليها قصراً خلافاً للمذهب، لأن الأصل هو القصر فكما أن المقيم لا تلزمه نية الإتمام فالمسافر كذلك وهذا مذهب الإمام مالك وأبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين ولم ينقل أن رسول الله r كان يأمر أصحابه بنية القصر.

% مسألة: المدة التي يقصر فيها المسافر الصلاة هل هي محددة بخمسة عشر يوماً أو أربعة أيام أو غيرها؟
* المسافر لا يخلو من حالات ثلاث:
1. الأولى: أن ينوي الإقامة في بلد الغربة والانتقال إليه إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن كسفراء الدول، والبقاء والإقامة للتجارة ولا ينتقل منها إلا لسبب عارض فهذا حكمه حكم المقيم ونُقِلَ الاتفاق عليه.
2. الثانية: أن ينوي الإقامة في بلدٍ لغرضٍ معين كالعلاج أو المراجعة وهو غير محدد بزمن فقد ينتهي بيوم أو بشهر أو أكثر ولا يدري كم يبقى فهذا له القصر حتى ولو طالت المدة وهو قول جمهور العلماء بل حكاه ابن المنذر وابن القيم إجماعاً.
3. الثالثة: أن ينوي ويعزم على الإقامة في بلدٍ لغرضٍ معين كعلاج أو دراسة وهذا الزمن محدد ومعلوم كأسبوع أو شهر أو سنة فما هي المدة التي له القصر فيها هل هي أربعة أيام أم أكثر؟ هذه الصورة فيها خلاف قديم بين العلماء ومن أشهر الأقوال:
· القول الأول: المذهب إن نوى أكثر من أربعة أيام أتم وأما أربعة وأقل فله القصر.
· القول الثاني: أن يحدد بأربعة، فإن نوى الإقامة أربعة أيام أتم، وأما دونها فله القصر، وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي وأبو ثور ورواية عن أحمد بدليل قول رسول الله r: (يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً) رواه مسلم، فدل على أن الثلاث في حكم السفر.


ـ فالجمهور قالوا بالتحديد وأكثرهم حددها بأربعة أيام واختار هذا ابن باز لأن الأربعة إقامة النبي r في حجة الوداع وما زاد عليها مختلف فيه، وأيضاً قالوا فيها ضبط للناس واستدلوا بالآثار التي تحدد إقامة رسول الله r كما صلى في تبوك ونحوها.

§ والقول الآخر: وهو أن المدة غير محددة بزمن وإنما يرجع إلى حاله فما دام أنه لم يُجْمِعِ الإقامة ويريد الرجوع إلى بلده بعد قضاء حاجته فله الترخص حتى ولو نوى الإقامة عشرة أو عشرين يوماً ومن الأدلة على ذلك:
ـ ما رواه البخاري عن ابن عباس t: (أن رسول الله r أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين).

ـ وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة.
ـ ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل إذا أقام أكثر من ذلك وإنما اتفقت إقامته هذه المدة.

ـ وما روي من آثار الصحابة:
1. فعن حفص بن عبيد قال: "أقام أنس بن مالك t بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر".
2. وقال أنس بن مالك t: "أقام أصحاب النبي r برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة".
3. وقال الحسن: "أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع", فهذا هدي رسول الله r وأصحابه أنه يجوز للإنسان القصر وإن أقام أكثر من أربعة أيام ما دام لم ينوي الاستيطان والإقامة.

*ـ وهذا القول أقوى، أنه لا يحدد وإنما يضبط بضابط وهو "أنه إن كان مسافراً أو باقٍ في بلد ولم ينوي الاستيطان ويصدق عليه أنه على سفر فإنه يقصر ولو كانت المدة أكثر من أربعة أيام، وأما من استوطن البلد لمدة طويلة فالأحوط في حقه أن يتم وإن لم يجمع الإقامة كحال الطلبة الذين يتغربون للدراسة سنوات في بلد آخر مثل أربع سنوات أو أقل, لأمور عديدة:

ـ خروجاً من خلاف أهل العلم.
ـ أن مثل هؤلاء لا يصدق عليهم أنهم مسافرون أو على سفر وإنما مستوطنون.
ـ أنهم بالإتمام تصح صلاتهم عند الجميع وأما إن قصروا فصلاتهم غير تامة على مذهب جماهير العلماء، واختار هذا القول طائفة منهم شيخ الإسلام ونصره ابن القيم كثيراً ومحمد رشيد رضا وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب والسعدي والشيخ ابن عثيمين وغيرهم رحم الله الجميع 24/18 الفتاوى 2/148 فقه السنة ص686 صلاة المؤمن 3/298 الروض 7/520 الممتع.



باب جمع الصلاة

فائدة/ والجمع مشروع عند حصول سببه وقد دل على مشروعيته السنة والأحاديث في هذا كثيرة كحديث ابن عمر في الصحيحين وأنس في الصحيحين أيضاً وابن عباس عند مسلم أن رسول الله r: (كان يجمع بين الصلاتين إذا كان مسافراً أو حصل مطر أو ريح) ونحوه.
* والجمع بين الصلاتين قسمان:
1. جمع في السفر.
2. وجمع في الحضر.
*أما الجمع الذي في السفر فنوعان:
· الأول: الجمع في عرفة ومزدلفة: فهذا لا خلاف بين الأئمة الأربعة في مشروعيته للحاج ويدل له ما رواه الشيخان عن ابن مسعود t قال: (جمع رسول الله r بين الظهر والعصر يوم عرفة وبين المغرب والعشاء يوم مزدلفة).
· الثاني: الجمع في سائر الأسفار غير عرفة ومزدلفة للحجاج: فهذا فيه خلاف ولكن الصحيح ما عليه جماهير العلماء أنه يشرع للمسافر أن يجمع بين الصلاتين


متى ما كان مسافراً ولا يختص الجمع بعرفة ومزدلفة والأدلة متكاثرة على أن رسول الله r جمع في سائر أسفاره ومنها:
ـ ما في الصحيحين عن ابن عباس t قال: (كان رسول الله r يجمع بين صلاة الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء).
ـ وحديث ابن عمر t في الصحيحين: (كان رسول الله r يجمع بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ بِهِ السير).
ـ وما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن عبد البر أن النبي r عام تبوك (كان يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء) من حديث معاذ والأدلة على هذا كثيرة.


% مسألة: ما هو الأفضل للمسافر أن يؤدي كل صلاة في وقتها أو يجمع بين الصلاتين؟
ـ والجواب عن هذا بأن يقال:
الجمع رخصة للمسافر إن شاء أخذ بها وإن شاء تركها لكن الأفضل متابعة رسول الله r في هديه وهو:
ـ إن كان جاداً في السير وماشياً في سفره فإنه يجمع بين الصلاتين كما كان رسول الله r يفعل حتى لا يقطع سَيْرَهُ كثرة النزول والتوقف، وفي الصحيحين عن ابن عمر t أن رسول الله r: (كان يجمع بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ بهِ السير).
ـ وأما إن كان نازلاً في مكان أو بلد وهو ما زال على سفر فالسنة في حقه أن يصلي كل صلاة في وقتها كما كان هدي رسول الله r الأغلب مثل ما فعل في منى يقصر ولا يجمع، ولو جمع وهو نازل وليس بسائر فالأقرب جواز ذلك والجمع رخصة للمسافر ولو كان نازلاً وهذا قول عطاء وجمهور أهل المدينة والشافعي وإسحاق وابن المنذر ورجحه ابن باز والشيخ ابن عثيمين، والدليل ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن معاذ بن جبل t أن رسول الله r: (كان في غزوة تبوك يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء) قال ابن عبد البر: "إسناده صحيح", وقال ابن قدامة: "وفي الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال لا يجمع بين الصلاتين


إلا إذا جد به السير لأن رسول الله r كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جميعاً ثم ينصرف إلى خبائه وروى هذا الحديث مسلم" 3/131 المغني.

* وأما الجمع الذي في الحضر:
الأصل في الصلاة حال الحضر أنه يجب أن تصلى كل صلاة في وقتها المحدد شرعاً, لكن من يسر الشريعة أنها راعت حال العباد وما يلحقهم من أعذار فأباح الله الجمع في الحضر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء عند حصول الأعذار المبيحة له وهي كالتالي:
· الأول: الجمع بسبب المرض: فالمرض عذر يبيح الجمع وهذا مذهب عطاء ومالك وأحمد واختاره الخطابي وقال النووي: "هو قول قوي في الدليل, والدليل عليه:
ـ قولـه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]
ـ وحديث ابن عباس t عند مسلم قال: (جمع رسول الله r بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فقالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته). ـ وثبت أن رسول الله r: (أمر سهلة بن سهيل وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر ويجمع بينهما بغسل واحد) 3/135 المغني 1/221 فقه السنة 4/554 الممتع.

% مسألة: ما هو ضابط المرض المبيح للجمع في الحضر؟
ـ قال ابن قدامة: "هو ما يلحق به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعف" 3/136المغني.
ـ قال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله المريض يجمع بين الصلاتين؟ فقال إني لأرجو له ذلك إذا ضعف وكان لا يقدر إلا على ذلك" فإذا احتاج المريض للجمع جمع كأن يحتاج للنوم والراحة أو يشتد عليه الألم أو أردا أن يدخل إلى عملية ونحوها.
· الثاني: الجمع بسبب المطر: وهذا جائز وهو قول جماهير العلماء وخالف فيه أهل الرأي وهذا قول ابن عمر و أبان بن عثمان والفقهاء السبعة ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ومن الأدلة ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: (إن من السنة إذا كان يوم



مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء) رواه الأثرم وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله r وغير ذلك من الأدلة.

% مسألة: أما الجمع بين المغرب والعشاء فجماهير العلماء على جوازه في المطر.
% مسألة: وإنما وقع الخلاف هل يجمع بين الظهر والعصر للمطر أم أنه خاص بالمغرب والعشاء؟
· القول الأول: ذهب طائفة إلى أن الجمع بعذر المطر خاص بالمغرب والعشاء وقالوا هو المنقول عن رسول الله r كما رواه المقدسي في المنتقى: (أن رسول الله r جمع بين العشائين في ليلة مطيرة) وسنده ضعيف وهذا قول الإمام أحمد ومالك وجماعة.
· القول الثاني: وذهب طائفة من العلماء إلى جوازه في الظهر والعصر وهذا أقرب والله أعلم، وهذا مذهب الإمام الشافعي وأبو ثور ورواية عن أحمد واختاره ابن باز والشيخ ابن عثيمين ومن الأدلة، ما رواه مسلم عن ابن عباس t: (أن رسول الله r جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر.....)، قال ابن الجوزي: "وفي هذا دليل على أنه يكون الجمع في المطر" 1/498 التحقيق، فإذا وجد مطر يلحقهم معه مشقة جاز الجمع بين الظهرين فالحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً 13/313 الروض 4/558 الممتع 2/132 المغني.


% مسألة: ما هو ضابط المطر الذي يجمع فيه؟
ـ قال ابن قدامة: "هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه, وأما الطَّل والمطر الخفيف فالجمع لا يجوز فيه، والثلج كالمطر في جواز الجمع".
* والأفضل فيه جمع التقديم لأنه أرفق بالناس.



· الثالث: الجمع بسبب الوحل: وهو الزَلَقُ والطين فإذا كانت الأسواق قد ربصت من المطر ويشق على الناس المشي فيها جاز الجمع بين الصلاتين في المسجد لأن المشقة تلحق فيه ويتأذى الناس به في ثيابهم وأقدامهم وقد يتعرض الإنسان للزلق فيؤذي نفسه ويقذر ثيابه وهذا أعظم من البلل, وقد ساوى الوحل المطر في العذر بترك الجمعة والجماعة فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم, وهذا مذهب الإمام مالك والحنابلة وجماعة ورجحه ابن قدامة 3/133 المغني.

· الرابع: الجمع بسبب الريح الشديدة الباردة: فهذا عذر للجمع بين الصلاتين إذا كان يلحق الناس في الخروج إليها مشقة, ويدل لهذا ما في الصحيحين عن ابن عمر t قال: (كان منادي رسول الله r ينادي في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر ألا صلُّوا في رحالكم).
ـ وفي رواية مسلم عن ابن عباس t: (وقال وكرهت أن تمشوا في الدحض والزلل).
وقد قرر شيخ الإسلام أن الجمع لأجل البرد الشديد أو الريح الشديدة مشروع في أصح قولي العلماء كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد قال وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم 24/29 الفتاوى.


% مسألة: هل الجمع في الحضر مختص بهذه الأعذار أم أنه مضبوط بالحاجة والمشقة ولو من غيرها؟
هذا موطن نزاع والأقرب ما ذهب إليه طائفة من العلماء أن الجمع جائز عند الحاجة إذا لم يتخذ عادة وهذا قول ابن سيرين وأشهب المالكي والقفال الشاشي الكبير وأبي إسحاق المروزي وجماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين, ويدل له حديث ابن عباس t عند مسلم: (أن رسول الله r جمع في المدينة بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر فقيل ما أراد إلى ذلك فقال أراد أن لا يحرج أمته)


وهذه قاعدة عامة عند حصولها يجوز الجمع قال شيخ الإسلام: "ويجوز للمرضع الجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة ونص عليه" والمستحاضة إذا كان يلحقها ضرر بالوضوء لكل صلاة.

? فائدة: قال شيخ الإسلام: "الصلاة جمعاً في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة بأوقاتها باتفاق الأئمة الذين يجيزون الجمع كمالك والشافعي وأحمد، بل َتْركُ الجَمْعِ مع الصلاة في البيوت مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة 24/30 الفتاوى.


% مسألة: الحنابلة قالوا أنه يشترط لصحة جمع التقديم الموالاة بين الأول والثاني وأن لا يفرق بينهما بنافلة فإذا لم يوالي لم يصح الجمع.
· والقول الثاني: واختاره شيخ الإسلام أنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين, والجمع هو الضم في الوقت قال ابن عثيمين وهذا القول فيه قوة 3/569 الممتع , 24/54 الفتاوى ونقل نصوصاً عن الإمام أحمد تدل على ما ذهب إليه.

% مسألة: جمع التقديم يشترط له عند المذهب ثلاث شروط وهي:
1. نية الجمع عند إحرام الأولى، وفيه الخلاف واختيار شيخ الإسلام أنه لا يشترط وإنما يشترط وجود سبب الجمع عند الجمع وهذا اختيار المزني والشيخ ابن عثيمين.
2. الموالاة بين الصلاتين فلا يفصل بينهما إلا بشيء يسير, قال ابن عثيمين: "وهذا الأحوط" وشيخ الإسلام يخالف في هذا 3/138 المغني.
3. أن يوجد العذر عند افتتاحهما ويستمر حتى يبدأ في الثانية, والقول الثاني أنه يشترط وجود العذر عند افتتاح الثانية فقط واختاره شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين.

% مسألة: لو جمع بين الصلاتين جمع تقديم ثم زال العذر بعد الفراغ منهما وقبل دخول وقت الثانية فما الحكم مثل جمع بين المغرب والعشاء لأجل المطر فلما فرغ من الجمع توقف المطر فهل يعيد صلاة العشاء إذا دخل وقتها؟
الصحيح أنها تجزئه ولا يلزمه إعادة الثانية في وقتها لأنها وقعت مجزئه على الوجه الشرعي فبرئت الذمة كالمتيمم إذا أدى الصلاة ثم وجد الماء.


% مسألة: هل تجمع صلاة العصر مع الجمعة في السفر والحضر؟
مذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز الجمع بينهما ووجه ذلك:
ـ أنه لم يرد عن رسول الله r أنه جمع بين العصر والجمعة.
ـ أن السنة جاءت بالجمع بين العصر والظهر وأما الجمعة فلم تأت به السنة, وقياس الجمعة على الظهر قياس مع الفارق لأنها تختلف عنها في الشروط والهيئة والأركان والوقت وتوابعها واختار هذا الشيخ ابن عثيمين, والمصير إلى قول الجمهور أحوط وإن لم يوجد دليل صريح في هذا، ولكن لو جمع بينهما فرجح ابن عثيمين أن عليه الإعادة سواء علم قبل خروج الوقت أو بعده 4/572 الممتع.

باب أحكام صلاة الخوف
إن في ذكر أحكام صلاة الخوف دليل على اهتمام الإسلام بالصلاة حيث لم تسقط الصلاة حتى مع التحام الصفوف وتطاير الرؤوس في المعارك وميادين القتال، ودليل أيضاً على رفقه تعالى بالعباد حيث يسر أمرها ولم يجعلها في الصفة والواجبات كالصلاة حال الأمن.

% المسألة الأولى: حكم صلاة الخوف والأدلة عليها:
صلاة الخوف مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾, وأما السنة فالأحاديث في بيانها كثيرة، فقد صلاها رسول الله r

وصلاها الصحابة خلفه وعملوا بها من بعده، وقد أجمع الصحابة على فعلها فقد صلاها عليٌّ ليلة صفين وأبو هريرة وأبو موسى وحذيفة وغيرهم y فهي ثابتة بعد رسول الله r وهذا ما عليه جماهير الأمة 3/296 المغني ص 722 المؤمن.


% المسألة الثانية: صفات صلاة الخوف:
صلاة الخوف وردت على عدة أوجه وأصولها ستة أو سبعة كما بينه الإمام أحمد واختاره ابن القيم وكل صفة من هذه جائزٌ العمل بها فيراعي المصلي الحالة التي هو فيها، ومن أهل العلم من جعل الأوجه والصفات أكثر من ذلك فقالوا هي خمسة عشر وجهاً أو تزيد كما قاله الإمام النووي والعراقي وابن حزم, إلا أن هذا محمول على اختلاف الرواة وأما أصول الأحاديث فهي كما ذكره الإمام أحمد ستة أو سبعة 1/532 زاد المعاد 6/375 شرح النووي 5/23 المحلى.

% المسألة الثالثة: حالات المصلي مع هذه الصفات:
يمكن تقسيم هذه الصفات إلى أربع حالات:
· الحالة الأولى: أن يكون العدو بعيداً ولا يخافون مباغتته: فإنه يلزمهم أن يصلوها تامة كاملة كحال السِّلم والأمن.
· الحالة الثانية: أن يكون هناك خوف والعدو في جهة القبلة: وهذا دل له حديث جابر t في صحيح مسلم وهو أن يصف المسلمون كلهم خلف إمامهم ويصفهم صفين فيكبرون ويركعون ويرفعون مع إمامهم جميعاً, فإذا سجد الإمام سجد معه الصف الأول وبقي الصف الثاني قائماً لئلا يباغتهم العدو حال سجودهم، فإذا نهضوا من السجدة الثانية وقاموا للركعة الثانية فإنه يسجد الصف الثاني ثم يقوم الصف الثاني فيتقدم إلى الصف الأول ويتأخر الصف الأول إلى الصف الثاني فإذا ركع الإمام صنعت الطائفتان كما صنعوا في الأولى فإذا جلس الإمام للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين ولحقوه في التشهد فيسلم بهم جميعاً، فيكون لهم ركعتان مع الإمام وكل طائفة تدرك الصف الأول في ركعة.


· الحالة الثالثة: أن يكون العدو في غير جهة القبلة: وقد ورد في هذه عدة صفات فيراعي القائد والمصلون الأيسر في حقهم والأبلغ في الحراسة والأحوط في الصلاة والصفات وهي:
v الصفة الأولى: أن يجعلهم الإمام فرقتين فرقة أمام العدو وفرقة تصلي معه فالفرقة التي معه تصلي ركعة ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى وهم ما زالوا في الصلاة وتأتي الفرقة الأخرى إلى مكان الفرقة الأولى فتصلي مع الإمام الركعة الثانية ثم يسلم وتقضي كل طائفة ركعة بعد السلام رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر t.
v الصفة الثانية: أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة ثم يقوم الإمام للثانية ويطيل القراءة فتقضي هي الركعة الثانية وهو واقف وتسلم قبل ركوعه, فتاتي الطائفة الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية فإذا جلس للتشهد قامت فقضت ركعة وهو ينتظرها في التشهد ثم يسلم بها, وهذه متفق عليها من حديث صالح بن خوات عمن صلى مع النبي r.
v الصفة الثالثة: أن يصلي أربع ركعات كل طائفة تصلي معه ركعتين وتسلم منهما فيكون له أربعاً ولهم ركعتين ركعتين وهذه متفق عليها من حديث جابر t.
v الصفة الرابعة: أن يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم فيكون قد صلى بكل طائفة صلاةً مستقلة وهذه أخرجها النسائي والبيهقي من حديث جابر, وأبو داود من حديث أبي بكر, قال ابن قدامة: "وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة إمامه ولا إلى شرح كيفية الصلاة" 3/313 المغني.
v الصفة الخامسة: أن يصلي بطائفة ركعة فتسلم الجماعة وتذهب ولا تقضي شيئاً وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئاً فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة, أخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن عباس بإسناد صحيح كما ذكره ابن القيم.

*ـ وكل هذه الصفات جائزة وقد روي في صلاة الخوف صفات أخرى كلها ترجع إليها:
ـ أما الإمام أبو حنيفة فمال إلى اختيار ما رواه ابن عمر t وهي الصفة الأولى.
ـ وأما الإمام أحمد والشافعي ومالك فمالوا إلى ما رواه صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة وهي الصفة الثانية 3/326 الروض 3/311 المغني.

· الحالة الرابعة: عند اشتداد الخوف والتحام الصفين: فإنهم يصلون كيفما أمكنهم رجالاً وركباناً إلى القبلة إن أمكنهم، وإلى غيرها إن لم يمكنهم ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون ويكرون ويفرون ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها وهذا قول أكثر أهل العلم والدليل عليه قول الله U: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 239]، قال ابن عمر t: (فإذا كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) متفق عليه زاد البخاري قال نافع ولا أرى قال ذلك إلا عن النبي r, فيصلونها حسب طاقتهم 3/317 المغني 3/ 327 الروض، ويلحق بهذه الحالة الهارب من عدو أو سبع أو الخائف من التخلف عن رفقته أو يفوته الطلب كما في قصة عبد الله بن أنيس t قال: (بعثني رسول الله r إلى خالد بن سفيان الهذلي، قال: اذهب فاقتله، فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت وأنا أصلي وأمئ إماءً نحوه) رواه أحمد وأبو داود وحسنه ابن حجر.
ـ قال ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن المطلوب يصلي على دابته وأنه يومئ إيماءً".
ـ وأما إن كان طالباً فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ينزل إلى الأرض فيصلي عليها إلا إن خاف فوات الطلب, وقال الشافعي: "إلا أن يخاف أن ينقطع عن أصحابه فيومئ إيماءً" 2/506 الفتح.

· الحالة الخامسة: إذا لم يستطيعوا ولا على الإيماء واشتد الخوف تماماً: فلا حرج من تأخيرها، وعلى هذا يحمل فعل الصحابة عند فتح مدينة تستر.
ـ قال ابن رشد: "ومن باشر الحروب وانشغل القلب والجوارح فيها عرف كيف يتعذر الإيماء" ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين 3/317 المغني 2/434 فتح الباري 4/586 الممتع ص737 صلاة المؤمن.

?فائدة: قال الخطابي: "هذه الصفات صلاها رسول الله r في أيام مختلفة بأشكال متباينة فيتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة فهي على اختلاف صورها فإنها متفقة المعنى.

% مسألة: وأما حكم صلاة الخوف في الحضر؟
فإنها جائزةٌ إذا احتِيجَ إليها لعموم الآية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء:102] وهذا قول الإمام أحمد ومالك والأوزاعي وغيرهم والآية عامة في كل حال, وإنما لم يُنقل عن رسول الله r فعلها في الحضر لغناه عنها وقد كانت حروبه يخرج إليها عن المدينة 3/304 المغني.

%مسألة: إذا صلاها في الحضر فكم يصليها؟
إذا صلاها في الحضر فإن عليه أن يصليها أربعاً, وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تأثير للخوف في عدد الركعات في الحضر فلا تقصر فيها صلاة الحضر وهذا قول ابن عمر t وإليه ذهب الأئمة الأربعة 3/315 المغني.

% مسألة: يشرع للمقاتل حمل بعض السلاح أثناء القتال ليأخذ العدة لو باغته العدو، وليكون أهيب عند العدو من أن يتجرأ عليه في صلاته.

% مسألة: هل يجب حمل السلاح أثناء صلاة الخوف؟ قولان لأهل العلم:
· القول الأول: ظاهر الآية الوجوب لأمر الله U به وتأكيده بقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهَمْ وَأَسْلِحَتَهَم﴾ ثم قال: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 102] فَنَفَى الحرج عند الأذى فدل أنه مع عدمه يلزم وهذا مذهب الإمام داود الشافعي ومالك وداود بن علي وإليه مال ابن هبيرة وابن قدامة 3/311 المغني 3/328 الروض.


· القول الثاني: وقيل بل يستحب وهذا مذهب أكثر العلماء منهم الإمام أحمد وأبو حنيفة والشافعي في قولٍ له، وحتى على هذا القول إذا خشوا مباغتة العدو فإنه يجب عليهم أن يأخذوا ما يدافعون به عن أنفسهم، وإنما قولهم بالاستحباب عند عدم خشية مباغتة العدو لهم والله أعلم.

% مسألة: اشترط أهل العلم لجواز صلاة الخوف ألا يكون عاصٍ في حربه: مثل البغاة وقطاع الطرق لأنها رخصة ثبتت للدفع عن نفسه في أمر مباح فلا تثبت بالعاصي وإنما يؤمر بالكف عن القتال.

% مسألة: لو صلوا صلاة الخوف ظناً منهم أن العدو قريب فبان بعيداً فما الحكم؟
ـ فإن كانوا قد بنوا على غالب الظن فإنه لا إعادة عليهم لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون.
ـ وأما إن كانوا لم يتحروا وصلوها صلاة خوف مع عدم قيام داعٍ إليها فإن قول الإمام ابن قدامة بلزوم الإعادة متوجه هنا لأن الأصل الإتيان بواجبات الصلاة وشرطها ولا تسقط إلا بالعذر الشرعي 3/319 المغني.
هذا ملخص ما في صلاة الخوف من مسائل وأحكام والله الموفق للصواب.


كتاب الجنائز

% المسألة الأولى:هل يغسل الشهيد؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
والأقرب ما ذهب إليه جماهير العلماء أن الشهيد لا يشرع تغسيله ويدل لذلك أحاديث عديدة منها:
ـ ما رواه البخاري من حديث جابر t أن النبي r قال يعني يوم أحد في شأن الشهداء: (ادفنوهم بدمائهم ولم يغسلهم).

ـ وما روى أبو داود والترمذي وحسنه هو والألباني عن أنس t قال: (إن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصلى عليهم).
ـ وما رواه ابن حبان وغيره أن حنظلة بن أبي عامر استشهد فغسلته الملائكة ولو كان واجباً لما اكتفى بغسل الملائكة وغيرها من الأدلة / 172 أحكام الجنائز.

% المسألة الثانية: هل يكفن الشهيد أم أنه يدفن بثيابه؟
الأقرب أنه يدفن بثيابه ودمائه لحديث جابر t عند البخاري: (ادفنوهم بثيابهم) ولم يغسلهم، وروى الإمام أحمد أن رسول الله r قال: (زملوهم في ثيابهم) وقول رسول الله r: (ادفنوهم بثيابهم) وهذا مذهب عامة أهل العلم إلا إن كان عليهم حديد أو جلود فقد ورد عند أبي داود من حديث ابن عباس t: (أن النبي r أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم ودمائهم) وفي سنده كلام 3/471 المغني 3/583 الروض.

% المسألة الثالثة: حكم الصلاة على الشهيد؟ موطن نزاع:
· القول الأول: جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة أنه لا يصلى عليه لمجيء الأخبار في ذلك.
· القول الثاني: وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصلى على الشهداء كما يصلي على سائر الأموات.
ـ واستدل الجمهور بأدلة منها:
ـ ما رواه البخاري عن جابر t: (أن النبي r أمر بشهداء أحد بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصلى عليهم).
ـ وما رواه مسلم عن أبي برزة t في استشهاد جليبيب t: (فوضعه رسول الله r على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدي النبي r فحفر له ووضعه في قبره ولم يذكر غسلاً ولا صلاة).


ـ وما رواه أبو داود من حديث أنس t: (أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصلى عليهم) حسنه الترمذي وصححه النووي.
ـ وأما أثر شداد بن الهاد في صلاة رسول الله r على الأعرابي الذي قتل فإن شداداً تابعي فهو مرسل ولا تقوم بمثله حجة فكيف تعارض به الأحاديث الثابتة.
ـ وأما خبر ابن الزبير في صلاة رسول الله r على قتلى أحد فإنه شاذ لأن الأخبار كما ذكر الإمام الشافعي متواترة في عدم الصلاة على قتلى أحد.
ـ وقد بحث المسألة ابن القيم في تهذيب السنن 4/295 والزاد 1/368 وقال في الزاد: "إن الشهيد لا يصلى عليه" ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين 5/367 الممتع 3/384 الروض.
ومن أهل العلم من توسط بين القولين فقال هو مخير بين الصلاة عليه وتركها لمجيء الأخبار بهذا وهذا، وهذا رواية عن الإمام أحمد ومال إليها ابن القيم في تهذيب السنن والألباني في أحكام الجنائز ص108 بل قال الغسل أفضل والصلاة أولى من الترك وساق الأدلة ص108 أحكام الجنائز وفي نظري والعلم عند الله أن قول الجمهور أقرب لقوة الأدلة ولو صلى عليه فإنه يتسامح فيه لمجيء آثار في هذا وإن كان عدم الصلاة عليه أحسن لأنه هو هدي الرسول r مع شهداء أحد وخير الهدي هدي محمد r ولكن ولو صلى عليه فلا بأس لحديث شداد بن الهاد صححه والنسائي والألباني.

% المسألة الرابعة: ما الحكمة في ترك الصلاة على الشهيد وتكفينه؟
ـ أما الحكمة من ترك الصلاة عليه فلأن الصلاة شفاعة للميت عند الله ودعاء له بالمغفرة, والشهادة تكفر كل شيء إلا الدَّين، بل إن الشهيد يُشَفَّعُ في سبعين من أهل بيته فلذا لم يؤمر بالصلاة عليه كما جاء الأمر بالصلاة على من مات في فراشه.
ـ وأما ترك التكفين والغسل فلأن يلقى الله بِكَلْمِهِ ودَمِه وجراحه التي أصابته في سبيل الله لأن ريحه يكون ريح المسك كما في المسند أن رسول الله r قال: (لا تغسلوهم فإن كل جرح يفوح مسكاً يوم القيامة ولم يصلى عليهم) وحتى تكون شاهدة له عند الله على ما قدم وبذل نسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين وسنده صحيح راجع أحكام الجنائز ص72.


% المسألة الخامسة: من هو الشهيد الذي له هذه الأحكام في عدم الغسل والصلاة عليه؟
الشهداء ينقسمون ثلاثة أقسام:
1. شهيد في المعركة: وهو من قتل لتكون كلمة الله هي العليا فهذا لا يكفن ولا يغسل ولا يصلى عليه وله أحكام الشهيد في الدنيا كما سبق وفي الآخرة من حيث الأجر والثواب المعد للشهيد وهذا مذهب جماهير العلماء واختاره ابن القيم في الزاد 2/268 وابن حجر في الفتح 2/249 والشيخ ابن عثيمين 5/367 الممتع.
2. المقتول ظلماً كمن قتله لص أو غادر أو نحوه فهذا اختلف العلماء هل يأخذ أحكام الشهيد في الدنيا أم لا؟
· القول الأول: المذهب لا يغسل لأنه شهيد كما في حديث سعيد بن زيد t أن رسول الله r قال: (من قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد) صححه الترمذي.
· والقول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء أنه يصلى عليه ويدفن ويكفن ويغسل فليس له أحكام الشهيد في الدنيا وإن كان له أجر الشهيد في الآخرة واستدلوا بأن عمر وعثمان وعلياً y قتلوا ظلماً وغدراً وغسلوا وصلي عليهم 3/580 الروض وهذا الأقرب والله أعلم.
3. المطعون والمبطون والغريق: كما في حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) ونحوهم مما جاء الدليل بوصفهم بالشهادة، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم والمراد بأنهم شهداء أي في ثواب الآخرة وأما في الدنيا فلا يأخذون حكم الشهيد والله أعلم.

% المسألة السادسة: الشهداء أقسام ثلاثة من حيث الأجر الأخروي؟
1. شهيد في الدنيا والآخرة، وهذا هو من قتل في سبيل الله مخلصاً لتكون كلمة الله هي العليا.
2. شهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من قتل في سبيل الله مراءاة وسمعة فله أحكام الشهيد في الدنيا وليس له أجر الشهيد في الآخرة.

3. شهيد في الآخرة دون الدنيا، وهو المبطون والغريق والحريق.. ونحوهم فلهم أجر الشهداء في الآخرة وأما الدنيا فإنهم يأخذون أحكام أموات المسلمين في غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم 13/63 شرح مسلم للنووي.

% المسألة السابعة: لو مات المجاهد في أرض المعركة حتف أنفه أو سقط من راحلته أو سقط من جبل؟
فإنه يغسل ويصلى عليه في قول جماهير العلماء لأن الأصل وجوب الغسل والصلاة، وهذا لم يباشر الكفارُ قتلَه 3/586 الروض.

% المسألة الثامنة: إذا أصيب المجاهد في أرض المعركة لكنه لم يمت مباشرة وإنما بقي فترة حتى مات متأثراً بجرحه هل يغسل ويصلى عليه أم ماذا؟
هذا موطن نزاع إلا أن الأقرب والله أعلم التفصيل على ما يلي:
ـ إن كان الجرح خطيراً ولم تستقر حياته بعد جرحه في أرض المعركة ومات بعده بمدة قصيرة عرفاً، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه مات بقتل الكفار.
ـ وإن كانت قد استقرت حياته مدة وإن لم يبرأ الجرح ثم مات متأثراً به، فهذا يغسل ويصلى عليه كما حصل لسعد بن معاذ t (فإنه جرح في غزوة الخندق وحمل إلى المسجد ثم انفجر عليه جرحه ومات منه ثم غسل وكفن وصلي عليه) متفق عليه، وهذا دليل على أن طول البقاء يجعل صاحبه يغسل ويصلى عليه, وألحق به العلماء ما إذا وجد منه ما يدل على استقرار الحياة كالأكل بشهوة والجماع ونحوه واختار هذا الشيخ ابن عثيمين 5/371 الممتع 3/586 الروض.

% مسألة: الشهيد إذا قتل وعليه جنابة فهل يغسل أم لا؟
· القول الأول: المذهب أنه إن كان عليه جنابة فإنه يغسل لأن الملائكة غسلت حنظله بن أبي عامر t لما استشهد.


· القول الثاني: ذهب طائفة منهم الإمام مالك والشافعي إلى أنه لا يغسل لعمومات عدم تغسيل الشهداء وهو الأقرب ورجحه الحافظ ابن حجر والشوكاني لأنه لو كان واجباً لما اكتفى رسول الله r بتغسيل الملائكة لأنه ليس من تكليفنا ولأنه غير محسوس به بل هو من الكرامة 3/253 الفتح 4/30 النيل.

% مسألة: حكم الصلاة على الغائب: اختلف العلماء فيها على أقوال أربعة:
· القول الأول: أنها تصح مطلقاً: واستدلوا (بصلاة رسول الله r على النجاشي) وهذا مذهب الحنابلة والشافعية سواء صلي عليه أم لا وسواء كان ذا شأن في الإسلام أم لا.
· القول الثاني: لا تشرع الصلاة على الغائب مطلقاً: وهذا مذهب الأحناف والمالكية واستدلوا بأنه مات خلقٌ كثير من الصحابة خارج المدينة ولم ينقل أن رسول الله r صلى عليهم، وأيضاً لم يصلي المسلمون في سائر الأمصار على الخلفاء الراشدون.
· القول الثالث: إن كان الميت من أهل الفضل والأثر في واقع المسلمين: كأهل العلم الكبار ونحوهم صلى عليه وإلا فلا وهذا اختيار اللجنة الدائمة 8/418.
· القول الرابع: التفصيل وهو أعدل الأقوال والله أعلم وبه تجتمع الأدلة: وهو أنه لا يصلى على الغائب إلا إذا كان لم يصلى عليه في بلده، وذلك أن الصلاة على الجنازة وهي توقيفية ولم يحفظ عن رسول الله r صلاة الغائب إلا على النجاشي لأنه مات بين أمة مشركة وهم ليسوا من أهل الصلاة على الميت ومن كان منهم آمن فلا يعرف كيفية الصلاة فلذا صلى عليه النبي r، وقد مات جملة من الصحابة من أهل الفضل ولم ينقل أن رسول الله r أو الخلفاء الراشدون y صلوا عليهم، وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم والشيخ ابن عثيمين 1/519 زاد المعاد 5/438 الممتع 3/639 الروض 3/436 المغني.





% مسألة: حكم الإعلام بموت الميت: كأن يتصل بالأقارب ويخبرهم بوفاة قريبهم أو ينبه إمام المسجد الجماعة بموت أحد الجيران ونحو ذلك، هذا وقع فيه نزاع بين العلماء وهل هو داخل في النعي المنهي عنه أم لا؟
ـ والذي عليه جمهور العلماء أن مجرد الإعلام بالموت جائز إذا لم يكن على وجه المفاخرة و ــ ويدل لذلك:
ـ ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r (نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، أي أخبرهم بوفاته فخرج إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات).
ـ وأيضاً ثبت أن رسول الله r أخبر بموت زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة y حين قتلوا في مؤتة وهو قائم على المنبر.
ـ وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r حين أخبر بموت المرأة السوداء أو الشاب الذي كان يقم المسجد قال: (ألا آذنتموني) فهذا كله يدل على أن مجرد الإعلام بالموت لا يكون نعياً محرماً وإن كان باعتبار اللغة يصدق عليه اسم النعي لكن ليس كل نعي وإخبار منهي عنه وإنما الذي ينهى عنه ما كان فيه نياحة أو مفاخرة أو ما كان على صفة نعي الجاهلية جمعاً بين الأخبار.

% مسألة: حالات النعي والإعلام بموت الميت:
قال ابن العربي: "يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
1. الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة وعليه يحمل ما ورد عن رسول الله r.
2. الثانية: دعوة الجفلى للمفاخرة فهذا مكروه ولم يكن عليه عمل الصحابة وقد روى الترمذي وقال حسن غريب عن ابن مسعود t أنه قال: قال رسول الله r: (إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية)، وروى الترمذي وقال حسن صحيح عن حذيفة قال: (إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحداً إني أخاف أن يكون نعياً فإني سمعت رسول الله r ينهي عن النعي).


3. الثالثة: الإعلام الذي كان في الجاهلية الذي يصحبه نياحة أو مفاخرة فهذا محرم وهذا يدخل في النهي الذي نهى عنه رسول الله r في حديث حذيفة السابق عارضة الأحوذي 4/206.

ـ فالأظهر من الأدلة أن إخبار الأقارب والأصحاب بموت قريبهم لا حرج فيه ولذا أخرج سعيد بن منصور عن ابن سيرين أنه قال: "لا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه، وقال إبراهيم النخعي: "لا بأس أن يعلم الرجل قرابته" 3/140 الفتح /4/34 التحفة.
ـ لكن لا ينبغي أن يتوسع في ذلك فينادى في المساجد أن فلان بن فلان مات أو يكتب في الجرائد فإن هذا لم يكن من هدي السلف ولو كان خيراً لسبقونا إليه وهو جدير بما قال الترمذي رحمه الله: "وقد كره بعض أهل العلم النعي، والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته".

· الصيام

كتاب الصيام

% مسألة: صيام رمضان يجب بأحد أمرين:
· الأول: رؤية هلاله فإذا رأوا هلال رمضان لزمهم الصيام لأنه يكون قد دخل والدليل على ذلك قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ولا يعلم بين أهل العلم خلاف في هذا فإذا ثبتت رؤية هلال رمضان فإنه يجب صيامه.



% مسألة: السنة للناس أن يتراؤا الهلال لدخول رمضان كما كان الصحابة يفعلونه:
فقد روى أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم وابن حزم وابن حجر والذهبي والألباني عن ابن عمر t قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله r أني رأيته). ولا بد أن يقوم بهذا بعض المسلمين حتى يمكنهم معرفة دخول رمضان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

% مسألة: ما هو وقت رؤية الهلال المعتبرة؟
أما وقت الرؤية المعتبرة فهي ما كانت بعد غروب الشمس، وأما ما كانت قبل الغروب فلا يعتد بها في دخول الشهر.

% مسألة: من خرج لترائي الهلال فينبغي عليه أن يعرف بعض ما يعينه على ذلك، فيتعرف على صفة الهلال وهل هو شامي، أو يمني، أو سماوي، وأيضاً يتأمل ويتحرى غروب الشمس ثم يضع مكاناً ثابتاً ليحدد مكان غروبها حتى لا تزل عينه ثم يحدد النظر في جهة الغروب ليعرف مكان الهلال وهل هو موجود أم لا، وفي عدد من الأمور التي يعرفها من له عناية بترائي الهلال.

% مسألة: هل يكفي رؤية واحد لإثبات دخول الشهر؟
ـ هذا موطن نزاع ونقل ابن عبد البر في التمهيد الإجماع عليه 7/211 والراجح في ذلك أنه يكفي رؤية واحد إذا كان أميناً موثوقاً بخبره والدليل على ذلك حديث ابن عمر t عند أبي داود قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله r أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) والحديث سنده صحيح وحديث ابن عباس t قال: (جاء أعرابي إلى النبي r فقال إني رأيت الهلال – يعني رمضان – فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله قال نعم قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً) رواه أبو داود وصححه الحاكم والنووي 6/282 المجموع والذهبي وتكلم عليه الألباني.
ـ ويكفي رؤية المرأة على الصحيح وهذا مذهب الحنابلة لعمومات الأدلة (صوموا لرؤيته) ولا دليل على التفريق بين الرجل والمرأة هنا.

% مسألة: إذا رؤي الهلال في بلد فهل يجب على كل المسلمين الصيام أم أن لكل بلد رؤيته؟
هذه المسالة اختلف العلماء فيها ومن أشهر الأقوال قولان:
· القول الأول: المذهب عند الحنابلة أنه يجب على كل المسلمين الصيام برؤية واحد منهم لعموم قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقوله عليه الصلاة والسلام (صوموا لرؤيته) قالوا هذا عام وخطاب للأمة كلها.
· القول الثاني: أنه إذا رؤي في بلد فيجب على أهل ذلك البلد ومن يوافقهم في المطالع الصيام أما من يختلف معهم فلا يجب عليه وهذا مذهب الشافعية ورجحه شيخ الإسلام وابن باز وابن عثيمين وهيئة كبار العلماء وابن حميد وابن جبرين 6/321 الممتع 4/274 الروض ص29 فتاوى الصيام 4/147 فتح الباري .
والدليل على تخصيص اعتبار الرؤية بتوافق المطالع في البلدان هو حديث كُريب عند مسلم: (أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام وقضيت حاجتها, واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة, قال وأنت رأيته؟ قلت نعم ورآه الناس وصاموا فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت أفلا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا هكذا أمرنا رسول الله r)

* وأيضا لم يكن رسول الله r يبعث إلى القرى البعيدة عن المدينة يسألهم عن الرؤية أو يخبرهم أنه رآه.

* وأما قولهم إن كون المسلمين يفطرون ويتعبدون جميعاً في يوم واحد أهيَبُ لهم في صدور الأعداء, ويؤدي إلى اتفاق كلمتهم,فيقال هذا ليس على إطلاقه وتوحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي لا يؤدي إلى توحيد المسلمين ورفع الاختلاف فيما بينهم ولكن الذي يتكفل بتوحيد الأمة وجمع كلمتها وقوتها هو اتفاق المسلمين على العمل بالكتاب والسنة وتحكيم الشريعة فالقول الثاني أقوى من حيث الدليل كما تقدم في حديث ابن عباس t.


% مسألة: إذا رأى شخص هلال رمضان ورد الحاكم شهادته؟
فالذي عليه جماهير العلماء أنه يلزمه الصوم لحديث ابن عمر t (إذا رأيتموه فصوموا) وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه..) وقوله r: (صوموا لرؤيته) قال ابن عبد البر وهو قول أكثر العلماء ولا خلاف فيه إلا خلافاً شاذاً 7/312 فتح البر , واختاره الشوكاني 1/114 السيل الجرار وابن عثيمين 6/329 الممتع. وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أنه لا يلزمه الصوم لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
ولقول رسول الله r: (صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون) واختاره ابن باز ص173 فتاويه, والأحوط هو قول الجمهور وأما أدلة شيخ الإسلام فهي عامة وأدلة الجمهور خاصة, وأما الآية فتجب طاعته إذا لم يأمر بمعصية.
وأما كونه لا يُعَرِّف ولا يضحي وحده إذا لم يقبل الحاكم شهادته في رؤية هلال ذي الحجة فلوجود الفارق بين الصوم ويوم عرفة.
* وأما إذا رأى هلال شوال ورد شهادته الحاكم فإنه لا يفطر لأن خروج رمضان لا يثبت رؤية هلاله إلا برؤية شاهدين، ولأن فيه احتياط للعبادة ذكره الشيخ ابن عثيمين 6/339 الممتع.

% مسألة: خروج رمضان لا يقبل فيه إلا شاهدان:
لحديث عبد الرحمن بن زيد وفيه قال رسول الله r (فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وافطروا) رواه أبو داود وصححه الألباني. وما رواه الحسين بن حارثة وفيه (فإن لم تره وشهد شاهدان عدلان أنهما رأياه بالأمس عشية...) رواه الدارقطني والبيهقي وإسناده ثقات وهذا مذهب جمهور العلماء.
*ـ الثاني مما يثبت فيه دخول الشهر: إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً فإذا لم يروا الهلال وبلغ الشهر ثلاثين يوماً فيجب عليهم صيام رمضان لأنه يكون قد دخل لقول رسول الله r: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما) رواه البخاري من حديث أبي هريرة t.


وفيما رواه أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (فإن غم عليه عَدَّ ثلاثين يوما ثم صام)

% مسألة: إذا كان يوم الثلاثين من شعبان فيه غيم أو قتر وحال دون الرؤية فهل يصام ذلك اليوم احتياطاً أم تكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً؟
هذه المسألة فيها أقوال:
· القول الأول: المذهب قالوا يجب صومه ودليلهم رواية ابن عمر t (فإن غم عليكم فاقدروا له) متفق عليه. يعنى ضيقوا عليه.
ـ وأيضاً فعل ابن عمر t فإنه كان إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائماً, وهذا من باب الاحتياط لرمضان.
· القول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء أنه لا يجب صوم الثلاثين إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر وهذا هو الراجح والدليل عليه:
*ـ قول رسول الله r وفعله، ففي البخاري من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).

*ـ وما رواه البخاري من حديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم فأكملوا العدة ثلاثين) وهذه أحاديث صريحة.

*ـ وما روته عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عَدَّ ثلاثين يوماً ثم صام) رواه أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ووثق رجاله المنذري.

*ـ وروى البخاري عن عمار t قال: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم) ويوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر فإنه هو يوم الشك، فالأقرب عدم الوجوب لكن هناك...

% مسألة: وهي هل صوم يوم الشك على الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب أو التحريم؟
في هذا نزاع بين العلماء والأظهر النهي عنه لظاهر الأحاديث المقيدة للصوم بالرؤية والإتمام عند الشك ولحديث عمار t, وأما فعل ابن عمر t فإنه مخالف لما روى ولما نقل عن الصحابة كعمار وابن مسعود وغيرهم فيصار لظاهر النصوص واختار هذا طائفة من العلماء ورجحه ابن عثيمين 6/218 الممتع.
? فائدة: والذي اختاره شيخ الإسلام وابن القيم 2/47 زاد المعاد الإباحة, فلا يجب ولا يستحب ولا يحرم لفعل ابن عمر t 157 الاختيارات 25/123 الفتاوى وهذا اختيارهما رحمهما الله.
?فائدة: هناك حكم عديدة من النهي عن تقدم رمضان بالصيام 4/ 152 فتح الباري. ومنها:
1. التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط.
2. وقيل خشية اختلاط النفل بالفرض.
3. وأن حِكَمُ الصوم معلق بالرؤية أو إكمال العدة فمن تقدمه فكأنه حاول الطعن في هذا الحكم والاستدراك على الشرع، ورجح هذا ابن حجر.

% مسألة: هل يعتبر الحساب لدخول شهر رمضان؟
الذي عليه جماهير العلماء بل نقل شيخ الإسلام في الاقتضاء 1/254 إجماع المسلمين إلا من شذ أنه لا يجوز الاعتماد على الحساب في إثبات الأهلة في دخول رمضان والوقوف بعرفة وإنما الاعتماد على الرؤية أو إتمام الشهر كما دل له حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وغيرها.

وقد خالف في هذه المسألة بعض الفقهاء من السلف وبعض المتأخرين ومنهم الشيخ أحمد شاكر حيث قالوا بالاعتبار بالحساب الفلكي بالدخول ولو لم تثبت الرؤية.
*ـ والأظهر والله أعلم هو القول الأول لاعتبار النصوص كحديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (إنّا أُمّةٌ أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ...) متفق عليه.


ـ وأيضا دلالة الحساب دلالة ظنية, ولا يعرفها أكثر الناس، وقد قال الفلكيون في عام 1419هـ أن القمر يغيب قبل الشمس ب 10 دقائق ولا يمكن رؤيته، ومع ذلك ثبتت رؤيته وصام الناس وقد يحصل العكس, وللشيخ ابن باز رسالة قيمة في عدم الاعتماد على الحساب ضمن فتاوى الصيام ص163.

? فائدة: تلخص عندنا أن دخول رمضان يثبت بأحد أمرين:
· الأول: رؤية هلاله.
· الثاني: إتمام شعبان ثلاثين يوماً.
* وأما الحساب فالأقرب عدم اعتباره، لكن يستأنس به ولا يعتد به.

% مسألة: إذا صمنا برؤية شخص ثلاثين يوماً ثم لم نر الهلال فهل نفطر؟
سبق أن دخول الأشهر غير رمضان لا بد من شاهدين أو إتمام الشهر الذي قبله, لكن هذه المسألة لو دخل رمضان برؤية شخص ثم تم الشهر فهل نفطر؟ الأظهر أننا نفطر وهذا قول الشافعية خلافاً للحنابلة. وحجة ذلك:
ـ رؤيته الهلال لدخول رمضان رؤية شرعية وحجة شرعية يبنى عليها خروج الشهر في إكمال العدة ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

% مسألة : العجز عن الصيام له حالتان:
1. عجز طارئ: كأن يكون به مرض يرجى برؤه أو مسافر يريد الفطر فهذا يفطر ويقضي يوماً مكانه وقد ذكره الله في كتابه قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أُخر ...) ولا فدية عليه.
2. عجز دائم: مثل الذي به مرض لا يرجى برؤه ويشق عليه الصوم, أو لكبر سنه وهزاله فهذا ينتقل للبدل مباشرة فيطعم عن كل يوم مسكيناً لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه


فدية طعام مسكين) قال ابن عباس رضي الله عنهما هذه ليس بمنسوخة وإنما هي للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم. رواه البخاري.

% مسألة : الإطعام له صورتان:
· الصورة الأولى: التمليك بأن يعطي الطعام للفقير ويُمَلِّكه إياه ويناوله إياه يفعل به ما يشاء.
· الصورة الثانية: أن يجمع مساكين بعدد الأيام التي عليه فيُغَدِّيهم أو يُعَشِّيهم وهذا جائز كما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الأحناف واختاره الشيخ ابن عثيمين 7/335 الممتع لفعل أنس t لما كبر كان يجمع المساكين فيغديهم أو يعشيهم عن الأيام التي عليه, فكلا الأمرين جائزان، خلافاً للحنابلة فإنهم لا يرون إلا التمليك.

% مسألة: وهو مخير بين أن يطعم كل يوم بيومه أو إذا انتهى شهر رمضان جمع المساكين فأطعمهم كما فعل أنس t.

% مسألة: ما مقدار ما يطعم المساكين عن كل يوم؟
يطعمهم أي نوع مما يسمى طعاماً من تمرٍ أو أرزٍ أو برٍ أو غيره.
ولو جمعهم كما فعل أنس لأجزأ.

% مسألة: النية من الليل لكل يوم واجب وهذا من شروط صحة صوم الواجب، فلو لم ينو الصيام قبل طلوع الفجر لم يصح صومه والصيام لا يخلو من حالتين:
· الحالة الأولى: أن يكون واجباً: كصيام رمضان فهذا يجب أن يبيت النية من الليل وهذا مذهب الشافعي وأحمد وهو قول كثير من السلف منهم عمر وابنه لعموم قول الرسول r : (إنما الأعمال بالنيات) فلو صام من غير نية لم تصح, والواجب تبييت النية بالليل لخبر حفصة وابن عمر رضي الله عنهم: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)


رواه أبو داود وقد اختُلف في رفعه ووقفه فرفعه جماعة وصححوه على ذلك منهم ابن خزيمة وابن حزم والألباني, ورجح كثير من الأئمة وقفه منهم أبو حاتم وأبو داود والترمذي والبخاري والبيهقي والنسائي والدار قطني 7/122 عون المعبود 4/169 فتح الباري لابن حجر 1/116 السيل الجرار.

% مسألة: ووقت النية للصوم الواجب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر في أي ساعة نوى يكون جاء بالواجب.

% مسألة: إذا كان الصوم متتابعاً مثل شهر رمضان أو شهرين متتابعين؟
إذا نوى في أول يوم ثم صام وذهل عن تجديد النية فقد اختار طائفة من العلماء إجزاءها ما لم يقطعها بسفرٍ أو عذرٍ وهذا مذهب المالكية ورواية عن أحمد ورجحه الشيخ ابن عثيمين
لأن النية موجودة 4/300 الروض، 6/269 الممتع.

· الحالة الثانية: أن يكون الصوم تطوعاً: فإنه لا تجب النية من الليل بل يصح ولو لم ينوه إلا نهاراً وقد ثبت عند الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل علي رسول الله r ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء فقلنا لا فقال: فإني إذاً صائم) وهذا وارد عن أبي هريرة وابن عباس وابن مسعود وحذيفة وغيرهم 4/202 الروض.

والنية أمرها يسير ومحلها القلب فإذا نوى الصيام وجدت النية بل كما قال شيخ الإسلام (لو تعشى عشاء من يريد الصيام يكفي في وجود النية).






باب صيام أهل الأعذار

% مسألة :لو أفطر بلا عذر هل يقضي هذا اليوم؟
ـ الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الفقهاء أنه يلزمه قضاء اليوم الذي أفطره عمداً مع الإثم ولزوم التوبة, لأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب ولأنه باقٍ في ذمته, وقد جاء عند أبي داود أن رسول الله r قال: للذي جامع زوجته (صم يوماً مكانه)
وهذا دَينٌ ودَينُ الله أحق بالقضاء وهذا اختاره ابن القيم التقريب ص 186 واختارته اللجنة وابن باز وابن إبراهيم وابن جبرين فتاوى رمضان 2/565.
ـ وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يقضي ولا يجزئه لأنه عبادة مؤقتة تفوت بفوات وقتها بلا عذر وقد ورد عند أبي داود بسند فيه ضعف مرفوعاً: (من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه) وإنما يلزمه الاستغفار والتوبة واختار هذا ابن حزم وشيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين وقولهم بعدم قضائه ليس تخفيفاً عنه وإنما لقولهم أنه لايجزئ وإن كان يؤمر بالاستغفار والتوبة والإكثار من الحسنات لعل الله أن يغفر له هذا الذنب العظيم.

والقاعدة: [أن كل عبادة مؤقتة بوقت معين فإنها إذا أخرت عن ذلك الوقت المعين بلا عذر لم تقبل من صاحبها] لقول النبي r : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)

% مسألة: فلو أن شخصاً ترك عدة رمضانات ثم تاب؟
ـ فإن كان لا يصلي سابقاً فلا يلزمه القضاء لأنه كان كافراً.
ـ وإن كان لم يترك الصلاة بالكلية فله حالات:
· الجمهور أنه يلزمه القضاء ورجحته اللجنة الدائمة 2/560 فتاوى رمضان.



· شيخ الإسلام واختاره الشيخ ابن عثيمين أن عليه التوبة والاستغفار ولا يلزمه القضاء 2/565 فتاوى رمضان، 4/366 المغني، 3/471 تحفة الأحوذي ص 186 تقريب علوم ابن القيم 4/236 فتح الباري.

% مسألة: ما هو الأفضل للمسافر الصوم أو الفطر؟ فيه نزاع والأظهر والله أعلم أن المسافر له حالات:
· الأولى: أن يكون صيامه في السفر فيه مشقة لكنها غير شديدة فهذا الفطر أفضل لأنه رخصة والله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن ترتكب محارمه.
· الثانية: أن يكون صيامه في السفر فيه مشقة غير محتملة فهنا لا يجوز له الصيام ويدل له حديث جابر t أن النبي r لما شق على الناس الصوم في سفره أفطر وأمر الناس بالفطر فقيل له إن بعض الناس صام فقال: (أولئك العصاة أولئك العصاة) رواه مسلم.
وفي الصحيحين عن جابر t قال: (كنا مع النبي في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر)
· الثالثة: أن يتساوى الأمران الفطر والصيام ففيه نزاع على أقوال:
ـ القول الأول: وهو مذهب الجمهور قالوا الأفضل الصوم ووجه ما ذهبوا إليه:
1. أن عليه تحمل أحاديث رسول الله r التي فيها أنه صام في السفر عند تساوي الأمران فالأحاديث التي ثبتت أن رسول الله r صام وهو مسافر محمولة على أن الفطر والصوم كانا متساويين عنده والمشقة منتفية.
2. وأنه أسرع إلى إبراء الذمة وأداء الفرض.
3. وأنه أسهل على المكلف غالباً لأن الصوم والفطر مع الناس أسهل وأنشط من أن يقضيه بعد فراغ الناس منه.
4. وأنه يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان، واختاره الشيخ ابن عثيمين 6/355 الممتع، 4/216 الفتح لابن حجر.


· القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة فيرون أن الفطر هو السنة حتى مع تساوي الأمور لما سبق من الأدلة ورجح هذا ابن باز رحمه الله.
والأمر في هذا واسع فالخلاف إنما هو في الأفضل فيفعل المسلم ما يشاء من الفطر أو الصيام وينظر الذي يطمئن له قلبه وأيسر له في سفره، فإن صام فلا بأس إذا لم يشق عليه وإن أفطر فلا بأس، قال الحافظ ابن حجر في الفتح 4/216 –220 "والقول الذي تجتمع به الأدلة هو أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن ومن وجد ضعفاً فأفطر فهو حسن".
*ـ مسألة/ المريض: فالمرض عذر يجوز الفطر بسببه في رمضان كما قال تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر).

والمريض لا يخلو من حالات ثلاث:
· الحالة الأولى: ألا يتأثر بالصوم كالزكام اليسير والصداع اليسير ووجع الضرس ونحوه فهذا لا يحل له الفطر لأن هذا المرض لا يؤثر على صيامه فهو كالصحيح فيه, فيلزمه الصوم.
· الحالة الثانية: إن كان يشق عليه الصوم مشقةً يسيرة ولا يضره فالسنة في حقه الأخذ بالرخصة وأن يفطر فلو صام فلا حرج.
· الحالة الثالثة: إن كان يشق الصيام عليه ويضره، مثل من به مرض كلى أو يحتاج إلى تعاطي الحبوب في النهار ويضره تأخيرها وهكذا، فهذا يجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم وهو داخل في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وحديث الرسول r : (لا ضرر ولا ضرار) وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) 6/353 الممتع.





· الجهاد
1. أحكام الجهاد ومسائله
2. فضائل الجهاد وغاياته


كتاب الجهاد
باب أحكام الجهاد ومسائله

% المسألة الأولى: تعريف الجهاد شرعاً؟
أهل العلم يطلقون الجهاد على أحد معنيين:
· الأول: أغلب الفقهاء يطلقونه على قتال المسلمين للكفار بعد دعوتهم إلى الإسلام أو الجزية ثم إبائهم ذلك.
فهو عندهم "بذل الجهد في قتال الكفار" 6/2 فتح الباري وهذا هو المشهور عند المذاهب الأربعة وهو الذي يراد عند إطلاق الجهاد.
· الثاني: والتعريف الآخر ذكره شيخ الإسلام 10/192 الفتاوى, وهو تعريف عام فقال: "والجهاد هو بذل الوسع في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق، قال: وذلك لأن الجهاد وحقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان.

ـ وهذا هو المعنى العام للجهاد فيدخل فيه جهاد النفس في فعل الطاعة وترك المعصية وجهاد المنافقين وجهاد الشيطان وجهاد العصاة بإنكار المنكرات والأمر بالمعروف.

ـ فالجهاد عند الإطلاق يصرف للنوع الأول وهو جهاد الكفار وقتالهم, لكن هناك أنواع أخرى تدخل تحت مسمى الجهاد وضمناً لإطلاق الشارع عليها كما تقدم وهي: جهاد النفس والشيطان والمنافقين.

% المسألة الثانية: أنواع الجهاد؟
الجهاد أربعة أنواع بمفهومه العام كما بينها ابن القيم في زاد المعاد وهي كالتالي:
1. النوع الأول: جهاد النفس وهو أن يجاهدها على أربعة أمور:
· على تعلم الهدى ودين الحق.
· وعلى العمل به بعد علمه.
· وعلى الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه.
· وعلى الصبر على مشاق الدعوة إلى الله U وأذى الخلقِ، فإذا استكملَ هذه المراتب صار من الربانيين, فعالِمٌ عامِلٌ مُعَلِّمٌ يُدعى كبيراً في ملكوت السماء.
2. النوع الثاني: جهاد الشيطان وهو أن يجاهده:
· على دفع ما يلقيه على العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
· وأن يجاهده على دفع ما يلقي من الإرادات والشهوات الفاسدة.
* فَعُدَّةُ الجهاد الأول اليقينُ بما عنده من الإيمان، وعدة الثاني الصبر عن الشهوات المحرمة، وبهذا تنال الإمامة في الدين كما قال شيخ الإسلام: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين" ثم تلا قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
3. النوع الثالث: جهاد المنافقين وهذا لا يكون بالسلاح لأنهم يظهرون الإسلام، ولما استؤذن رسول الله r بقتل بعض المنافقين قال: (لا لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) رواه مسلم، مع أنه كان يعرف نفاقهم كعبد الله بن أبي وأمثاله, وإنما يكون بالعلم والحجة وكشف شبهاتهم وفضح دسائسهم ومكائدهم كما فعل القرآن في سورة البقرة التوبة والمنافقين وغيرها.

4. النوع الرابع: جهاد الكفار وهذا يكون بالقلب واللسان واليد والمال والنفس، وهو قمة أنواع الجهاد لا يقوم به حق القيام إلا من قام بمراتب الجهاد الأولى, فمن انتصر على النفس والشيطان والهوى كان جديراً أن ينصره الله على الكفار ويثبته في ساحات الوغى والقتال كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

% المسألة الثالثة: فضائل الجهاد؟
الجهاد من أجل القربات وأعظمها؛ فهو ذِروةُ سنامِ الإسلامِ وطريقٌ إلى دار السلام وفَضَّلَهُ كثير من العلماء على نوافل الصلاة والصيام وهو جدير بهذا الأمر، والنصوص في فضله أشهر من الشمس في رابعة النهار، فقد جاء الثناء على المجاهدين في القرآن وبيانِ ما أعد الله U لهم في الجنان ووصفهم بحبه U لهم وحبهم له تعالى في فضائل يطرب لها الجَنَان ويشتاق لها أهل الإيمان.

ـ فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ # فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170،169].
ـ وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].
ـ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ # سَيَهْدِيمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ # وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 4ـ6].
ـ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ # تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 10ـ11].

ـ وفي صحيح البخاري أن رسول الله r قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض).
ـ وفي البخاري أيضاً عن رسول الله r: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار).
ـ وعند مسلم أن رسول الله r قال: (الجنة تحت ظلال السيوف).
ـ وعند أبي داود أن رسول الله r قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)، وغيرها كثير.
ـ فالجهاد من أعظم العبادات إذ هو عِزُّ الأُمَّةِ وشرفُها, يزيلُ اللهُ بهِ عن المسلمينَ ظلمَ الأعداءِ ويقذفُ في قلوبِ أعدائهمُ الهيبةَ والرعب من المسلمين، والجهادُ سببٌ لفتح القلوب وتعبيدِ الناسِ لعلامِ الغيوبِ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39]، فالجهاد إنما شُرِعَ رحمة بالناس ولو كان فيه ما فيه من المشقة والدماء إذ فيه منافع لا يعلمها إلا الله من نشر التوحيد وإزالة الفتنة والظلم عن المظلوم كما قال ربعي t: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).
ـ وقد جعل الله بذل الروح في سبيله علامة صدق المحبة لله U لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].

ـ قال شيخ الإسلام: "وقد جعل الله لأهل محبته علامتين؛ اتباع رسول الله r والجهاد في سبيله" 1/191 الفتاوى.

بل بالجهاد في سبيل الله ينال العبد الهداية كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ # سَيَهْدِيهمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ # وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 4ـ6]، وقرأها الجمهور ﴿قاتلوا﴾.


ـ قال شيخ الإسلام: "جعل الله لمن جاهد فيه هدايةَ جميعِ سبله تعالى ولهذا قال الإمامان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم" ثم ذكر الآيتين السابقتين.

% المسألة الرابعة: أضرار ترك الجهاد والتفريط فيه:
جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تحذر مِن تَرك الجهاد والركون للدنيا، لما في ذلك من المضار الكثيرة على الأمة وعلى المتقاعسين عن الجهاد ومنها:
· أولاً: أن ترك الجهاد سببُ الذُّلِّ والهوان وتسلُط الأعداء وما ترك قومٌ الجهادَ إلا ذُلُّوا وخُذِلُوا وتَسَلَط عليهم أعدائهم ونهبوا خيراتهم وتعدَّوا على حرماتهم كما هو واقع الأمة اليوم، وفي المسند عن ابن عمر t أن رسول الله r قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)، فالجهاد حياة للأمة من الهوان، وللفرد من الضعف للقوة ومن الفرقة للألفة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]، ومن أعظم ذلك الجهاد كما نص عليه طائفة من المفسرين منهم عروة وابن إسحاق والواحدي والفراء.

· ثانياً: أن في ترك الجهاد تفويت لمصالح كثيرة منها الحياةُ العزيزة، وإقامةُ شرع الله U، والشهادة في سبيله تعالى، والغنائم، والتربية الإيمانية، وأجر الرباط والجهاد، فكلها تُفْقَد إذا فُقِد الجهاد.
· ثالثاً: الفرقة والاختلاف بين المسلمين إنما تحصل عند ترك الجهاد والركون إلى الدنيا كما هو مشاهد، وغيرها من الأسباب.

ولهذا عدَّ طوائف من العلماء كابن حجر الهيتمي أن ترك الجهاد عند تَعَيُّنِه من كبائر الذنوب، بل قال رسول الله r كما عند مسلم: (من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق).

حكم الجهاد

1. القسم الأول: جهاد الطلب والابتداء وهو: تَطَلُّبُ الكفارِ في عُقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام أو الجزية فإن أبو الخضوع لحكم الإسلام قوتلوا, وجهاد الطلب فرض على مجموع المسلمين كما دلت على ذلك النصوص منها:
ـ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 5].
ـ وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
ـ وقول تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41].
ـ وحديث ابن عمر t في الصحيحين مرفوعاً: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله...) والأحاديث كثيرة في بيان أن هذا النوع فرض وقد نقل جمع من العلماء الإجماع على فرضية جهاد الطلب على المسلمين كما قال ابن عطية: "واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية" في تفسيره 2/42.

% مسألة: اختلف العلماء في نوعية فرضية جهاد الطلب هل هو فرض عين أم فرض كفاية؟
· القول الأول: نُقل عن عدد من السلف أنه فرض عين وهذا مروي عن عدد من الصحابة وهو قول سعيد بن المسيب، كانوا يرون جهاد الطلب فرضاً على القادرين مستدلين بقوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: 41].
· القول الثاني: مذهب جماهير العلماء سلفاً وخلفاً أن جهاد الطلب فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين, وهذا القول هو الأرجح لأدلة عديدة منها:



ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
ـ قال القرطبي: "فيها أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية إذ لو نفر الكل لضاع من ورائهم من العيال والحريم 8/193 تفسير القرطبي.
ـ وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]، قال ابن قدامة: "وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم" أي: مع قيام غيرهم بالجهاد وقيام الكفاية بذلك 8/346 المغني.
ـ وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد t: (أن رسول الله r بعث إلى بني حنيفة ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال: أيكم خلف القاعد في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج).
ـ وسيرة رسول الله r تدل على ذلك فقد كان r يخرج في الغزوات تارة ويبقى تارة ولم يكن يخرج معه جميع أصحابه في كل غزوة إلا عند الاحتياج إليهم.
واختلفوا في تحديد الكفاية, هل في السنة مرة أم مرتين, أم غير ذلك؟-راجع كتاب المشارع لابن النحاس فقد اشبع هذه المسألة-.

2. القسم الثاني: جهاد الدفع وهو: جهاد الصائل والمعتدي على بلاد المسلمين أو جماعتهم سواء كان المعتدي دولة أو أفراداً وسواء كان الاعتداء على الأنفس أو الأعراض أو الأموال أو الأوطان، وجهاد الدفع فرض عين على المسلمين القادرين المكلفين أن يدفعوه وسواء كان الصائل كافراً أو مسلماً محارباً باغياً، وفي صحيح البخاري أن رسول الله r قال: (من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد) رواه أبو داود وروى أوله البخاري.
وقد نقل طوائف من العلماء الإجماع على أن جهاد الدفع فرض عين على القادرين كلٌ بحسبه منهم الإمام القرطبي والجصاص،وابن عبد البر, والبغوي, وقال شيخ الإسلام: "فإذا ما أراد العدو

الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم, وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله, كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد" 28/358 الفتاوى.

% مسألة: إذا كان الجهاد فرض كفاية وقام به من يكفي أصبح في حق الباقين من أعظم المستحبات والطاعات كما تقدم في النصوص على فضله ولقول رسول الله r: (لغزوة في سبيل الله أو روحه خير من الدنيا وما فيها).

% مسألة: هناك أربع مواضع إذا حصل أحدها صار الجهاد والقتال فرض عين على المسلم وهي:
· الموضع الأول: إذا حضر الإنسانُ القتالَ: فيجب عليه القتالُ ويحرمُ الفرار بل يكون الفرارُ من الكبائر كما في الصحيحين أن رسول الله r قال: (اجتنبوا السبع الموبقات...... والتولي يوم الزحف) ويستثنى حالتين له أن يتولى فيهما:
1. أن يكون متحرفاً لقتال بأن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكبر أو سلاح أقوى.
2. أو أن يكون منحازاً إلى فئة بحيث يذكر له أن فئة من المسلمين في الجانب الآخر بحاجته فلا بأس بترك مكانه لكن بشرط أن لا يخاف على الفئة التي هو فيها أن يتأثروا أو يصابوا بذهابه والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ # وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16،15].

· الموضع الثاني: إذا حاصر أو هاجم العدو البلد التي هو فيها أو بلدا من بلاد المسلمين لم تقم به الكفاية: فيجب عليه القتال قال شيخ الإسلام: "إذا



· دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلد الواحدة، وقال: وأما قتال الدفع فواجب

إجماعاً ولا شيء بعد الإيمان أوجب من دفع الصائل فلا يشترط له شيء بل يدفع بحسب الإمكان" ص311 الاختيارات بتصرف.

· الموضع الثالث: إذا استنفره الإمام: فيجب على من استُنْفِرَ القتال بعينه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
ـ وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا).

· الموضع الرابع: إذا احتاج المسلمون إليه بخصوصه: صار فرض عين عليه كأن يوجد سلاح لا يعرف له إلا هو، كطائرات ونحوها فيتعين عليه الجهاد.

*ـ الجهاد الواجب لا يجب على كل أحد وإنما يجب على من توفرت فيهم الشروط الآتية:
1. كونه ذكراً وأما النساء فلسن من أهل القتال لحديث عائشة رضي الله عنها في البخاري قالت: (قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد قال جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة).
2. المسلم المكلف كسائر العبادات فكما أن الصلاة والحج لا يؤمر بها الكافر وغير المكلف فكذلك الحج وفي الصحيحين أن رسول r كان يعرض الجيوش فيرى الصغار الذين دون الخامسة عشرة كما في الصحيحين عن ابن عمر t قال: (عرضت على رسول الله r يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني


وعرضت عليه يوم الخندق فأجازني) وفي الصحيحين أن رسول r لما لحقه رجل كافر ليقاتل معه قال: (ارجع فلن استعين بمشرك).


3. كونه صحيحاً من العمى والمرض والعرج، وأما أهل هذه الأعذار فإنهم غير مُآخذين بترك الجهاد فقد عذرهم الله U في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17].
ـ وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95].

4. أن يجد من المال ما يتجهز به ويكون زائداً عن نفقة أهله مدة غيابه كما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 91].
ـ ونفقة أهله الواجبة مقدمة على خروجه إلا عند مدافعة الصائل فهذه مسألة تقدر بقدرها.
ـ وإذا كان القتال في مكان بعيد فلا يجب على المسلم حتى يجد ما يحمله من الرواحل إلى ذلك المكان فإن كان عنده راحلة أو عنده مال يستأجر به راحلة أو يستطيع الركوب مع أحد على راحلته فإنه يكون قادراً، أما إذا لم يجد فإنه كما قال تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92].
ولا يلزم أن يكون لكل شخص راحلة بل يكفي أن توجد راحلة يتناوبون عليها توصلهم إلى مكانهم من غير مشقة زائدة على العادة, كما كان الصحابة y يفعلون ذلك في غزوات رسول الله r.
وأما إذا كان المكان قريباً فلا يشترط الراحلة بل يجب حتى على من قدر الذهاب على رجليه.
فائدة/ قال الإمام ابن رشد: "وعامة الفقهاء متفقون على أن من شرط هذه الفريضة إذن الأبوين فيها إلا أن تكون عليه فرض عين" 2/442 بداية المجتهد.

ـ ويدل لذلك ما رواه الشيخان: (أن رجلاً قال لرسول الله r إني أريد الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد).
ـ قال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن من لم يتعين عليه الجهاد فإنه لا يخرج إلا بإذن أبويه إذا كانا حيين مسلمين".

ـ وقال الصنعاني: "يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية فإذا تعين فلا يشترط إذنهما" 4/942 سبل السلام 7/231 نيل الأوطار وكذا قال الشيخ ابن عثيمين 8/16 الممتع وغيرهم.
ـ تشييع الغزاة حال خروجهم أمر مشروع لما فيه من الثمار والفوائد، فمنها:
ـ تشجيع الغزاة وإعلامهم أننا وإن قعدنا فإننا معكم بقلوبنا ودعائنا.
ـ احتساب الخطوات في سبيل الله لمن شيعه، وقد ورد في المسند وصححه الألباني أن عليَّاً t: (شيع النبي r في غزوة تبوك ولم يتلقه) وأصله في الصحيحين دون ذكر التشييع.
ـ وفي سنن ابن ماجة مرفوعاً: (لأن أشيع غازياً فأكفيه في رحله غدوة أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها) صححه الحاكم ووافقه الذهبي وضعفه الألباني لحال أبان بن قائد فهو ضعيف.
ـ وورد عن أبي بكر t أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام وقال إني احتسب خطاي هذه في سبيل الله.
ـ وشيع الإمام أحمد أبا الحارث وذهب إلى فعل أبي بكر t, وغير ذلك من الآثار.
وأما التلقي للجيش فلم يستحبه بعضهم مع أنه لم يرد فيه منع بل وردت آثار تدل على فعله ففي البخاري والسنن من حديث السائب بن يزيد قال: (لما قدم رسول الله r من غزوة تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع قال فخرجت مع الناس وأنا غلام) صححه الترمذي.

ـ وتشييع الخارج أولى من استقبال الراجع لما في ذلك من فوائد منها:
توصيته، وتقويته، وتشجيعه، ولذا لم يكن هدياً معروفاً عن السلف استقبال الغزاة بخلاف تشييعهم عند الخروج، لكن ليس فيه منع؛ فهو على الإباحة وأيضاً إذا وجدت مصلحة تأكد.


ـ قال ابن النحاس: "وفي قوله ولا يتلقونه نظر كحديث السائب بن يزيد السابق في تلقي رسول الله r لما رجع من غزوة تبوك" 1/323 مشارع الأشواق.
ـ والجهاد من أفضل الطاعات وقد تقدم بيان بعض فضائله فهو ذروة سنام الإسلام وسبب لهدم الذنوب وتكفيرها، وباب من أبواب الجنة وسبب لرفعة الدرجات والأمان من عذاب النار وغيرها.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن أفضل التطوعات بعد الفرائض القيام بالجهاد في سبيل الله وهذا مذهب الإمام أحمد وذلك لأثره العام على الأمة والخاص في نفس المجاهد وللأحاديث الكثيرة في

فضائله كما في الحديث الصحيح أن رجلاً قال: (يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد قال لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ قال: لا..).
ـ وذُكر للإمام أحمد أمر الغزو فجعل يبكي ويقول: "ما من أعمال البر أفضل منه".
ـ ويلحق بالجهاد بالسيف والسنان العلم بِتَعَلُّمِه وتعليمه لأنه نوع من الجهاد وهذا هو الأقرب وهو أن أفضل التطوعات الاشتغال بالجهاد في سبيل الله والعلم الشرعي لأن العلم نوع من الجهاد وقوام الدين كما قال ابن القيم: "قوام الدين بأمرين بالسيف والسنان والحجة والبيان" وقد تقدم بيان أفضل التطوعات وأقوال العلماء في ذلك في أول باب صلاة التطوع.

ـ قال شيخ الإسلام: "إن أفضل التطوعات يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فمن كان عنده آلة العلم من فهم وحرص فالأفضل في حقه العلم طلباً وتعليماً, وإن كان عنده دراية بالحرب والنزال والشجاعة فالأفضل في حقه الجهاد وقد يكون بعض الناس الأفضل الصلاة" ا.هـ بتصرف.

ـ وإن كان الأكمل هو الجمع بينها كما كان هدي رسول الله r وسادات الصحابة y والتابعين، لكن إذا لم يقدر على الجمع وتساوت الأمور فالأفضل العلم والجهاد, ويتأكد أحدها ويقدم بحسب الحاجة وتأهل الإنسان له, وإن كان هناك حالات تقدم المفضول على الفاضل, وعلى هذا يحمل اختلاف وتنوع إجابات رسول الله r عن أفضل الأعمال.


% مسألة: غزو البحر أفضل من غزو البر وإلى هذا ذهب طوائف من العلماء وذلك لعظيم الخطر في ركوب البحر وقد ورد في الصحيحين من حديث أم حرام رضي الله عنها أن رسول الله r قال لها: (عرض علي أناس من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة).
ـ وروى أبو داود من حديث أم حرام أيضاً أن رسول الله r قال: (المائد في البحر ـ أي الذي يصيبه القيء ـ له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين) وفي إسناده هلال بن ميمون قالوا أبو حاتم ليس بالقوي, ووثقه ابن معين والنسائي وابن حبان وقد حسن الحديث الألباني.

وفي زماننا خرج غزو الجو وهذا فيه مخاطر وله أثره في قوة الجيوش ولذا فالأقرب أن الأفضل في غزو الجو والبحر والبر أنه راجع إلى مصلحة المسلمين وحاجتهم إلى هذا النوع فكلما كان الحاجة إليه أكثر كان الغزو فيه أفضل, وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال إلا أن غزو البحر عند التساوي له أفضلية لورود الحديث فيه ويلحق به غزو الجو لما له من الأثر والبلاء والقوة وما فيه من الخطر.

% مسألة: حكم ركوب البحر لطلب الحلال من الرزق والسفر؟
ذكر الإمام مالك أن عمر t كان يمنع الناس من ركوبه فلم يركبه أحد طوال حياته, فلما مات استأذن معاوية عثمان رضي الله عنهما في ركوبه فأذن له فلم يزل يركب حتى كان أيام عمر بن عبد العزيز فمنع الناس من ركوبه ثم ركب بعده إلى الآن, قال الإمام ابن عبد البر: "والذي عليه أكثر أهل العلم أنهم يجيزون ركوب البحر في طلب الحلال حين يغلب عليه السكون في كل ما أباحه الله ولم يحظره النبي r في حديث أم حرام, ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه 11/41 فتح البر.
فائدة/ وأما حديث عبد الله بن عمرو t عن النبي r قال: (لا يركب البحر رجل إلا غازياً أو حاجاً أو معتمراً فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً).



% مسألة: أيهما أفضل شهيد البر أم شهيد البحر؟
· القول الأول: ذهب قوم إلى أن شهيد البر أفضل من شهيد البحر لحديث عبد الله بن عمرو t أن رسول الله r قال: (أفضل الشهداء من عقر جواده وإهراق دمه) صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
· القول الثاني: وذهب آخرون إلى أن شهيد البحر أفضل من شهيد البر ولهم أحاديث منها:
ـ حديث أم حرام رضي الله عنها: (عرض علي أناس من أمتي يركبون ظهر هذا البحر ملوكا على الأسرة) متفق عليه.


ـ وعند أبي داود من حديث أم حرام رضي الله عنها مرفوعاً: (السائر في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين).
ـ وعموماً فكل هذه أدلة تدل على الفضل الذي أعده الله U للشهيد، وتدل أيضاً على أن كل واحد من شهيد البر والبحر له فضائل خاصة، نسأل الله الكريم U من فضله.
*ـ بعض فوائد الشهادة في سبيل الله U فمنها أنها تكفر ذنوب وخطايا العبد إلا ما استثناه الشرع وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة t أن رجلاً قال: (يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله r: نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل u قال لي ذلك) فتُكَفَّر ذنوبه التي بينه وبين الله.
ولكن يستثنى من ذلك الدين كما ذكره رسول الله r لما فيه من تعلق حقوق الآخرين، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، وقد ثبت أن رسول الله r قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي ما عليه).
ـ قال الإمام الآجري: "وهذا لمن تهاون في قضاء دينه, أما من استدان ديناً أنفقه في واجب عليه أو في أمر مشروع من غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه بعد وفي نيته أن يقضيه فإن الله يقضيه عنه إن مات أو قتل"، ويشهد لهذا ما رواه النسائي وصححه الألباني أن ميمونة رضي الله عنها استدانت فقيل لها يا أم المؤمنين تستدينين وليس عندك وفاء قالت إني سمعت رسول الله r

يقول: (من أخذ ديناً يريد أن يؤديه أعاناه الله U) وفي لفظ له: (ما من أحد يدان ديناً فعلم الله أنه يريد قضاؤه إلا أداه الله عنه).

ـ وقال شيخ الإسلام مما يستثنى أيضاً: "وغير مظالم العباد كقتل وظلم وزكاة وحج" 5/427 الروض فإنها لا تكفر بمجرد الشهادة إلا بالتوبة الصادقة.

% مسألة: المدين إذا أراد الخروج للجهاد:
1. فإن كان الجهاد فرض عين فإنه يخرج ولا يشترط له أن يستأذن دائنه.
2. وأما إن كان الجهاد تطوعاً في حقه:

ـ فالمذهب أنه لا بد أن يستأذن من دائنه لما ورد من التشديد في حق الدين كما في حديث أبي قتادة السابق حيث قال: (إلا الدين...).

ـ وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وذلك لأن رسول الله r والصحابة y كانوا يغزون ولم ينقل أنهم كانوا يستأذنون من الدائنين فعلى هذا يمكن أن تقسم هذه المسألة إلى حالات:
· الأولى: إن كان الجهاد فرض عين فلا يشترط إذن الدائن.
· الثانية: إن كان الدين حالاًّ فإن المدين يؤمر أن يوفي الدين لتبرأ ذمته أو أن يطلب من دائنه أن يأذن له.
· الثالثة: إن كان يغلب على ظنه تحصيل غنائم فله الذهاب ولو لم يأذن له دائنه حتى يوفيه منها.
· الرابعة: إن لم يحل الدين فله أن يذهب وإن لم يأذن الدائن لأنه لم يأت وقت السداد بعد.
· الخامسة: إن كان قد ترك قضاءً للدين فله الذهاب وإن لم يأذن له الدائن.
ـ قال ابن رشد: "إذا كان الجهاد نفلاً فذهب عامة الفقهاء أنه لا بد من إذن الوالدين" 2/442 بداية المجتهد.

ـ وقال ابن هبيرة في الإفصاح: "فإذا كان الأبوان مسلمين صحيحين فقد اتفقوا على أن من لم يتعين عليه الجهاد لا يخرج إلا بإذن أبويه.

ـ وعند النسائي وحسنه الألباني من حديث محمد بن جحش أن رسول الله r قال: (والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم أحي، ثم قتل، ثم أحي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه).

ـ وقال الصنعاني: "يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية فإذا تعين فلا يشترط أذنهما"4/942 سبل السلام.


ـ وكذا قال الشيخ ابن عثيمين ويدل لذلك حديث ابن مسعود t في الصحيحين قال: (سألت رسول الله r أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).

ـ وروى البخاري عن ابن عمر t أنه قال: (جاء رجل إلى النبي r فاستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد).

لكن إذا أصبح الجهاد فرض عين لم يشترط له إذنهما.







حكم الرباط

ومما يشرع للمسلمين في الجهاد المرابطة في الثغور.
Ø والثغر هو: المكان الذي يخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين, مثل الحدود التي بين المسلمين والكفار، أو الأماكن القريبة من الكفار التي يُخشى من خلالها تسللهم على المسلمين ومباغتتهم إياهم.
Ø والرباط هو: لزوم هذه الثغور والبقاء فيها لحفظها ولتقويتها وحماية المسلمين من عدوهم.
ـ والرباط من أفضل الأعمال وقد جاء في فضائله أحاديث كثيرة فمن ذلك:
ـ ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سلمان t أن رسول الله r قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه وأُمن الفتان).

ـ وفي صحيح البخاري من حديث سهل t أن رسول الله r قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).


ـ وروى أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح من حديث فضالة بن عبيد t أن رسول الله r قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمى له عمله يوم القيامة ويأمن فتنة القبر).

ـ وروى الطبراني في الأوسط من حديث جابر t أن رسول الله قال: (من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سماوات وسبع أراضي) قال المنذري وإسناده لا بأس به ومتنه غريب, وفيه أبو طيبة وهو ضعيف، وغير ذلك من الفضائل العظام التي يحصلها المرابط في سبيل الله ولذا قال الإمام النووي بعد حديث سلمان: "وهذه فضيلة ظاهرة للمرابط وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد" 7/70 شرح مسلم.

ـ بل قال شيخ الإسلام: "بإجماع العلماء أن الرباط أفضل من المجاورة في مكة" 4/119 الإنصاف ص311 الاختيارات.

% مسألة: هل للرباط حد معين؟
الرباط ليس له حد معين .
ـ قال الإمام أحمد: "يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط فلو ناب عن أصحابه وقتاً يسيراً لصدق عليه أنه مرابط" وكلما كان الزمن أطول كان الأجر أعظم.

% مسألة: وأكمل الرباط وأتمه أن يبقى أربعين يوماً، وقد جاء في ذلك أحاديث لكنها ضعيفة منها ما يروى عن النبي r أنه قال: (تمام الرباط أربعين يوماً) وفي إسناده عمرو بن عبد الرحمن وهو ضعيف.
ـ وروي من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعاً: (من رابط وراء بيضة المسلمين وأهل ذمتهم أربعين يوماً رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
ـ وعموماً فكلما طالة مدة الرباط عظم الثواب، ولذا علماء الإسلام يذهبون إلى الثغور ويبقون فيها الشهور يقيمون فيها الدروس لأهل الثغور.


ـ فالرباط في ثغور المسلمين وحراستهم أفضل من المجاورة بالحرمين لأن المرابطة نفعها عام للمسلمين جميعاً، ولذا جاءت النصوص في بيان فضائلها بما لم يأت في القيام والصيام، بل ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله r قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً).

ـ فانظر إلى الصيام لمَّا كان في سبيل الله وفي مكان الغزو والرباط كيف عظم أجره وصار له هذا الثواب، وهذا دليل على أفضلية الرباط على القيام والصيام حتى ولو كان مجاوراً عند المسجد الحرام.

ـ قال شيخ الإسلام: "الرباط أفضل من المقام بمكة إجماعاً" ص311 الاختيارات.
ـ وقد روى ابن حبان في صحيحه وصححه الألباني من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود).
ـ ومن العيون التي لا تمسها النار يوم القيامة: (عين باتت تحرس في سبيل الله) كما في السنن.
ـ قال الإمام أحمد: "أفضل الرباط أشدها كَلَبَاً" أي: خوفاً وخطراً، وذلك لحاجة المسلمين إلى سده، ولشدة الخوف وتعريض النفس للتلف.

% مسألة:ما حكم أخذ المرابط أهله معه في المرابطة؟ لا يخلو من حالات:
· الأولى: إن كان المكان المرابط به مخوفاً فإنه يكره له أن يأخذ أهله معه لئلا يعرضهم للسبي إذا أغار الأعداء.
· الثانية: وأما إذا لم يكن المكان المرابط به مخوفاً فلا حرج في أخذهم معه ليكون أركد لقلبه وأكثر ثباتاً له وليبقى مدة طويلة.
? فائدة:كان المسلمون منذ الزمن الأول يتناوبون في حراسة الثغور تطوعاً واحتساباً حتى كان أئمة الإسلام ينتقلون إليها بين الفينة والأخرى كما كان الإمام أحمد يفعل ذلك فنسأل الله أن يرفع راية الجهاد وأن ينصر دينه وعباده المؤمنين آمين.

% حكم الفرار من أرض القتال والتولي من وجه الأعداء محرم وهو من كبائر الذنوب كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16].
ـ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (اجتنبوا السبع الموبقات, وذكر منها التولي يوم الزحف).

والواجب على المسلمين الثبات في وجه العدو إذا كانوا مثلهم أو ضعفهم كما قال تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ

الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، ولا يجوز لهم الفرار من وجه العدو الذي هذا عدده إلا لإحدى سببين وهما:
· الأول: التحرف للقتال: بأن ينصرف ليستعد، مثل أن يتحول من مكان ضيق إلى واسع، أو من نازل إلى مرتفع، أو من استقبال ريح وشمس إلى استدبارها ونحو ذلك.
· الثاني: أو التحيز إلى فئة أخرى: كأن يتحول إلى جماعة المسلمين الأخرى لحاجتهم إليه أو لحاجته إليهم سواء كانت الفئة الأخرى قريبة أو بعيدة.
ـ وقد روى الترمذي وحسنه: (أن المسلمين لما رجعوا من غزوة مؤته ولقوا رسول الله r قالوا: نحن الفرارون قال لا بل أنتم العكارون أنا فئة كل مسلم).
ـ ويدل على استثناء هاتين الحالتين قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ﴾ [الأنفال: 16].

*ـ المشروع للمسلمين عند القتال أن يثبتوا ويصبروا ويتوكلوا على الله U حق التوكل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [التوبة: 45]،



وألا يلتفتوا إلى كثرة الأعداء فإن النصر ليس بالعدة والعتاد فقط فقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
ـ وغزوات المسلمين منذ عهد رسول الله r أغلبها كان الكفار أضعاف مضاعفة، فهذه غزوة بدر والخندق ومؤتة واليرموك وعين جالوت وغيرها كان الكفار أضعاف المسلمين ومع ذلك انتصر فيها المسلمون.

*ـ لكن إذا كان العدو أكثر من الضعفين: فقد رُخِّصَ في عدم القتال والمصابرة كما قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66].

ـ وقال ابن عباس t: (من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فما فر) صححه الألباني.

% مسألة: لكن ما هو الأفضل إذا كان العدو أضعافهم الصبر أم الفرار؟ له حالات:
· الأولى: أن يغلب على ظنهم النصر أو أن يصيب المسلمين ضرر بفرارهم فالثبات أفضل بل القول بالوجوب هنا متوجه.
· الثاني: أن يغلب على ظنهم الهزيمة وأن في فرارهم ترتيب للصفوف و استعداد أقوى فالتحيز أفضل كما فعل خالد بن الوليد t في غزوة مؤتة والمسلمون في غزوة أحد.
· الثالثة: أن يتساوى الأمران فالأمر راجع للمصلحة وتقديرهم لها, وإن كان الصبر و الثبات من حيث الأصل هو الأفضل والأكمل كما نطقت بذلك النصوص كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].

ـ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: 45].
ـ وقوله r: (واعلم أن النصر مع الصبر).







مسائل في الهجرة وحكمها

% المسألة الأولى: ما هو تعريف الهجرة؟ وما هو ضابط بلد الكفر وبلد الإسلام؟
Ø الهجرة هي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
Ø وضابط بلد الكفر هو: الذي تقام فيه شعائر الكفر ولا تقام فيه شعائر الإسلام على وجه عام شامل.
Ø وضابط بلد الإسلام هو: البلد الذي تُظهر فيه الشعائر والأحكام على وجه عام كالصلاة والجمعة والأعياد.
ـ وأما البلدان التي فيها أقليات يقيمون فيها هذه الشعائر فإنها بلدان كفر مثل أمريكا وبريطانيا لأنها تقام الشعائر على وجه ضيق وليس عاماً 1/255 الآداب لابن مفلح فقد ذكر الضابط ص168 حصول المأمول.

% المسألة الثانية: حكم الهجرة:
الهجرة مشروعة على هذه الأمة من بلدان الكفر إلى بلدان الإسلام, بدلالة الكتاب والسنة والإجماع لما فيها من حفظ الدين و مفارقة المشركين وتكثير سواد المسلمين وحفظ أديان وأخلاق الأهل والبنين, وهي من الواجبات على المسلم القادر ومن الأدلة على هذا الأمر:
ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].

ـ قال ابن كثير: "هذه الآية عامة في كل من أقام بين المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية" 2/389 تفسيره.
ـ وفي سنن أبي داود من حديث سمرة t أن رسول الله r قال: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله).


ـ وفي السنن أن رسول الله r قال: (لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين).
ـ وقال r: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قيل ولم يا رسول الله قال لا تراءى ناراهما).
ـ فالهجرة من أعظم شعب الإيمان وهي فريضة على كل عاجز عن إظهار الدين إذا قدر عليها ولذا قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فكل بلد ظهر فيه الفساد وكانت أيدي المفسدين أعلى من أيدي أهل الإصلاح وتشعبت فيه الأهواء وضعف العلماء وأهل الحق عن مقاومتهم واضطروا إلى كتمان الحق حفاظاً على أنفسهم من الإعلان به فهو كمكة قبل الفتح في وجوب الهجرة منها عند القدرة عليها ومن لم يهاجر في هذه الحالة فهو من المتساهلين" ونقله عن الحليمي رحمه الله.

% المسألة الثالثة: قسم العلماء وجوب الهجرة من بلاد الكفار إلى أقسام:
· القسم الأول: أن لا يقدر على إظهار دينه أو يخشى على نفسه الفتنة فهذا: يجب عليه الهجرة مع القدرة، وإن بقي مع القدرة فهو آثم وقد نقل ابن كثير الإجماع على ذلك حيث قال تحت قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ قال: "هذه الآية عامة في كل من أقام بين المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع ونص الآية" ولما تقدم من الأحاديث.

· القسم الثاني: أن يكون قادراً على إظهار دينه وقد أمن من الفتنة على نفسه ودينه فهذا: أمره أخف من الأول إلا أن الهجرة في حقه من أقرب القرب لأنه بطول الزمن يأنس بالكفرة ويتأثر بأخلاقهم وقد يواليهم وهذا هو الواقع في حال كثير ممن يعيشون في بلاد الكفار ولذا قال رسول الله r: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءا ناراهما).

ـ وقاله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56].


ـ قال البغوي رحمه الله: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان".
ـ لكن إذا كان غير قادر على الهجرة فهو معذور كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 98].
ـ قال ابن كثير: "هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة وذلك لأنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق" 2/390، فعذرهم وتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة.
ـ وفي البخاري عن ابن عباس t قال: (كانت أمي ممن عذر الله عز وجل).
ـ وكذا لو كان في بقائه مصلحة للمسلمين, إما في الدعوة أو الذب عن الإسلام وتثبيت المسلمين هناك, ونحو ذلك، فهذا بقاؤه مطلوب بشرط أن يأمن الافتتان والذوبان كما كان العباس بقي بعد إسلامه مدة ولم يهاجر إلا قبيل الفتح.

% المسألة الرابعة: الهجرة هل هي باقية أم أنها منقطعة؟
دلت النصوص على أن الهجرة باقية ما دام هناك دار إسلام ودار كفر، وفي الصحيح أن رسول الله r قال: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها).

*ـ مسألة: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار؟
ذكر الشيخ ابن عثيمين أن للسفر إلى بلاد الكفار له ثلاثة شروط:
1. أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات.
2. وأن يكون عنده دين يدفع به الشهوات.
3. أن توجد حاجة لذلك, فإذا لم تتوفر هذه الشروط لم يبح له السفر خاصة في زماننا لكثرة الفتن, وأما السفر لمجرد السياحة والفرجة والمتعة فالأقرب المنع لما فيه من المخاطر على الدين والأخلاق وكم حصلت بسببه من مفاسد، ودرء المفاسد


مقدم على جلب المصالح, ولما فيه من إسراف وتبذير بغير مصلحة وقد قال r: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءا ناراهما) رواه أبو داود, شرح الأصول لابن عثيمين، وكلام العلماء مشهور في السفر إلى بلاد الكفار بلا مصلحة ظاهرة، وقد تهاون الناس في هذا الأمر، وقد بدأ أثر هذا على كثير من المتهاونين بالسفر إلى بلاد الكفار والبقاء هناك حيث ظهر منهم رقة الدين وقسوة القلب وعدم معاداة الكفار والتهاون بالمعاصي والله المستعان، فعلى المسلم أن يحذر من التهاون بالسفر إلى بلاد الكفار ويحرص على حماية دينه من الشهوات والشبهات قدر طاقته فإنه رأس ماله متى ضاع فقد خاب وخسر.

? فائدة: قال شيخ الإسلام: 9/305 الدرر السنية "لا يستقيم للإنسان إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة كما قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22]، وقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءَاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4].

? فائدة: وكل هذا من الشارع لترسيخ قاعدة جليلة وأصل عظيم في نفوس المسلمين وهو الولاء والبراء أي موالاة أهل الإيمان ومحبتهم ومناصرتهم ولو كانوا بعيدين نَسَبَاً وَبَلَدَاً، ومعاداة أهل الكفر ولو كانوا أقرب قريب, وهذا الأصل قد أخل به كثير من أبناء هذا الزمان بل وحاول البعض ممن لم يدخل الإيمان قلبه, أن يزيله من واقع المسلمين, وقد وُجد من يوالي الكفار ويكرم أعداء الله ويمنحهم غاية الحب والمناصرة ويدافع عنهم باللسان والسنان وهو على النقيض من ذلك مع أولياء الله من المؤمنين, ثم هو يَدَّعِي الإيمان والله U يقول: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ


وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].

ـ قال أبو الوفاء بن عقيل: "إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم على أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطئتهم لأعداء الشريعة" فأفضل القرب مقت من عادا الله U ورسوله r وجهادهم باليد واللسان والقلب والسنان قدر الإمكان وترسيخ الولاء والعداء في القلب وحمايته من كل ما يخدشه من الشبهات والتعاملات ومن الركون إلى أعداء الله فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].


باب في الكلام على الأسرى

% المسألة الأولى: الأسرى الكفار الذين يقعون في يد المسلمين بعد هزيمة المسلمين للكفار ينقسمون إلى قسمين:
· الأول: قسم يكونون أرقاء بمجرد سبيهم ووقوعهم في الأسر وهم النساء والصبيان فَيُسْتَرَقُّون ويقسمون على الغانمين حسب سهامهم, وذلك لأن هؤلاء لا يجوز قتلهم من حيث الأصل, كما في الصحيحين أن رسول الله r: (نهى عن قتل النساء والصبيان) ولأنهم مال لا يخشى ضرر في اقتنائه, ولفعل رسول الله r فإنه كان إذا ظهر على قوم عزل النساء والذرية وقسمهم على الجيش كما في بني قريظة وحنين وغيرها.
ـ الثاني/ وقسم يخير فيهم الإمام بين واحد من أربعة أمور وهم الرجال البالغون المقاتلون فهؤلاء يخير فيهم بين:

1. إما أن يقتلهم كما قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191].
ـ وكما فعل رسول الله r مع بني قريظة: (حيث قتل رجالهم وكانوا بين الستمائة والسبعمائة) صححه الترمذي لكن العدد ذكره ابن هشام في السيرة.
2. أو أن يمن عليهم ويطلق سراحهم كما قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 4].
ـ وكما: (مَنَّ رسول الله r على ثمامة بن أثال بعد القبض عليه وربطه في سارية المسجد) متفق عليه.
ـ وكما منَّ r على أهل مكة بعد فتحها وقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
ـ وكما منَّ r على أبي عزة الشاعر وأبي العاص بن الربيع لما قال: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ففعلوا وغيرها).
3. أو أن يسترقهم ويكونوا مملوكين ولوبقوا على كفرهم، لأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرق من باب أولى وقد فعله الصحابة y مع عدد كثير من الأسارى.
4. أو أن يطلق سراحهم مقابل فداء ويكون الفداء حسب ما يراه الإمام إما مال أو أن يطلقوا هم أسيراً بدله من المسلمين، أو يستفاد منه بمنفعة مثل تعليم أولاد المسلمين ونحوها، وقد روى الترمذي وصححه: (أن رسول الله r فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل) (وفدى أهل بدر بمال يدفعونه) وغيرها.
ـ إن نظر الإمام أو القائد بين هذه الأمور الأربعة ليس نظر تشهي وإنما نظر مصلحة، فينظر ما فيه مصلحة أعلى للإسلام والمسلمين فيقدمه، فإن كان الأصلح هو قتلهم للإثخان في العدو وإدخال الرعب فيهم فإنه يفعله كما فعله رسول الله r مع بني قريظة، وإن كان المن أصلح لما فيه من التأليف لهم فإنه يفعله كما حصل مع ثمامة بن أثال، وإن كان استرقاقهم أنفع للمسلمين لحاجتهم

إلى أناس وعمال يخدمونهم فإنه يسترقهم، وإن كان أخذ الفداء أنفع لحاجة المسلمين للمال فإنه يقدمه، ونظر الإمام نظر مصلحة لا نظر تشهي.

ـ وهذه قاعدة عامة وهي: [كل من كان تخيره لغيره فإن تخيره تخير اجتهاد ومصلحة لا عن هوى وشهوة] كالإمام والوالي للرعية وكالوالي على مال الصبي والمجنون والسفيه, وكالوكيل وناظر الوقف.
ـ وأما من كان تخيره لنفسه فتخيره تخير تشهي إن شاء كذا وإن شاء كذا وإن كان أقل منه منفعة بشرط أن لا يقع في محرم.

% مسألة: حكم بيع الأرقاء؟
لا يجوز بيع الرقيق الكافر الذي عند المسلمين على رجل كافر، وهذا المذهب لما روي عن عمر t أنه نهى عن ذلك وهذا الأثر قال عنه الألباني لم أقف عليه وقال الإمام أحمد: ليس له ذلك الإسناد، والحسن يقول ذلك وقالوا إن في بقائه عند المسلمين تعريض له للإسلام، وهذا الكلام ليس على إطلاقه.
ـ والأقرب فيه التفصيل فيقال:
ـ إن كان السبي والرقيق قد أسلموا بعد استرقاقهم لم يجز بيع المسلم منهم للكفار, كما قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141].
ـ وأما إذا كان السبي قد بقوا على كفرهم فالأظهر جواز بيعهم ولا ينهى عن ذلك, وأما ما ورد من النهي عن عمر t فهذا ليس له إسناد قائم، قال الإمام أحمد: ليس له ذلك الإسناد, وإن صح فهو محمول على نظر الإمام ويدخل في المصالح والمفاسد التي قد ينهى عنها في حال دون حال, وقد جاءت أحاديث فيها بيع الصحابة السبي من الكفار, وقد ساقها البيهقي في الكبرى 9/217 وقال: باب بيع السبي من أهل الشرك ثم ساق ما رواه مسلم أن رسول الله r: (استوهب المرأة التي كانت من أجمل العرب, من سلمة بن الأكوع فبعث بها إلى أهل مكة ففدى بها رجالاً من المسلمين بأيديهم) قال الإمام الشافعي رحمه الله: "سبى رسول الله r نساء بني قريظة وذراريهم وباعهم من المشركين فاشترى أبو الشحم اليهودي أهل بيت عجوزاً وولدها من النبي r، ولذا

فالأقرب عدم منع بيع سبايا وأرقاء الكفار إلى الكفار لكن لو منع الإمام من ذلك من باب المصلحة والسياسة الشرعية فإنه يمنع ويكون هذا ليس منعاً شرعياً عاماً وإنما راجع للمصلحة ونظر الإمام.

* حالات الأسرى؟
· الأولى: أن يكونوا بالغين: فهؤلاء على دينهم الذي يقرون به إما يهودية أو نصرانية لأنهم مكلفون.
· الثانية: أن يكونوا دون سن البلوغ ولم يصلوا إلى سن التكليف: كأن يكون في السبي صبيان أعمارهم سبع سنوات فهل يحكم بإسلامهم ويعاملوا معاملة المسلمين أو يحكم بكفرهم ويعاملوا معاملة الكفار؟ هذه المسألة لها ثمار كبيرة بحيث لو مات هل يرث ويورث وهل يصلى عليه وهل يدفن في مقابر المسلمين....الخ.


*ـ هناك حالات يحكم فيها بإسلام الصبي من أسرى الكفار وحالات يحكم فيها بكفره:
1. فالحالات التي يحكم فيها بإسلامه:
· إذا سباه مسلم منفرداً عن أبويه فإنه يحكم بإسلامه: وحكي هذا إجماعاً لأن الفطرة هي الإسلام كما في صحيح مسلم أن رسول الله r قال: (كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعهما عنه وإخراجه من دارهما إلى دار الإسلام.
· إذا سبي مع والديه وأسلم أحدهما: فإن القاعدة أن الولد يتبع خير أبويه ديناً, فلو أسلم أبوه أو أمه فيحكم بالإسلام للولد, ويتبع المسلم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].


· الثالثة: وفيها خلاف ,وهي: "إذا مات أحد أبوي الغلام الكافر بدار الإسلام فيحكم بإسلامه", وهذا فيه نظر, والأظهر ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية واختاره شيخ الإسلام, أنه لا يحكم بذلك وفرق بينه وبين مسألة السبي, فالمسبي انقطعت تبعيته لمن هو على دينه, وهذا إن مات أحد والديه لم تنقطع لمن بقي من والديه وأقاربه, ويدل له العمل المستمر من عهد الصحابة y إلى اليوم, يموت أهل الذمة في بلاد المسلمين ويتركون أطفالهم ولم يتعرض أحد من الأئمة وولاة الأمور لأطفالهم ولم يقولوا هؤلاء مسلمون.

2. وأما الحالات التي يحكم فيها بكفره:
· إذا سُبِيَ مع والديه: فعلى دينهما لحديث أبي هريرة t: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
· وإذا سباه ذمي: فعلى دينه قياساً على المسلم.


% مسألة:الأموال المأخوذة من الكفار حال القتال ثلاثة أقسام وهي:
1ـ السَّلَب.
2ـ الغنيمة.
3ـ الفيء.
· النوع الأول: السَّلَب:

% المسألة الأولى: ما ضابط السلب ما وتعريفه؟
Ø السلب هو: ما على المقتول من الكفار من ثياب وحلي وسلاح ومتاع ودابته التي قتل عليها، وهذا محل اتفاق بين العلماء.

% المسألة الثانية:هل السلب يستحقه القاتل ولو لم يشترط الأمير أم لا بد من إذنه وشرطه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
· القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يستحقه القاتل بمجرد القتل بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الأمير من قتل قتيلاً فله سَلَبه.
· القول الثاني: وذهب جمهور العلماء إلى أن القاتل يستحقه في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش ذلك أو لم يقله، وإلى هذا ذهب الثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وابن جرير وقالوا: إن قول النبي r: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه) هذه فتوى عامة من رسول الله r وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على قول أحد, وقد بحث المسألة ابن القيم في زاد المعاد 5/66 ومال إلى قول الجمهور، وقد ثبت أن رسول الله r أعطى القاتل سلب القتيل في غزوات عديدة منها:
ـ في غزوة بدر: (أعطى سلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح).
ـ ويوم حنين قال: (من قتل رجلاً فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم) رواه أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني, ومما يدل لهذا وأنه لا يلزمه إذن الإمام ما رواه مسلم عن عوف بن مالك t قال: قَتَل رجل من حمير رجلاً من العدو فأراد سلبه فمنعه, خالد بن الوليد وكان والياً عليهم فأتى عوف رسول الله r فأخبره فقال رسول الله r لخالد: (ما منعك أن تعطيه سلبه؟ فقال: استكثرته يا رسول الله، قال: ادفعه إليه) 11/303 شرح مسلم 5/66 زاد المعاد 7/95 نيل الأوطار.

% المسألة الثالثة: إذا كان السلب كثيراً فهل يُخَمَّس أم يعطى كله للقاتل؟
في هذا نزاع على أقوال ثلاثة:
· القول الأول: أنه يُخَمَّس السَّلَب مطلقاً لعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41]، وهذا مذهب الأوزاعي ومالك.

· القول الثاني: أنه إذا استكثره الإمام فإنه يُخَمِّسه وإذا لم يستكثره لا يخمسه وهذا مذهب اسحاق بن راهوية واستدل بفعل عمر t مع البراء بن مالك: (لما قتل المرزبان فنظر فإذا قيمة سواريه ثلاثين ألفاً) رواه سعيد بن منصور صححه الألباني.

· القول الثالث: وهو الأقرب أن السلب لا يُخَمَّس قليلاً كان أو كثيراً بل يعطى جميعه للقاتل وهذا مذهب الإمام أحمد وابن المنذر وأبو حنيفة وأصح القولين عن الشافعي ورجح هذا الإمام ابن القيم، وقال النووي: "وهو ظاهر الأحاديث"، وقال ابن رشد: "وعليه جماعة السلف", والدليل على ذلك:
ـ ما في الصحيحين من حديث أبي قتادة t أن رسول الله r قال: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه) وهذا مطلق ويدخل فيه ما لو كان السلب كثيراً أو قليلاً.
ـ وفي الصحيحين من حديث سلمة t أن رسول الله r قال: (من قتل الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع قال له سلبه أجمع).
ـ وروى أبو داود عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما: (أن رسول الله r قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب) وفي هذا اللفظ إسماعيل بن عياش وفيه كلام معروف وقد صحح الحديث الألباني.
ـ وروى أبو داود من حديث أنس t أن النبي r قال يوم حنين: (من قتل رجلاً فله سلبه فقتل أبو طلحة عشرين رجلاً وأخذ سلابهم) صححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني وقال الشوكاني رجاله رجال الصحيح.
ـ وفي هذا الحديث أن رسول الله r لم يُخَمِّس هذا السَّلَب مع أنهم عشرين قتيلاً، قال ابن القيم: "والصحيح أن رسول الله r لم يخمس السلب وقال: (له أجمع) ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق وما رآه عمر t فهو اجتهاد منه مرآه) وقد بوب البخاري على حديث أبي قتادة السابق وحديث عبد الرحمن بن عوف في مقتل أبي جهل فقال: "باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلاً فله سلبه من غير أن يخمس وحكم الإمام فيه" قال الحافظ ابن حجر: "وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور" 6/285 الفتح، ثم ساق عدداً من الأدلة التي تدل على هذا القول 7/88 نيل الأوطار 5/66 زاد المعاد 4/476 حاشية الروض 11/303 شرح مسلم للنووي.

وأما استدلالهم على تخميس السلب بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ...﴾ فهذه الآية عامة في الغنائم لكن يخصص منها السلب فلا يخمس بدلالة النصوص السابقة, ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة على الصحيح وقد قرر هذا الإمام ابن القيم في زاد المعاد 5/69 والشوكاني في النيل 7/263 والقرطبي في تفسيره 7/4.

% المسألة الرابعة: هل تكفي دعوى القاتل بأنه قتله؟
دعوى القاتل أنه قتله لا تكفي, بل لا بد من بينة لقول رسول الله r: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه) متفق عليه.
ـ وحديث: (لما ادعى معاذ ومعوذ أنهما قتلا أبا جهل لم يعطهما رسول الله r السلب مباشرة حتى تأكد من ذلك بالنظر إلى السيفين) وهذا قول الشافعي والليث.
وأما البينة فهي:
ـ إما دلالة الحال كما فعل رسول الله r مع معاذ بن عمرو بن الجموح حيث استدل على أنه هو قاتِلُ أبي جهلٍ بالأثر الذي في سيفه.
ـ أو شاهد واحد له كما في حديث أبي قتادة t: (لما قام رجل وقال صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأعطاه رسول الله r السلب).
ـ قال العلامة ابن القيم: "ويكفي في ثبوتها شاهد واحد من غير يمين" 3/491 زاد المعاد, 11/304 شرح مسلم للنووي.

% المسألة الخامسة: ما هي شروط استحقاق السلب؟
ذكر جملة من العلماء شروطاً لاستحقاق القاتل للسلب, وبعضها لا يسلم وبعضها فيه نزاع قوي لكن الذي دلت عليه الأدلة من هذه الشروط هي:
1ـ أن يقتله أو يجعله في حكم المقتول: كما نص على ذلك رسول الله r: (من قتل قتيلاً) وكما في مقتل أبي جهل فالذي ضربه ضربة الموت معاذ بن عمرو بن الجموح والذي حز رأسه ابن مسعود y ومع ذلك فالسلب أعطي لمعاذ.

2ـ أن توجد له بينة على ذلك: لنص الحديث: (له عليه بينة) كما تقدم بيانه.
3ـ أن يكون المقتول من أهل القتال: وهم الرجال البالغون أما لو قتل امرأة أو صبياً فإنه لا يستحق السلب لأنه ممنوع من قتلها كما نهى رسول الله r (عن قتل النساء والصبيان).
* النوع الثاني من الأموال المأخوذة من الكفار حال القتال/ الغنيمة:

% المسألة الأولى:ما هو تعريف الغنائم؟
Ø الغنائم هي: ما أُخذ من مال حربي قهراً بقتال وما ألحق به، وهذا يشمل ما جمع من الغنائم من أمتعة وأموال ودواب وسيوف وغيرها بعد الفراغ من المعركة, ويشمل أموالهم التي كانت معهم عند الهزيمة، ويشمل السبي من نساء وصبيان، ويشمل الأسرى وكل هذا داخل في الغنائم, ويستثنى من هذا سَلَب القتيل كما تقدم بيانه فإنه للقاتل.

% المسألة الثانية:من هم المستحقون للغنيمة؟
Ø المستحقون للغنيمة هم: كل من شهد المعركة من أهل القتال وكان مستعداً للمساعدة وكل على حسبه, وسواء قاتل أو لم يقاتل حتى النساء والصبيان, وقد روى البيهقي عن عمر t أنه قال: (الغنيمة لمن شهد الوقعة) صححه البيهقي والهيثمي.

% المسألة الثالثة: ما طريقة تقسيم الغنائم؟
أما طريقة تقسيم الغنائم فهي كالتالي:
1. يخرج أربعة أخماس الغنيمة وهو ما يعادل 80% منها فيقسم بين الغانمين وطريقة قسمته أيضاً كالتالي:
· لِلرَّاجِل الذي ذهب للجهاد على قدميه سهم واحد من الغنيمة.
· وللفارس وهو الذي على فرس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، وهذا الذي عليه أكثر العلماء لصراحة السنة كما في الصحيحين من حديث ابن عمر t أن رسول الله r: (أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له).

ـ وروى الأثرم من حديث ابن عباس t: (أن رسول الله r أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهم).
? فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: "وفي الوقت الحاضر نقيس على كل شيء ما يشبهه فالذي يشبه الخيل الطائرات لسرعتها ولما فيها من الخطر ولقوة أثرها في العدو ويقاس على الإبل النقليات والدبابات وهكذا, ولكن بما أنه لا يملكها فإنه يرد السهمان لبيت المال, وللإمام أن يعطيها الطيار ونحوه تشجيعا له" 8/35 الممتع، وإلحاق هذا الآلات بالخيل أو الإبل أمر اجتهادي يمكن أن يختلف نظر المجتهد فيه والله أعلم.

% مسألة: هل هناك فرق بين الفرس العربي والفرس الهجين؟
· القول الأول: المذهب قالوا هناك فرق، فالذي معه فَرَسٌ عربي يعطى ثلاثة أسهم، والذي معه فَرَسٌ هَجِيْنٌ يعطى سهمين، والراجل سهم واحد.
· القول الثاني: وهو الأقرب أنه لا فرق بين الفرس العربي والهجين لعمومات النصوص ومنها عموم حديث ابن عمر t: (للفارس ثلاثة أسهم سهمان له وسهم لفرسه) وهذا عام ليس فيه تفريق بين عربي وغيره ما دام يسمى فرساً, وأما ما استدل به الحنابلة فإنها كلها ضعيفة لا تقوم بها الحجة مثل حديث مكحول t: (أن النبي r أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهماً) قال الشافعي: "لم يروي ذلك إلا مكحول مرسلاً

والمرسل لا تقوم به حجة عندنا وضعفه الألباني الإرواء 5/85 وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية 4/174 الإنصاف.






% مسألة: إذا كان معه في أرض المعركة أكثر من فرس فهل يسهم لها جميعاً أو يكفي بالإسهام لواحد؟
الأقرب ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يسهم لأكثر من فرس واحد لظاهر الخبر (للفارس ثلاثة أسهم) ولم يفرق بين من معه فرس واحد أو أكثر, وهذا المعمول به في زمن رسول الله r ولو أنه أعطى من معه أكثر من فرس أكثر من ذلك لنقل واستفاض.
ـ وأما ما ورد من الأخبار في أن من معه فرسين فله خمسة أسهم فكلها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها الحجة كما بين ذلك العلامة الألباني وساق أسانيدها وبين عللها في إرواء الغليل 5/66, وقد قال الحافظ: أنها منقطعة.


% مسألة: الدواب غير الخيول كمن معه جمل أو بغل أو حمار هل يسهم لها أم يرضخ لها أم ماذا؟
قال شيخ الإسلام: "ويرضخ للبغال والحمير وهو قياس المذهب والأصول كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان" الاختيارات ص315، وهو قول الشافعية وقال في الإنصاف 4/176: "فإن الذي يُنْتَفَع به كالمرأة والصبي والعبد يرضخ لهم، كذلك الحيوان الذي ينتفع به ولا يسهم له كالمرأة والصبي والعبد".

? فائدة: والأقرب في العبد والصبي والمرأة أنهم إن شهدوا الوقعة أنهم يرضخ لهم من الغنيمة وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس t لما كتب إليه نجده وفيه: (هل كان رسول الله r يغزوا بالنساء وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فقال: وقد كان يرضخ لهن وأما بسهم فلم يضرب لهن) وهذا مذهب جمهور العلماء.
Ø والرضخ هو: أن يعطوا دون السهام لمن لا سهم له كالمرأة والصبي ونحوهم، فإذا كان سهم كل مجاهد من هذه المعركة عشرة آلاف فإنه يعطيهم أقل من ذلك على حسب بلائهم فيعطي بعضهم على ثمانية آلاف والبعض خمسة آلاف وهكذا.

ـ ولا يسهم لغير الخيل، كالإبل والحمير والبغال فإنها لا تعطى مثل سهم الفارس لأنه لم يرد أن رسول الله r أسهم لغيرها, وكان معه يوم بدر سبعون بعيراً ولم ينقل أنه أسهم لها وكذا سائر غزواته r لم تكن تخلو من الإبل ومع ذلك لم ينقل أنه ألحقها بالخيل في السهام ولو فعل ذلك لنقل وكذا لم ينقل عن الصحابة y ذلك.
ـ لكن أصحاب الإبل والحمير يرضخ لهم فلا يساوون بالراجل ولا يساوون بالفارس وإنما يرضخ لهم حسب نظر الإمام وهذا مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله.

% مسألة: من الذين لهم سهام في الغنيمة؟
هم الرجال الأحرار العقلاء, هذا هو المعروف من سنة رسول الله r.
ـ وأما المجنون فإنه لا يخرج به أصلاً لأنه لا ينفع في المعارك بل ضرره أكبر من نفعه ولو خرج لم يعطى شيئاً.
ـ وأما الصبيان والنساء فلا بأس بالخروج بهم في الغزو وقد كانت النساء تخرج مع المسلمين إلى المعارك في عهد رسول الله r والصحابة, وكذا نقل في وقائع عديدة أن رسول الله r خرج معه غلمان لم يبلغوا كما حصل لعمير بن أبي وقاص ولسمرة بن جندب رضي الله عنهما وغيرهما, لكن إذا شارك هؤلاء في القتال فليس لهم سهم كسهم الرجال ولكن يحذون من الغنيمة ويرضخ لهم فيعطيهم القائد شيئاً من الغنائم على مشاركتهم وبلائهم كما في حديث ابن عباس t قال: (وقد كان يرضخ لهن, أما بسهم فلم يكن يضرب لهن)، وقال سعيد بن المسيب: "كان الصبيان يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو"، وقال المرداوي في الإنصاف: "فإن الذي ينتفع به كالمرأة والصبي والعبد يرضخ لهم" 4/176 الإنصاف.
ـ وكذلك العبد إذا شارك في الغزوة رضخ له حسب بلائه وجهاده, وقد روى الإمام أبو داود والترمذي عن عمير مولى أبي اللحم t قال: (شهدت خيبر مع ساداتي فكـلموا فِيَّ رسول الله r

فأُخْبِرَ أني مملوك فأمر لي بشيء من خرثي المتاع) صححه الترمذي والحاكم والبيهقي والذهبي والألباني.

ـ القسم الثاني من الغنيمة هو الخمس, فيخرج القائد خُمُس الغنيمة وهو ما يعادل 20% منها فيقسمه إلى خمسة أسهم كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41]، فيعطى كل سهم من هذه الخمسة إلى من ذكرهم الله ويقسم حسب المصلحة والحاجة والأنواع كالتالي:
1ـ سهم لله U ورسوله r، ويكون مصرف هذا السهم في مصارف الفيء في مصالح المسلمين فيصرف في السلاح وأرزاق القضاة والمؤذنين وعمارة المساجد وبناء الجسور وإصلاح الطرق وعمارة المدارس وحفر الآبار وغيرها مما يعود نفعها للمسلمين وقسمتها حسب نظر الإمام وتقديره وهذا اختيار شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين وهو المذهب 8/33 الممتع، ويدل لذلك الآية السابقة وما روى أبو داوود من حديث جبير بن مطعم t: (أن النبي r تناول بيده وبرة من بعير ثم قال والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس والخمس مردود عليكم) صححه الألباني.

2ـ وسهم لذوي القربى وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب، وقد ثبت في البخاري من حديث جبير بن مطعم t قال: (لما كان يوم خيبر قسَّم رسول الله r سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب فلما روجع في ذلك قال: إنهم ـ يعني بني المطلب ـ لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنوا هاشم وبنوا المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه)، ومذهب الشافعية والحنابلة أنه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين اقتداء بقسمة الله U، وقيل يقسم بينهم حسب الحاجة من فقر ودَيْن وغيرها, وهذا اختاره طائفة من العلماء واختاره الشيخ ابن عثيمين 8/31 الممتع.
والذي دلت عليه الأدلة أنهم يعطون منه حتى ولو كانوا أغنياء لكن الأولى تقديم المحتاج على غيره كما هو ظاهر من مقاصد الشريعة, وقد ثبت في أحاديث صحيحة في مسلم وغيره أن رسول الله r كان يزوج منها من أراد الزواج من ذوي القربى, وكان يعطي العباس وهو من الأغنياء
ويعطي صفية وهي كذلك وغيرهم، فدل أن لهم حق في هذا غنيهم وفقيرهم ولكن يقدم الأحوج من رجل أو امرأة.

3ـ وسهم لفقراء اليتامى، كما قال تعالى: ﴿واليتامى﴾ فسهم يصرف إلى الأيتام وتقضى به حوائجهم وتصلح به أحوالهم.

Ø واليتيم هو: من مات أبوه قبل أن يبلغ سواء كان ذكراً أم أنثى فإذا بلغ فليس بيتيم ولحديث: (لا يتيم بعد احتلام) صححه ابن حجر واختار ابن قدامة أن أغنياءهم داخلون في الآية لأنها عامة ولم يأتي ما يخصصها بالفقراء، لكن لا شك أنه يراعى فيهم الحاجة والمصلحة فيبدأ بها, واختاره ابن عثيمين 8/32 الممتع، إلا أنه إن أعطى الأغنياء من الأيتام فلهم حق في هذا.

4ـ وسهم للمساكين، ويدخل فيهم هنا الفقراء والمساكين فلهم نصيب من الخمس.
5ـ وسهم لابن السبيل، وهم المسافرون الذين انقطعت بهم السبل في سفرهم أو احتاجوا إلى مال ليسدوا حاجتهم في سفرهم من مأكل أو مسكن أو ملبس أو مركب وإن كانوا في بلدهم أغنياء فلهم حق في الخمس حتى يرجعوا إلى بلدهم.

*ـ والحاصل أن الغنيمة تقسم إلى قسمين:
· الأول: قسم 80% وهو أربعة أخماس الغنيمة وهذا يقسم بين الغانمين على عدد رؤوسهم فالراجل يعتبر عن رأس والفارس يعتبر عن رأسين، فَيُنْظَر كم عدد الرؤوس ثم يجعل المال على عدد الرؤوس ويعطون إياها.

· الثاني: وقسم 20% وهو خمس الغنيمة وهذا يقسم على خمسة أصناف لكل صنف سهم منها كما تقدم بيانه.





% مسألة: حكم الغلول من الغنيمة؟
الغلول تحته عدد من المسائل:
% المسألة الأولى: تعريف الغلول:
هو: أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها من غير إذن الإمام.
Ø والغالّ هو: من كتم شيئاً مما غنمه واختصه بنفسه, مثل أن يخبئ سيفاً أو ثياباً أو ذهباً.

% المسألة الثانية: الغلول من كبائر الذنوب وعظيم السيئات التي توعد فاعلها بالعذاب المهين وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 161]، والأدلة في التحذير منه كثيرة ومنها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r: (قام فينا ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك...) ثم ذكر الفرس والشاة والرقاع والصامت مثل ذلك.
ـ وفي البخاري من حديث ابن عمر t قال: (كان على رحل رسول الله r رجل يقال له كركره فمات فقال رسول الله r: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها).
ـ وفي صحيح مسلم عن عمر t قال: (لما كان يوم خيبر والصحابة عند رسول الله r قالوا: فلان شهيد يا رسول الله، فقال: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها ثم قال يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) وغيرها كثير.
ويلحق بالغلول في الحكم والتحريم الأخذ من الأموال المشتركة بين المسلمين ومن بيت المال والزكاة كما نص على ذلك طائفة منهم ابن حجر والهيثمي في الزواجر 2/853، والتحايل على بيت المال وأخذ شيء منه أعظم من التحايل على مال أفراد المسلمين لأسباب منها:
ـ أنه ملك عموم المسلمين.
ـ وأن الذي يطالبه ليس شخصاً واحداً بل كل المسلمين الذين لهم في بيت المال حق.



ـ وللأحاديث الكثيرة في ذلك, وكل هذا داخل في الغلول حكماً وفي صحيح مسلم من حديث عدي بن عميرة t قال سمعت رسول الله r يقول: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوق كان غلولاً يأتي به يوم القيامة).
ـ وفي الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي t قال: (استعمل رسول الله r رجلاً من الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال: هذا ما لكم وهذا هدية، فقال رسول الله r: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً، ثم قال: والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول اللهم هل بلغت) فيجب على المسلم الحذر من التهاون بالأموال العامة والتحايل عليها ولا يأخذ منها شيئاً إلا بحق ومن أخذ شيئاً على وجه القرض فيجب رده فإن لم يفعل بقي في ذمته كسائر الديون كالبنك العقاري ونحوه.

ـ وقد روى أبو داوود وصححه ابن حبان وحسنه الألباني عن ابن عمر t قال: (كان رسول الله r إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى فيجيئون بغنائمهم فيخمسها ويقسمها فجاء رجل يوماً بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالاً ينادي ثلاثاً؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به فاعتذر إليه فقال كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك) فلا يجوز أخذ شيء منها ولو قل حتى الخيط والمخيط.

ـ إلا أنه يستثنى ما يحتاجونه لإعلاف دوابهم وما يأكلونه من غير ادخار ولكن قدر الكفاية لما روى البخاري عن ابن عمر t قال: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه).
ـ وعند أبي داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي عن ابن أبي أوفى قال: (أصبنا طعاماً يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف) والله أعلم.




% مسألة: ما هو حكم من غل؟ وماذا يفعل به الإمام؟
· القول الأول: المذهب قالوا يجب إحراق متاعه ورحله كله إلا السلاح والمصحف وما فيه روح لما روى أبو داود عن ابن عمرو t: (أن رسول الله r وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما أحرقوا متاع الغالّ وضربوه ومنعوه سهمه) ضعفه ابن حجر.

· القول الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام أن تحريق متاع الغالّ ليس على الإيجاب وإنما على حسب نظر الإمام واجتهاده فهو ليس حداً وإنما تعزيراً وهذا قد يختلف لاختلاف الأحوال والأشخاص فإن رأى الإمام أن يبقيه فله ذلك وإن رأى أن يحرقه فله ذلك واختار هذا الشيخ ابن عثيمين 8/38 الممتع ص314 الاختيارات، وأما الحديث السابق فإنه ضعيف قال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل، وصحح أبو داود رفعه، وقال الدار قطني: لا أصل له والمحفوظ أن سالماً أمر بذلك, وقال الشافعي لو صح الحديث قلت به يريد أنه لم يظهر له صحته.

وقال الترمذي قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: وقد رويَ في غير حديث عن النبي r في الغالّ فلم يأمر فيه بحرق متاعه 4/113 التلخيص 5/458 الروض.
فالأظهر عدم وجوب الحرق ولكن للإمام أن يعاقبه بما يراه مناسباً من أخذ متاعه أو حرقه أو سجنه أو توبيخه وقد سبقت نصوص فيها ذكر الغلول وهي صحيحة ولم ينقل عن رسول الله r أنه أحرق أو أمر فيها بحرق متاع الغالّ والله أعلم.








الكلام على الفيء وأمواله

% المسألة الأولى: ما هو تعريف الفيء؟
Ø الفيء هو: ما أخذ من مال الكفار بحق من غير قتال، كالجزية وعشر التجارة من الحربي ونصف العشر من الذمي, وما تركوه فزعاً أو عن ميت ولا وارث له، هذا هو الضابط في الأموال التي تأخذ حكم الفيء وهو:
o أن يؤخذ من مال الكفار: وهذا يخرج أموال المسلمين فإنها معصومة كما قال رسول الله r: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه مسلم, وفي الصحيح أن رسول الله r قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة النفس...).
o أن يؤخذ بحق: وهذا يخرج إذا أخذت أموال الكفار بغير حق فإنها لا تجوز ولا تسمى فيئاً مثل أن يغدر بالذمي أو المعاهد أو المستأمن فتؤخذ أموالهم فهذه لا تحل ويجب ردها.
o أن تكون بغير قتال: يخرج ما كان بقتال مثل أن يكون في المعركة فهذا يسمى غنيمة.
هذه ثلاث قيود فيما يدخل في الفيء, ونمثل له بعدد من الأموال التي تكون فيئاً وهي:
Ø الجزية: وهي: ما توضع على أفراد أهل الذمة من يهود أو نصارى أو غيرهم وسيأتي بيانها فهذه مصرفها مصرف الفيء.
Ø الخراج: وهو: المال المضروب على الأرض الخراجية التي غنمت ثم أوقفت على المسلمين.
ـ عشر التجارة من مال الحربي ونصف العشر من مال الذمي:
الكفار إذا أرادوا التجارة في بلاد المسلمين فإنهم لا يخلوا من حالتين:
· الأولى: أن يكون الكافر حريباً: فهذا يجوز أن يتاجر في بلاد المسلمين وأن يعطى الأمان لذلك, ويؤخذ منه عشر التجارة التي معه ويصرف في مصارف الفيء, وأما إذا دخل الحربي بغير أمان فإننا نأخذه هو وماله لأنه حلال الدم والمال 8/42 الممتع.



· الثانية: أن يكون ذمي: فله أن يتجر في أرض المسلمين ويؤخذ منه نصف العشر من تجارته سواء كان التاجر صغيراً أو كبيراً تؤخذ في العام مرة هذا هو مذهب الإمام أحمد والحجة في ذلك ما قرره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t وقد ساقها ابن القيم في أحكام أهل الذمة 1/149 وساق خلاف أهل العلم، وبين أن هذا هو قول الإمام أحمد أخذاً بما روي عن عمر t وقد خالفه جملة من العلماء في ذلك، ونصف العشر من الذمي غير الجزية بل هو زائد عليها.
ـ وأما المسلم فلا يجوز أخذ شيء من المكوس عليه قال ابن القيم رحمه الله: وقياس المكوس على ما وضعه عمر t على أهل الذمة من الخراج أو العشر كقياس أهل الشرك الذين قاسوا الربا على البيع و الميتة على المذكى, وساق جملة من الأحاديث في النهي عن المكوس فالمسلم لا يؤخذ منه إلا الزكاة المحددة وهي ربع العشر إذا توفرت الشروط كما تقدم بيانها في كتاب الزكاة.
o وما تركوه فزعاً: أي يدخل في الفيء الأموال التي هرب الكفار عنها وتركوها فزعاً وخوفاً من المسلمين إذا علموا بمقدمهم.
o وخمس خمس الغنيمة: أي سهم الله ورسوله فهذه كلها فيء تصرف في مصالح الفيء.

% المسألة الثانية: ما هو مصرف الفيء؟
أما مصرف الفيء فهو في مصالح المسلمين ولا يجوز صرفها فيما ليس فيه مصلحة لأنه إضاعة للمال كما قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز أن يصرف هذا في غير المصالح كأن يعطي المغنين وما أشبه ذلك" فكل شيء ليس فيه مصلحة لا يجوز أن يصرف منها ولا ريالاً واحداً وإنما يصرفها الإمام حسب المصلحة والحاجة ويقدر الأولى فالأولى والأهم فالأهم والإمام مسؤول عن هذا أمام الله U وهذا مما يبين خطر الإمارة والإمامة فإضاعة أموال المسلمين فيما لا نفع فيه ظلم وجور وهذا يدخل فيه الغِنَاء والكُرَة والإعلام الفاسد وغيرها, والمصالح في زماننا كثيرة جداً, وقد روي عن عمر t قوله: (ما من أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو أمنعه إلا ما ملكت أيمانكم وقرأ ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى...﴾ حتى بلغ ﴿والذين جاءوا من بعدهم...﴾ فقال: هذه استوعبت المسلمين ولئن عشت ليأتين الراعي بسدو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه) 5/83 إرواء العليل.

% مسألة: بيت المال ملك لمن؟
بيت المال ملك للمسلمين و يضمنه متلفه ويحرم الأخذ منه بلا إذن الإمام، وهذا الذي دلت عليه النصوص فالمال الذي في بيت المال حق للمسلمين جميعاً, لا يجوز التعدي عليه بالأخذ أو الإضاعة, ونظر القائم عليه ممن يجعلهم ولي الأمر نظر مصلحة لا شهوة فلا يجوز لأحد أن يصرفه في غير مصالحهم, ولا يجوز الأخذ منه بلا إذن الإمام أو نائبه ولا يجوز التحايل عليه والسرقة منه بل السرقة والأخذ منه بلا حق أعظم من الأخذ من أفراد المسلمين لأن المُطَالِب هنا ليس واحداً بل عموم المسلمين الذين لهم حق فيه ويستحيل استرضائهم والتحلل منهم جميعاً, فمن أخذ شيئاً فالواجب عليه رده وإعادته, وهذا مثل البنك العقاري وقروضه، ومثل من يتحايل على أموال دائرته وأجهزتها فيأخذ منها، وغير ذلك والله المستعان.

% مسألة: إذا غنم المسلمون أرضاً فتحوها بالسيف فما الحكم فيها؟
يقال الإمام مخير فيها بين أمور:
1ـ إن شاء قسمها بين الغانمين: كما فعل رسول الله r (فإنه لما فتح خيبر قسمها بين المسلمين) كما في البخاري.
2ـ وإن شاء أوقفها على المسلمين جميعاً: لكن يضرب عليها خراجاً معلوماً يرد إلى بيت المال ويقسم في مصالح المسلمين فمثلاً يقول في كل ألف متر ألف ريال كل سنة يؤخذ المبلغ ممن هي بيده وأراد الانتفاع بها, وله أن يقرها بيد أهلها أو من أراد الانتفاع بها من سائر المسلمين ولورثتهم أن يتوارثوها لكن بشرط أن يدفعوا الخراج المضروب عليها، والدليل على ذلك فعل رسول الله r فإنه فتح بلاداً كثيرة ولم يقسمها كما فعل في مكة والنضير وقريظه, وفعل ذلك عمر t فإنه قال: (إذا قسمت الأرض بين المقاتلين الآن لم ينتفع بها من بعدهم) ونظر الإمام بين هذين الأمرين نظر مصلحة كما سبقت القاعدة.
وتقدير الخراج يختلف من بلد إلى آخر ومن وقت إلى آخر, فالإمام له أن يضاعفه أو يخفضه حسب المصلحة.



باب عقد الذمة

% المسألة الأولى: تعريف الذمة؟
Ø الذمة لغة هي: العهد والضمان والأمان.
Ø ومعنى عقد الذمة هو: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة.

% المسألة الثانية: ما الأصل في عقد الذمة؟
الأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
ـ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
ـ وأما السنة فالأحاديث عديدة ومنها ما رواه مسلم من حديث بريدة t وفيه أن رسول الله r قال: (ادعهم إلى أحد خصال ثلاث, ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبو فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبو فاستعن بالله وقاتلهم).
ـ وأما الإجماع فهو منعقد على جواز أخذ الجزية من اليهود والنصارى كما نقله ابن حزم وابن هبيرة وغيرهما.

% المسألة الثالثة: حكم أخذ الجزية؟
اتفق العلماء على جواز أخذ الجزية وعقد الذمة مع أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى كما قال تعالى:﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[التوبة:29]، وهذا يدخل فيه كل من انتسب لليهودية أو النصرانية على اختلاف

طوائفهم ويلحق بهم من تدين بدينهم من الفِرِنج وغيرهم ممن ينتسب إلى شريعة موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام.

% المسألة الرابعة: ممن تؤخذ الجزية؟
تؤخذ الجزية من المجوس وهم: عبدة النار فالمجوس تؤخذ منهم الجزية وتعقد معهم الذمة وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها منهم 6/300 الفتح , والدليل ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف t: (أن النبي r أخذ الجزية من مجوس هجر) قال البخاري ولم يكن عمر يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله r أخذها من المجوس.
ـ وروى مالك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر t قال: (لا أدري ما أصنع بالمجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله r يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب) قال ابن حجر 6/302 وهذا منقطع مع ثقة رجاله والأول يغني عنه.

%المسألة الخامسة: هل تؤخذ الجزية من سائر الكفار غير أهل الكتاب والمجوس أم يقتصر عليهم؟ فيه خلاف بين العلماء:
· القول الأول:الحنابلة والشافعية قالوا لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب ومن تبعهم من المجوس.
· القول الثاني: أنها تؤخذ من جميع الكفار حتى من غير أهل الكتاب والمجوس مثل المشركين وهذا مذهب المالكية واختاره شيخ الإسلام وابن القيم وابن عثيمين والدليل عموم حديث بريدة t: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى أحد ثلاث خصال...) ولقول المغيرة t لعامل كسرى: (أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية) رواه البخاري، قال شيخ الإسلام: "ومذهب الأكثرين أنه يجوز مهادنة جميع الكفار بالجزية والصغار وإذا عرفت حقيقة السُّنَّة تبين أن رسول الله r لم يفرق بين عربي وغيره وأن أخذ الجزية كان مشهوراً، وقدوم أبي عبيدة بمال من البحرين كان معروفاً والنبي r لم يخص العرب بحكم في الدين لا يمنع الجزية بل علق الأحكام


بالأسماء المذكورة في القرآن كالمؤمن والكافر والبر والفاجر"19/30 , 28/356 مجموع الفتاوى.
ـ وأيضاً قالوا إذا جاز إقرارهم على الكفر بالرق جاز إقرارهم عليه بالجزية من باب أولى لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق ولهذا يسترق من لا تجب عليه الجزية كالنساء والصبيان وغيرهم.
ـ قال ابن القيم: "وإذا جازت مهادنتهم للمصلحة بغير مال ولا منفعة تحصل للمسلمين فلأن يجوز أخذ المال منهم على وجه الذل والصغار وقوة المسلمين أولى، وهذا لا خفاء فيه 8/61 الممتع 1/17 أحكام أهل الذمة.
ـ وأيضاً قد أخذها رسول الله r من مجوس هجر وهم ليسوا من أهل الكتاب فدل على أن الجزية تعم كل كافر ولا نهي صحيح عن أخذها من غير المجوس وأهل الكتاب وتقييد ما أطلق في الكتاب يحتاج إلى دليل.
ـ فالأظهر في هذا والله أعلم أن الجزية مشروعة وأنها تؤخذ من كل كافر سواء كان كتابياً أو مجوسياً أو وثنياً أو غيرهم.
ولا يستثنى من ذلك إلا المرتدين فإنهم لا يدخلون في ذلك وإنما يؤمرون إما بالعودة للإسلام أو القتل والدليل على ذلك قول رسول الله r: (من بدل دينه فاقتلوه).
ـ وحديث ابن مسعود t: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث، وذكر:التارك لدينه) وفعل الصحابة في قتالهم للمرتدين فإنهم قاتلوهم ولم يعرضوا عليهم الجزية
و نقل اتفاق العلماء على عدم قبولها من المرتدين.
فائدة/ ذكر بعض العلماء: "أن المجوس كان لهم كتاب فلما استحلوا ركوب المحارم رُفِع" وهذا لا يصح فقد قال الإمام أحمد ما يروى عن علي t ضعيف, وقال ابن القيم: "ولا يصح أنهم من أهل الكتاب ولا كان لهم كتاب ولو كانوا أهل كتاب عند الصحابة لم يتوقف عمر t في أمرهم ولم يقل النبي r فيهم: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) بل هذا يدل أنه ليس لهم كتاب" 1/6 أحكام أهل الذمة.



وقد رد شيخ الإسلام ما روي عن علي t أنه كان لهم كتاب فرفع وبين ضعفه الإمام أحمد وبتقدير صحته فإذا رفع الكتاب ولم يبق من يعرفه ولا هم متمسكون بشيء من شرائعه لم يكونوا من أهل الكتاب 1/392 أحكام أهل الذمة 8/27 نيل الأوطار 6/302 الفتح لابن حجر.

*ـ إذا طلب الكفار دفع الجزية فإنه يجب على الإمام أن يصير إليها ولا ينتقل إلى حربهم إذا التزموا بشروطها وحديث بريدة عند الإمام مسلم صريح في ذلك فإنه قال: (ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فادعهم إلى الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) وهذا أمر من رسول الله r وهو للوجوب، لكن لا يجب على الإمام عقد الجزية إلا إذا توفرت شروط وهي:
1ـ أن يأمن شرهم ومكرهم: فإن خاف مكرهم وغائلتهم إذا تمكنوا من أرض الإسلام فلا يجب عليه العقد لأن مراعاة مصالح المسلمين ودفع الضرر عنهم هو الأولى، وقد ثبت عند أبي داود أن رسول الله r قال: (لا ضرر ولا ضرار).
2ـ أن يلتزموا بالشروط التي تطلب منهم عند عقد الذمة: وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
فائدة/ إذا عقد المسلمون مع قوم من الكفار عهداً أو ذمة فلا يخلو الكفار من ثلاث حالات:
· الأولى: أن ينقضوا العهد بأنفسهم: مثل أن يُخِلُّوا بالشروط التي بيننا وبينهم أو يمتنعوا من دفع الجزية المتفق معهم عليها أو يقتلوا المسلمين أو يَسُبُّوا الإسلام أو يتعرضوا لأذى المسلمين فهؤلاء لا عهد بيننا وبينهم وللمسلمين أن يقاتلوهم ويقتلونهم ويأخذوا ما عندهم لقوله جل وعلا: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]، ولا يلزم المسلمين إخبارهم بذلك, لأن النقض هم الذين بدؤوه, ويدل له فعل رسول الله r مع قريش لما نقضوا العهد, فاستعد لقتالهم ولم يخبرهم ولم يفجأهم إلا ورسول الله r قريباً من ديارهم 4/114 تفسير ابن كثير.
· الثانية: أن يستقيموا ويحفظوا العهد ولا يخلوا به ويفوا بالشروط التي اشترطت عليهم: فيجب الوفاء لهم وتحرم خيانتهم والغدر بهم لقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ


عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 7].

· الثالثة: أن تخاف منهم النقض: كأن يرى المسلمون منهم قرائن تدل على أنهم يدبرون للمسلمين مكيدة وغدر فهنا يُعْلِمُهُمُ الإمام أنه لا عهد بيننا وبينهم ولا يباغتهم قبل الإعلام لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].
ـ وروى أهل السنن وصححه الترمذي عن سليم بن عامر قال: "كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمر فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمر غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول الله أكبر الله أكبر, وفاء لا غدراً إن رسول الله r قال: (ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء), قال: فبلغ ذلك معاوية فرجع وإذا الشيخ عمرو بن عبسة t".

% مسألة: لا بد من إتمام العهد أن يلتزم الكفار للمسلمين بأربعة أحكام وهي كالتالي:
1ـ أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لصراحة القرآن والسنة فيه كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، وكما في حديث بريدة t: (فإن أبوا فسلهم الجزية) السابق.
Ø والجزية هي: الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً, وسيأتي بإذن الله مقدارها وممن تؤخذ ومتى تؤخذ ومتى تسقط.
2ـ أن لا يذكروا دين الإسلام إلا بالخير، فلا يسبونه ولا يستهزئون به ولا بالقرآن ولا بالسنة ولا برسول الله r فإن فعلوا فلا عهد لهم, وقد خرج أبو داود من حديث علي t: (أن يهودية كانت تشتم رسول الله r وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله r دمها) صححه الألباني وقال شيخ الإسلام هذا الحديث جيد.

ـ قال شيخ الإسلام: "ومن ذلك ما استدل به الإمام أحمد عن ابن عمر t: (أنه مر به راهب فقيل له هذا يسب النبي r فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا محمد r)" الصارم المسلول ص203، وساق ابن القيم الأدلة على قتل الساب وانتقاض العهد 2/830 أحكام أهل الذمة.

3ـ أن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين، مثل قطع الطريق أو السرقة أو إرعابهم لقول رسول الله r: (لا ضرر ولا ضرار)، أو أن يزني بمسلمة أو يستكرهها على الزنى، ومن الشروط التي اشترطها عمر t على أهل الذمة قال: (ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده)، قال ابن القيم: "وهذا لأن عقد الذمة اقتضى أن يكونوا تحت الذلة والقهر وأن يكون المسلمون هم الغالبين عليهم فإذا ضربوا المسلمين كان هذا الفعل مناقضاً لعهد الذمة الذي عاهدناهم عليه" 2/789 أحكام أهل الذمة، حيث نقل كلام الأئمة فيما ينقض عهد أهل الذمة واختلافهم في ذلك.

4ـ أن تجري عليهم أحكام الإسلام في النفس والمال والعرض وأن يقام عليهم الحد فيما يحرمونه كالزنا لا فيما يحلونه كالخمر، فلا يتعاملون بالربا ولا يغشون في بيوعهم, وفي الأعراض فلا يزنون ولا ينكح الرجل أخته وعمته, وفي قيم المتلفات فلو أتلف أحدهم مال غيره لزمه ضمانه، وهكذا في الحدود لمن سرق ولمن زنى فنعاملهم بما نعامل به المسلمين, فمن قتل غيره اقتص منه، ومن قطع يد غيره اقتص منه، ومن أتلف مال غيره ألزم بالعوض, ويدل لذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

ـ وقوله U: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]، فإذا كانوا في بلاد الإسلام فعليهم التزام أحكام الإسلام.

ـ وفي الصحيحين من حديث أنس t: (أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها فقتله رسول الله r).
ـ وفي الصحيحين من حديث ابن عمر t: (أن رسول الله r أُتِيَ بيهودي ويهودية قد زنيا بعد إحصانهما فرجمهما).

% مسألة: إذا فعلوا بعض الأمور التي يعتقدون تحريمها أو يعتقدون حِلَّهَا فما العمل معهم في هذه الحالة؟
الأمور التي يفعلونها لا تخلو من حالتين:
· الأولى: أن يعتقدوا تحريمها: فنعاملهم فيها بما نعامل به المسلمين في شريعتنا مثل الزنا والسرقة فنقيم عليهم حكم الإسلام فيها كما تقدم.
· الثانية: أن يعتقدوا حِلَّهَا: كشرب الخمر وبعض الأنكحة المحرمة فإننا نقرهم عليها وعلى ما يعتقدون فيها لكن يمنعون من إظهارها للمسلمين وإنما يؤمرون بالتخفي بها فيشربون الخمر خفية ولا نمنعهم، وهذا ليس إقراراً ورضاً بهم، ولكن لأنهم يُقَرُّون على الكفر وهو أعظم حرمة وهذا من باب العهد الذي لهم.

% مسألة: أنكحة أهل الكتاب الفاسدة مثل النكاح بلا ولي أو بلا رضا المرأة أو غير ذلك هل يقرون عليها؟
بحث المسألة ابن القيم وقال: "نقرهم عليها بشرطين:
1ـ أن لا يتحاكموا فيها إلينا: فإن تحاكموا إلينا لم نقرهم على ما لا يساغ في الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 48].
2ـ أن يعتقدوا إباحتها في دينهم: وأما إذا كانوا يعتقدون تحريمها وبطلانها لم نقرهم عليها كما لا نقرهم على الربا والزنا وقتل بعضهم بعضاً وسرقة أموال بعضهم بعضاً لأن هذه الأمور محرمة في كل الشرائع, فإذا توفر هذين الشرطين فإننا نقرهم على عقودهم وأنكحتهم"1/391 أحكام أهل الذمة.

ولهذا اتفق المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع.
وعلى هذا دل القرآن والسنة كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4]، فسماها امرأته بعقد النكاح الواقع في الشرك, وأكثر الصحابة إنما ولدوا من نكاح قبل الإسلام ومع ذلك كان يدعوهم لآبائهم.
وقد أسلم الجم الغفير في عهد النبي r فلم يأمر أحداً منهم أن يجدد عقد امرأته, وهذا دليل على صحتها, إلا ما خالف الشرع، مثل من أسلم وتحته امرأتان أو تحته ثمان نسوة كما في السنن حيث أمر الأول أن يطلق إحداهما وأمر الآخر أن يختار أربعاً ويطلق أربعاً.

% مسألة:هل يقر المجوس على نكاح ذوات المحارم لاعتقادهم جواز ذلك إذا لم يترافعوا إلينا؟
هذا موطن خلاف بين العلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله:
· فالقول الأول: وهو المشهور عن أحمد أنهم يقرون على ذلك, واستدل بأدلة منها:
ـ أن رسول الله r بعث العلاء بن الحضرمي t إلى البحرين فأقرهم على ذلك وبأن رسول الله r أخذ الجزية من المجوس ولم يشترط عليهم ترك أنكحتهم ولم يفرق بينهم وبين أزواجهم من ذوات المحارم مع علمه بما هم عليه.
ـ ومضى على ذلك الصديق t من بعده.
ـ وأيضاً هم إنما بذلوا الجزية ليقروا على كفرهم وشركهم الذي هو أعظم من نكاح محارمهم, فإقرارهم كإقرار اليهود على نكاح بنات الإخوة والأخوات وعلى سائر أنكحتهم الفاسدة.
ـ وقالوا ضرر نكاح المحارم مختص بهم فلا يخاف اقتداء المسلمين بهم كما لو زنوا وفجروا لميلان النفوس إلى الثاني دون الأول.

· القول الثاني: أنهم لا يقرون على ذلك وبحال ويفرق بينهم إذا كانوا محارم لما رويَ أن عمر t كتب: (أن فرقوا بين كل ذي رحم من المجوس) وعمر t له سُنَّة متبعة.



وقد بحث المسألة ابن القيم في أحكام أهل الذمة 1/393 ومال إلى أن الأمر راجع إلى نظر الإمام, وإلى عز المسلمين وقوتهم, وذلك أن رسول الله r أقرهم وأقرهم أبو بكر t فلما عز الإسلام وذل المجوس في عهد عمر t وكانوا أذل ما كانوا رأى أن يلزمهم بترك نكاح ذوات المحارم, وعلى هذا فإن قويت شوكة قوم من أهل الذمة, وتعذر التزامهم بأحكام الإسلام أقررناهم وما هم عليه، فإذا ذلوا وضعف أمرهم ألزمناهم بذلك كما حصل في عهد عمر t, وفعل عمر من أحسن اجتهاده وأحبه إلى الله ورسوله ويكفينا في ذلك النقل الصحيح عمن ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ومن كانت السكينة تنطق على لسانه ومن وافق ربه في غير حكم ومن أمرنا رسول الله r بالاقتداء به, وهو أحب إلينا من النقل في ذلك عن الإمام أحمد والشافعي ومالك وأمثالهم من الأئمة رحمهم الله.


بعض مسائل الجزية

% المسألة الأولى: ما هو تعريف الجزية؟
الجزية هي: الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً.
% المسألة الثانية: ما حكم الجزية؟
حكم الجزية يجب أخذها من الكفار إذا توافرت الشروط وذلك بأن يعقد معهم العهد على إقرارهم على ذمتهم, ويكونوا ممن تؤخذ منهم الجزية كما سيأتي بيانهم.
% المسألة الثانية: ممن تؤخذ الجزية؟
الكفار الذين عقد معهم العهد لا يخلوا من قسمين:
· الأول: أن يكونوا من أهل القتال: وهم الرجال البالغون فهؤلاء تؤخذ منهم الجزية.
· الثاني: أن يكونوا من غير أهل القتال: كالنساء والصبيان والمجانين فهؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية.


ـ وقد روى أبو داود وصححه الحاكم والألباني أن رسول الله r قال لمعاذ: (خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافري).
ـ وروى أبو عبيد في الأموال وصححه الألباني أن أمير المؤمنين عمر t كتب إلى أمراء الأجناد: (لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي).
ـ قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن لا تؤخذ من صبي ولا من امرأة جزية" الإجماع ص71.

% مسألة: هل على العبد الكافر جزية؟
ذكر ابن القيم في أحكام أهل الذمة 1/55 أن العبد لا يخلو من حالتين:
· الأولى: أن يكون سيده مسلماً: فلا جزية عليه باتفاق العلماء لأنها لو وجبت عليه لوجبت على سيده فإنه هو الذي سيؤدي عنه, وفي صحيح مسلم أن رسول الله r قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة).
ـ وفي السنن والمسند عن ابن عباس t مرفوعاً قال: (ليس على المسلم جزية) ضعفه الألباني.
· الثانية: أن يكون سيده كافراً: فاختلف أهل العلم على قولين هما روايتان عن أحمد: ولكن الذي عليه عامة أهل العلم أنه لا جزية عليه مطلقاً سواء كان سيده كافراً أو مسلماً، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا جزية على العبد، وقد روي عن ابن عمر t أنه قال: (لا جزية على مملوك) ولأن العبد لا يملك مالاً فهو كالفقير أو أشد".

% مسألة: ما حكم الجزية على الفقير الكافر؟
وأما الفقير الكافر فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا جزية على فقير عاجز عن أدائها وذلك لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها واختار هذا ابن القيم 1/48 أحكام أهل الذمة والشوكاني 2/111 في السيل الجرار.


% مسألة: وأما الراهب فهل تؤخذ منه جزية أم لا؟ هذا على حالات:
· الأولى: إن كان يعاون أهل دينه بيده ولسانه ويحضهم على قتال المسلمين أو كان له رأي يرجعون إليه في القتال أو نوع من التحريض فقد قال شيخ الإسلام: "هذا يقتل باتفاق العلماء إن قدر عليه وتؤخذ منه الجزية وإن كان حبيساً منفرداً في متعبده" وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]، 28/659 الفتاوى.
· الثانية: وأما إذا كان منعزلاً في صومعته ولم يعن على القتال لا بيد ولا برأي ولا بتحريض فهذا لا يقتل.

وأما بالنسبة لأخذ الجزية منه, فأهل العلم مختلفون على أقوال ولكن أشهر الأقوال قولان:
· القول الأول: أنها لا تؤخذ منه قالوا: لأنه ليس من أهل القتل وقد أوصى الصديق بالرهبان, وهذا مذهب مالك ورواية عن أحمد.
· القول الثاني: أنها تؤخذ منه وإن اعتزل وإنما يسقط عنه القتل قالوا: وهذا الذي يدل عليه ظاهر كلام الله U بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وظاهر السنة حيث أمر رسول الله r معاذاً t أن يأخذ من كل حالم ولم يفرق بين راهب وغيره وهذا رواية عن الإمام أحمد حيث قال: "وتؤخذ من الشمَّاس والراهب وكل من أنبت"، وقول الشافعي, قال ابن القيم: "وعليه يدل ظاهر عموم القرآن والسنة وهو الأظهر من حيث الدليل, لأن الأصل أن الجزية لازمة كل من أنبت من الرجال سواء قاتل أو لم يقاتل ولا نخرج من هذا أحداً إلا بدليل, كالنساء والصبيان ونحوهم والله أعلم 1/50 أحكام أهل الذمة 5/484 الروض 28/659 الفتاوى.

% المسألة الرابعة: ما مقدار الجزية؟
ذكر هذه المسألة ابن القيم في أحكام أهل الذمة 1/26 وذكر الأقوال فيها ومن أقربها والله اعلم أن للإمام أن يزيد وينقص حسب ما يرى فيه مصلحة وله أن يضاعف على البعض لغناه ويخفف

على الآخر لفقره قال الخلال: "والذي عليه العمل من قول أبي عبد الله أن للإمام أن يزيد في ذلك وينقص وليس لمن دونه أن يفعل ذلك" وقد أشبع الحجة في ذلك, واختار هذا أبو عبيد وابن القيم، قال أبو عبيد: "والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم النقصان للزيادة التي زادها عمر t على وظيفة النبي r وللزيادة التي زادها هو نفسه حين كانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين, ولو عجز أحدهم عن دينار حطه عنه، وقد روي عن عمر t أنه أجرى على شيخ منهم من بيت المال ولو علم أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله r ما تعداها إلى غيرها ص41 الأموال 1/34 أهل الذمة.

% المسألة الخامسة: من أسلم من الكفار بعد حول الجزية هل تسقط عنه أم لا؟
إن من أسلم ممن وضعت عليه الجزية فإنها تسقط عنه سواء أسلم في أثناء الحول أو بعده ولو اجتمعت عليه جزية سنين ثم أسلم سقطت كلها هذا قول فقهاء المدينة وفقهاء الحديث وفقهاء الرأي, قال العلامة ابن القيم: "وهو الصحيح الذي لا ينبغي القول بغيره وعليه تدل سنة رسول الله r وسنة خلفائه وذلك من محاسن الإسلام وترغيب الكفار فيه.
وإذا كان رسول الله r يعطي الكفار على الإسلام حتى يسلموا يتألفهم بذلك فكيف ينفر عن الدخول في الإسلام من أجل دينار، وقد جاء عند أبي داود من حديث ابن عباس t مرفوعاً: (ليس على المسلم جزية) وأعل بالإرسال وقال أبو عبيد في الأموال: "تأويل هذا الحديث لو أن رجلاً أسلم في آخر السنة وقد وجبت الجزية عليه فإن إسلامه يسقطها عنه فلا تؤخذ منه وإن كانت قد لزمته قبل ذلك, لأن المسلم لا يؤدي الجزية ولا تكون عليه دَيْنَاً كما لا تؤخذ منه فيما يستأنف بعد الإسلام, وقد روي عن عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز ما يحقق هذا.
ـ وقد روى أبو عبيد وحسنه الألباني: (أن يهودياً أسلم فطولب بالجزية وقيل إنما أسلمت تعوذاً قال إن في الإسلام مَعَاذَاً، فرفع إلى عمر فقال عمر t: "إن في الإسلام معاذا وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية") راجع أحكام أهل الذمة 1/57 والأموال لأبي عبيد ص48.





الكلام على أحكام أهل الذمة

فإنه يحرم قتال أهل الذمة وأخذ ما لهم ويجب على الإمام حفظهم ومنع من يؤذيهم، وهذا يدل على عدل الإسلام وسماحته, فإذا دفع الكفار الجزية وقبلوا بذلك صارت لهم أحكام غير الكفار المحاربين فمن أحكامهم:
1ـ حرمة قتالهم: لأن دماءهم أصبحت معصومة لما في صحيح مسلم من حديث بريدة t أن رسول الله r قال: (ثم سلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم).
ـ وقد روى أبو داود في باب الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته عن أبي بكرة t قال: قال رسول الله r: (من قتل معاهداً في عهده حرم الله عليه الجنة) وصححه الألباني وابن حبان, وهم إنما دفعوا أموالهم لأجل حقن دمائهم, فلا يجوز التعدي على أنفسهم بالقتل أو الضرب أو الشتم أو غيرها إلا بحق, نعم لا يكرمون إكراماً زائداً مما يستحقونه ولا يبجلون ولا يرفعون ولكن لا يعتدى على نفوسهم بغير حق.

2ـ حرمة أموالهم: فلا يجوز أن يؤخذ منها شيء بغير حق لأنهم معصومي الدم والمال, ولا تجعل عليهم مكوس كما لا تؤخذ من المسلمين, وإنما تؤخذ منهم الجزية, وإذا تاجر في بلاد الإسلام أخذنا منه نصف العشر كما كتبه عمر بن الخطاب t عليهم, وأما الزكاة والصدقات فلا تؤخذ منهم فإنها طهرة وليسوا من أهلها 1/140 أحكام أهل الذمة فيها تفصيل جيد.

3ـ أمرهم أن يتميزوا عن المسلمين: في المركب والملبس ونحوه كما جاء في الشروط العمرية عليهم وإقرارهم بها وفيها: (إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا في مراكبهم ولا نتكنى بكناهم ونشد الزنانير في أوساطنا ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نتقلد السيوف) وقد أفاض العلامة ابن القيم في شرح هذه الشروط بكلام لا مزيد عليه 2/735 ووجه هذه الأمور المذكورة حتى نميز أهل الإسلام عن أهل الشرك والكفر, قال ابن القيم: "وهذا أصل الغيار وهو سنة سنها من أمر رسول الله r باتباعه وجرى عليها الأئمة في كل

عصر ومصر وقد تقدمت بها سنة رسول الله r" مما يدل على وجوب استعمال الغيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صغاراً وذلاً وشهرة وعلماً عليهم لئلا يتشبهوا بالمسلمين وبهذا كتب أمير المؤمنين عمر t إلى الأمصار وكذا حفيده عمر بن عبد العزيز رحمه الله, وهذا مذهب التابعين وأصحاب المقالات من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين وهذا داخل فيما رواه الإمام أحمد في المسند من حديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).

4ـ أمرهم بعدم إظهار المنكرات من أقوالهم وأفعالهم مما نهوا عنه: فإنهم يمنعون من ركوب الخيل وحمل السلاح ومن إحداث الكنائس ومن بناء ما انهدم منها ومن إظهار المنكر والعيد والصليب وضرب الناقوس ومن الجهر بكتابهم ومن الأكل والشرب نهار رمضان ومن شرب الخمر وأكل الخنزير، ودليل هذا ما جاء في الشروط العمرية, وهي من حيث الإسناد بعضها صحيح له شواهد وبعضها ضعيف لكن كما قال ابن القيم شهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم وقد نفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها 3/663 أحكام أهل الذمة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
لكن لو أن الإمام رأى تغيير بعضها أو التنازل عن بعضها لأجل مصلحة راجحة ودرء مفسدة ظاهرة مما ليس فيه ارتكاب أمر محرم فلا حرج إن شاء الله والله أعلم, بشرط أن لا يكون فيه إذلال للمسلمين أو تفضيل للكفار عليهم, وأن يتميزوا عن المسلمين.

% مسألة: حكم شراء الكفار للمصاحف؟
الأصل منع الكفار من شراء المصاحف لأنهم أنجاس، ولأن في ذلك إهانة للمصحف، ولأنهم لا يتحرجون من إهانته وقد قال تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79].
ـ وفي الصحيحين عن ابن عمر t: (أن رسول الله r نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم).

ـ لكن إن رجي إسلامه فإننا نسمعه القرآن ولا بأس أن يكتب له بعض الآيات ليقرأها أو ترجمة معانيها كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6].
ـ وفي الصحيحين من حديث ابن عباس t حين كتب رسول الله r لهرقل: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..).
ـ ويمنع الكفار أيضاً من تعلية البناء على المسلمين كما في الشروط العمرية ولعموم الحديث: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)، ويؤمرون أيضاً بتميز لباسهم عن لباس المسلمين، ويكره للمسلمين التشبه بهم فإن التشبه بالكفار فيما كان مختصاً بهم من اللباس والمراكب والعادات ونحوها هو المحرمات،وقد أطال الإمام ابن تيمية الكلام في تقرير هذا وبين أن مخالفة الكفار مقصود ومهم عند الشارع ونقل أكثر من عشرين حكماً ودليلاً قررت أحكاماً كان مقصود الشارع من النهي عنها والأمر بها مخالفة الكفار، كالأمر بالسحور، والنهي عن الصلاة حال الغروب أو الشروق, والنهي عن التخصر ودعوى الجاهلية وغيرها كثير فالتشبه منهي عنه، وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) قال شيخ الإسلام: "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم, والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك, إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير, فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً ولم يأخذه أحدهما عن الآخر ففي كون هذا تشبهاً نظر لكن قد ينهى عنه لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ولما فيه من المخالفة، والحاصل نهي المسلمين عن التشبه بالكفار في عباداتهم وعاداتهم ومعاملاتهم ولباسهم وشؤنهم كلها.
ـ ويحرم القيام لهم وتصديرهم في المجالس، لما في ذلك من إعزازهم والرفع من قدرهم ولمنافاته الصَّغَار الذي كتب عليهم في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

ـ وكما قال عمر t: (كيف تكرمونهم وقد أهانهم الله، وكيف تدنونهم وقد أبعدهم الله) فإذا دخل لم يُقَم له وإذا كان في مجلس فلا يُصَدَّر وإنما يجعل في طرفه لأن الله U قال: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ [الحج: 18].

ـ ولحديث أبي هريرة t: (وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه).

% مسألة: مبادأة اليهود والنصارى بالتحية لا تخلو من حالتين:
· الأولى: أن تكون التحية سلاماً مثل السلام عليكم: فهذه الأقرب أنه لا يجوز مبادئتهم بها لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة t أن النبي r قال: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه).
ـ قال الصنعاني: "فيه دليل على تحريم ابتداء المسلم اليهودي والنصراني بالسلام لأن ذلك أصل النهي" وحمل على الكراهة خلاف أصله، وإلى التحريم ذهب طائفة من السلف والخلف السبل 4/1377 5/490 الروض.

· الثانية: أن تكون التحية ليست سلاماً: مثل كيف أصبحت وأمسيت ونحوها فهذه موطن نزاع هل يبدؤون بها أم لا يجوز مبادئتهم بها:
o القول الأول: المذهب قالوا لا يجوز لأن الشارع نهى عن مبادئتهم بالسلام ويلحق به كل التحايا لما فيها من إكرامهم.
o القول الثاني: وذهب طائفة وهو اختيار شيخ الإسلام إلى أنه: "لا بأس من قول كيف أصبحت وكيف أمسيت وأهلاً ومرحباً لأن النهي إنما جاء عن مبادئة السلام, لأنها تحية أهل الإسلام وهذه لا تقاس عليها لوجود الفرق ولما في تلك من الدعاء بالسلامة والرحمة والبركة"4/233 الإنصاف، وهذا القول أقوى والعلم عند الله وخاصة إذا أراد أن يأمن شره أو يتألفه أو يريد منه مصلحة، وإلى هذا يميل الشيخ ابن عثيمين وله في ذلك تفصيل 8/83 الممتع, واختاره الشيخ المشيقح.

? فائدة: إذا مر بمجلس فيه مسلمون وكفار, فإنه يشرع بدائتهم بالسلام كما فعل رسول الله r حين مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم، وله في ذلك السلام أحد صفتين:


1ـ إما أن يقول: "السلام على من اتبع الهدى" فيكون السلام لأهل الإيمان دون الكفار كما في كتاب رسول الله r لهرقل: (سلام على من اتبع الهدى) وقد وردت آثار في ذلك ذكرها ابن حجر في الفتح 11/41 الفتح.

2ـ أو أن يقول: "السلام عليكم" ويقصد بها المسلمين, قال الإمام النووي: "السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم واستدل بالحديث السابق: (حين مر رسول الله r بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم) متفق عليه نقله عنه ابن حجر 11/41 الفتح.

% مسألة: لو بدأ أهل الكتاب بالسلام فهل يشرع الرد عليهم؟
الأقرب ما عليه عامة العلماء أنه يجب الرد لصحة الأحاديث بالأمر بالرد ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]، 1/220 غذاء الألباب وطريقة الرد كالتالي:
1. إن كان سلامهم صريحاً بقولهم السام عليكم أو لَحَنَوا فيه ولم يتبين لنا كلامهم فإننا نرد عيهم بقولنا: "وعليكم".
ـ وفي الصحيحين من حديث ابن عمر t أن رسول الله r قال: (إذا سلم عليكم اليهودي فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل وعليك).
ـ وفي المسند من حديث أنس t أن رسول الله r قال: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم).
2. أن يكون سلامهم صحيحاً واضحاً فهل يشرع أن نرد عليهم بمثل التحية؟ هذا موطن نزاع, والأقرب ما ذكره ابن القيم بقوله: "فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له وعليك السلام"، فإن هذا من باب العدل والله يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى:﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]، فندب إلى الفضل وأوجب العدل, ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث

الباب بوجه ما فإنه r إنما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" بناءً على السبب المذكور في الحديث فإذا زال هذا السبب فالعدل أن نرد عليه نظير سلامه, ا.هـ، وكذا النهي إنما جاء عن مبادئتهم بالسلام لا عن رده على جهة المقابلة والله أعلم واختار هذا العلامة ابن القيم 1/199 أحكام أهل الذمة وابن عثيمين 8/84 الممتع 5/490 الروض.

% مسألة: حكم تهنئة الكفار بأعيادهم وعيادتهم وتعزيتهم؟
1. أما تهنئة الكفار والمشركين:
فإنها قسمان:
· القسم الأول: تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم مثل أعيادهم وصومهم وانتصارهم على المسلمين ونحوها فهذه تحرم بالاتفاق كما ابن القيم، مثل أن يقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فقال ابن القيم: "فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير مما لا قدر للدين عنده يرتكب ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه, وقد كان أهل الورع من أهل العلم يجتنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنباً لمقت الله وسقوطهم من عينه, وإن بلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعاً لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيراً ودعا لهم بالتوفيق والسداد فلا بأس بذلك.

· القسم الثاني: التهنئة بالأمور المشتركة بينهم وبين سائر الناس من مسلمين وغيرهم كقدوم غائب، أو إتيان مولود، أو زوجة، أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، فهذه اختلف العلماء فيها وعن الإمام أحمد روايتان فيها ولكن الأَوْلى للمسلم عدم فعل ذلك إلا إذا رجا مصلحة كتألفته أو درء شره أو جلب خير منه، وكما قال ابن القيم: "ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه كمن يقول متعك الله ونحوها 1/205 أحكام أهل الذمة.

2. وأما عيادتهم: ففيها خلاف بين العلماء والأقرب والعلم عند الله جواز ذلك إذا كان هناك مصلحة راجحة خاصة إذا كان الكافر قريباً أو جاراً أو نحوه ويحرص على عرض الإسلام عليه ويدل لذلك ما رواه البخاري عن أنس t قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي r فمرض فأتاه النبي r يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أَسْلِمْ فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم فخرج النبي r وهو يقول: الحمد الله الذي أنقذه بي من النار).
ـ وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن المسيب عن أبيه: (أن رسول الله r عاد عمه أبا طالب لما حضرته الوفاة وعنده أبا جهل وعبد الله بن أمية فقعد عند رأسه وقال: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله).
فهذا دليل على الجواز من فِعْلِ رسول الله r, وبيان للأمر الذي يشرع للزائر من عرض الإسلام ودعوته إليه, قال الأثرم: "قلت للإمام أحمد يعود الرجل اليهود والنصارى؟ قال أليس عاد النبي r اليهودي ودعاه للإسلام" 1/200 أحكام أهل الذمة.

3. وأما تعزيتهم إذا مات لهم قريب وميت: فلم يرد في ذلك شيء وقد كان الكفار يموت لهم أناس ولم ينقل عن رسول الله r ولا الصحابة y أنهم عَزَّوهُم ولذا لما سئل الإمام أحمد فقيل له تعزي أهل الذمة فقال ما أدري, أخبرك ما سمعت في هذا", وقال عباس الدوري: "سألت أحمد بن حنبل قلت له اليهودي والنصراني يعزيني أي شيء أرد إليه فأطرق ساعة ثم قال: ما أحفظ فيه شيئاً".
ـ فعلى المسلم أن يتجنب هذا وخاصة أن رسول الله r نهى عن مبادئتهم بالسلام وأخبر الله U أن المودة مقطوعة بين المسلم والكافر كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءَاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4].
*ـ مسألة/ استعمال اليهود والنصارى في أعمال المسلمين وولاياتهم وأمورهم:


الذي جرى عليه عمل السلف من عهد الصحابة y هو المنع من استعمال الكفار في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم وجيوشهم وما له شأن من أحوال المسلمين لأن في هذا تمكين لهم ولأنهم لا يزالون يحملون الغش والكيد على المسلمين وهذا هو الواجب على ولاة المسلمين، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال لمن طلب أن يقاتل معه: (ارجع فلن أستعين بمشرك)، وفي كتاب عمر t إلى أبي موسى لما قال: (إن لي كاتباً نصرانياً، قال: مالك قاتلك الله أما سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ ألا اتخذت حنيفاً، قال: قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله ولا أدنيهم إذا أقصاهم الله).

ـ وكتب إلى عماله: "أما بعد فإنه من كان قِبَلَهُ كاتب من المشركين فلا يعاشره ولا يوازره ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه فإن رسول الله r لم يأمر باستعمالهم ولا خليفته من بعده" وعلى هذا سار خلفاء الإسلام الذين كان لهم ثناء حسن كعمر بن عبد العزيز والمنصور والرشيد والمهدي والمأمون والمتوكل والمقتدر رحمهم الله، فقد كانوا يمتنعون من استعمال أهل الكتاب في الولايات والمراسلات والوظائف التي لها شأن، وقد نقل ابن القيم مواقفهم المشرفة في ذلك 1/212 في أحكام أهل الذمة, لأن القرآن بَيِّنٌ والسُّنَّةُ بَيِّنَة والتاريخ يشهد على أن أهل الذمة لا يزالون يحملون الغش والكيد والعداوة والخيانة للمسلمين ويتمنون السوء لهم كما قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105].

ـ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].

ـ قال ابن القيم: "ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكتاب ومكاتبتهم الفرنج أعداء الإسلام وتمنيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله وسعيهم في ذلك جهدهم لثناهم ذلك عن تقريرهم وتقليدهم
الأعمال", وقد ساق جملة من أخبارهم وما تخفي صدورهم، وما استتر من خيانتهم أكبر وأدهى والله المستعان من واقع المسلمين في هذا الزمان 1/242 أحكام أهل الذمة.

% مسألة: إذا مر المسلم على رجل وسلم عليه ظناً منه أنه مسلم ثم تبين له أنه ذمي فماذا يحسن له فعله؟
يحسن له أن يقول: "رد علي سلامي" لأن المسلم منهي عن مبادئة الذمي بالسلام ويدل لذلك ما رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني أن ابن عمر t: (مرعلى رجل فسلم عليه، فقيل له: إنه كافر، فقال: رد علي ما سلمت عليك فرد عليه فقال أكثر الله مالك وولدك ثم التفت إلى أصحابه فقال أكثر للجزية)، وأَمْرُه برد السلام ليس على سبيل الوجوب، والمسلم لا إثم عليه في هذا لأنه سلم جهلاً منه أنه ذمي, وإنما يقال يحسن بالمسلم أن يقول هذا اقتداء بابن عمر t ولو لم يفعل فلا شيء عليه.


% مسألة: كيفية السلام والرد عليهم؟
إذا بدأ اليهود أو النصارى بالسلام علينا فالأقرب وجوب الرد وهو قول أكثر العلماء لصراحة الأحاديث بالأمر بالرد، والأصل أن طريقة الرد عليهم أن يقول الراد: "وعليكم"، لما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان اليهود يدخلون على النبي r ويقولون: "السَّامُ عليكم"، فيقول: "وعليكم"، قالت: فقلت: "وعليكم السَّامُ واللعنة" فقال: رفقاً يا عائشة فإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا).

ـ وفي المسند من حديث أنس t قال: (نهينا أو أمرنا أن لا نزيد أهل الذمة على: وعليكم) قال ابن حجر إسناده جيد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح, والعلة في ذلك أنهم يقولون في سلامهم السَّامُ عليكم، والسَّام يعني الموت.

لكن لو سلموا سلاماً تاماً صحيحاً وعرفناه منهم فهل نجيب بمثله أو نقول وعليكم أيضاً؟ في هذا نزاع:

· القول الأول: من أهل العلم من قال نقول وعليكم لأن الأحاديث السابقة مطلقة.
· القول الثاني: وذهب طائفة إلى أنه يرد عليهم بقول: "وعليكم السلام" قالوا لأن النهي إنما كان لسبب فإذا زال السبب زال النهي عن الرد الصحيح عليهم ولعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]، واختاره ابن القيم 1/199 أهل الذمة وابن عثيمين 8/84 وغيرهما.

% مسألة: حكم تشميتهم؟
إذا عطس الكافر عند المسلم فلا يستحب تشميته، قال شيخ الإسلام: "وقد نص الإمام أحمد على هذا لأنه تحية له فهو كالسلام ورسول الله r بين أن حق المسلم على المسلم ست فَذِكْر المسلم يخرج الكافر والذمي فإنه ليس لهم هذه الحقوق.
لكن يباح له تشميته على الصحيح فإذا أراد المسلم أن يشمت الذمي, فلا يقل يرحمك الله لأن الرحمة ليست للكفار كما نطقت بذلك الأدلة وإنما يدعو له بالهداية والدليل على ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي موسى t قال: (كان اليهود يتعاطسون عند النبي r رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله وكان يقول لهم يهديكم الله ويصلح بالكم) صححه الترمذي والحاكم والذهبي والألباني، فيفعل كما فعل رسول الله r وهذا فيه دليل على جواز ذلك وأن يقول ما قاله r, راجع 1/343 غذاء الألباب.

% مسألة: حكم مصافحة الكافر؟
مصافحة الكافر مكروهة في مذهب الإمام أحمد 4/234 الإنصاف ولم ينقل فيه شيء عن رسول الله r ولا عن الصحابة y فيما أعلم, والكراهة حكم شرعي تفتقر إلى دليل شرعي والظاهر جوازها عند الحاجة والمصلحة لأنها ليست من باب الدعاء الذي نُهِيْنَا عن مبادئتهم به في السلام, نَعَم لو تحرز الإنسان منها فله ذلك فقد نقل عن عدد من السلف أنهم كانوا يرفضون أن تمس أيديهم أيدي أحد من الكفار، وهذا مروي عن بعض الصحابة لكن هذا لم ينقل عن رسول الله r مع تقاطر الوفود والرسل عليه من سائر القبائل وكذا خلفاؤه الراشدون، فالأقرب الجواز من غير

كراهة خاصة عند المصلحة، أما عند عدمها فإن عدم إكرام الكافر هو الأصل ومصافحته فيها إكرام.

الكلام على ما ينتقض به عهد الذمي

% الأشياء التي ينتقض بها عهد الذمي:
1ـ إذا أبى بذل الجزية: فإذا أبى بعض أهل الذمة أو الكفار بذل الجزية فإنه ينتقض عهده ويحل ماله ودمه، لأنهم لا يقرون على ترك الإسلام إلا بشروط ومنها بذل الجزية كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
ـ وفي حديث بريدة عند مسلم أن رسول الله r قال له: (ثم سلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبو فاستعن بالله وقاتلهم).

وكذلك من شرط الجزية بذلها على جهة الصغار, فلو لم يبذلها على هذا الوصف لم يف بالعهد لنص القرآن عليها، وقد اختلف العلماء ما المراد بالصغار حال بذلها فقيل: أن يدفعها قائماً والآخذ جالساً، وقيل: يجر إلى الموضع الذي تؤخذ منه بعنف, وهذا كله مما لا دليل عليه والتحقيق في ذلك ما قاله العلامة ابن القيم في أحكام أهل الذمة 1/23 "وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية ولا نقل عن رسول الله r ولا عن الصحابة y أنهم فعلوه والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية فإن التزم ذلك هو الصغار 8/73 الممتع.

? فائدة:ذكرها القاضي أبو يعلى وهي: "أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب, أنه لا ذمة لهم ودمائهم مباحة لأن الله U وصفهم بإعطاء الجزية على وجه الصغار والذل", وقال العلامة ابن القيم: "وهذا الذي استنبطه

القاضي من أصح الاستنباط, فإذا كانت حالة النصراني وغيره من أهل الجزية منافية للذل والصغار الذي جعله الله U عليهم مع العهد فلا عصمة لدمه ولا ماله وليست له ذمة, ومن هنا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t بتلك الشروط التي فيها صغارهم وإذلالهم وأنه متى خرجوا عن شيء منها فلا عهد لهم ولا ذمة وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل الشقاق والمعانده 1/25 أحكام أهل الذمة.

2ـ أو أبى التزام أحكام المسلمين: فإن عهده ينتقض مثل أن يرفض إقامة حد القذف على القاذف أو حد الزنى، فإن عهده ينتقض وكذا لو أراد بيع الخمر علناً ورفض الامتثال لأحكامنا.

3ـ أو زنى بمسلمة: وسواء في هذا استكرهها أو طاوعته، وقد روي عن عمر t أنه رفع إليه رجل أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنى فقال: (ما على هذا صالحناكم فأمر به فصلب في بيت المقدس) حسنه الألباني، فالذمي يقتل في كلا الحالتين وأما المسلمة فإن كان استكراهها فليس عليها شيء وإن كانت طاوعته أقيم عليها الحد إن كانت محصنة فالقذف وإن كانت غير محصنة فالجلد، وبهذا أفتى الإمام أحمد رحمه الله 2/790 أحكام أهل الذمة.

4ـ أو أصابها بنكاح: فلو تزوج مسلمة وأصابها لم يصح وينقض عهده لأنه لم يلتزم أحكامنا ولأن وجود هذا النكاح كعدمه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 221].

5ـ أو قطع الطريق على المسلمين وتعدى عليهم وهددهم بالسلاح: فإن عهده ينتقض لعدم وفائه بمقتضى الذمة، قال شيخ الإسلام: "ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين أو أسرهم أو ذهب بهم إلى دار الحرب ونحو ذلك مما فيه مضرة


على المسلمين فهذا يقتل ولو أسلم" ص32 الاختيارات، واختار انتقاض عهد قاطع الطريق والجاسوس الشيخ ابن عثيمين 8/98 الممتع.

6ـ أو ذكر الله U أو رسوله r بسوء: فإن عهده ينتقض ويصبح حلال الدم والمال وقد ذكر ابن القيم أربعة عشر دليلاً من القرآن وأدلة كثيرة من السنة على ذلك ومنها:
ـ قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]، فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيماً, والمجاهرة بسب ربنا ونبينا وكتابنا من مجاهرتنا بالمحاربة إن كنا مؤمنين.
ـ وما رواه أبو داود عن علي t: (أن يهودية كانت تشتم رسول الله r وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله r دمها) قال شيخ الإسلام: هذا حديث جيد وصححه الألباني 2/830 أحكام أهل الذمة، وكذلك فعل رسول الله r لكعب بن الأشرف لأنه كان يسب رسول الله r ويهجو المسلمين وقصته في البخاري 2/797.

7ـ أو تعدى على مسلم بقتل أو فتنه على دينه: فلو فعل شيئاً من هذا بأن قتل مسلماً ولو صغيراً، أو فتنه عن دينه بأن دعاه إلى الكفر، أو هدده بترك دينه، فإن عهده ينتقض، وهذا نص عليه الإمام أحمد ونقله عنه شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم 2/797 أحكام أهل الذمة.

% مسألة: إذا انتقض عهد الذمي فماذا يُفعل به؟
إذا انتقض عهد الذمي خُيّرَ الإمام فيه كما يُخَير في الأسير الحربي إمام أن يقتله أو يسترقه أو يَمُن عليه أو يأخذ منه الفداء, لأنه كافر ولا أمان له لأنه نقضه وقد قررنا عليه في دارنا بلا عهد ولا ذمة.




% مسألة: ماذا يفعل بمال الذمي وهل ينتقض عهد نسائه وأولاده؟
إذا أُخذ الذمي وانتقض عهده أصبح ماله فيئاً لأننا أخذناه من أموال الكفار بلا قتال ويكون مصرفه في مصالح المسلمين العامة الأهم فالأهم، وأما نساؤه وأولاده لا ينتقض عهدهم ويبقون أهل ذمة لا يتعدى عليهم وإنما ينقض عهده هو ويحل دمه وماله ويشهد لذلك أن رسول الله r لم يأخذ أهل ولا أولاد كعب بن الأشرف، وإن كان النقض من بلد كامل ونقض أشرافه فإن أهل البلد كلهم يكونون تبعاً لهم في النقض لأن الناس تبع لأهل الرأي منهم وعلى هذا يحاربون ولو قدرنا عليهم أخذنا نسائهم وأولادهم وأموالهم كما فعل رسول الله r مع بني قريضة لما نقضوا العهد فقتل رجالهم واسترق نساءهم وأولادهم.

% مسألة: إذا أسلم الذمي الذي انتقض عهده فكيف يكون حكمه؟
لو أن الذمي الذي انتقض عهده أعلن إسلامه فإنه يصبح معصوم الدم لعمومات النصوص ومنها: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام...) الحديث وتقبل توبته وقد نقل الإجماع على ذلك.

% مسألة: لكن إذا كان انتقاض عهده بسبب سبّه لله U أو لرسوله r ثم تاب بعد ذلك فهل تقبل توبته ويحقن دمه أو يقتل؟ هذا فيه نزاع:
· القول الأول: المذهب قالوا تقبل توبته ويحقن دمه, لعوم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

ـ ولحديث عمرو بن العاص t عند مسلم أن رسول الله r قال له: (الإسلام يهدم ما كان قبله).

ـ ولقبول رسول الله r توبة عدد من الذين كانوا يهجونه ويسبونه كأبي سفيان بن الحارث وكعب بن زهير وغيرهم.


· القول الثاني: وذهب بعض العلماء إلى أن التوبة تقبل للعمومات لكن يجب قتله لأن حق رسول الله r لا يسقط بهذه التوبة وهذا اختيار شيخ الإسلام حيث قال: "وساب رسول الله r يقتل ولو أسلم وهو مذهب أحمد" ص320 الاختيارات وابن عثيمين 3/30 القول المفيد وأطال فيه ابن تيمية الكلام.

? فائدة: عقد الذمة ليس هو حق للإمام وإنما هو حق لله تعالى ولعامة المسلمين فإذا خالفوا شيئاً مما شرط عليهم فإنه لا عهد لهم ولا ذمة وينفسخ العقد بفواته من غير فسخ، ولا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ منهم الجزية ويُمَكِّنهم من المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموا الشروط, وإلا وجب عليه قتالهم بنص القرآن، هذا مذهب طائفة من الفقهاء واختاره شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص212 وابن القيم 2/793 أحكام أهل الذمة، قال شيخ الإسلام: "وهذا هو القياس الجلي فإن الدم مباح بدون العهد والعهد عقد من العقود فإذا لم يقر أحد المتعاقدين بما عقد عليه فإما أن ينفسخ العقد بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه والحكمة فيه ظاهرة.

وإذا كان المعقود عليه حقاً للعاقد بحيث له أن يبذله بدون الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط بل له أن يفسخه أو يبقيه وإذا كان المعقود عليه حقاً للعاقد ولغيره ممن يتصرف له بالولاية ونحوها لم يجز له إمضاء العقد بل يجب عليه فسخ العقد بفوات الشرط, وعقد الذمة ليس حقاً للإمام بل هو حق لله ولعامة المسلمين، ويدل لذلك فعل رسول الله r مع بني أبي الحقيق في خيبر لما خبئوا بعض الأموال فقتل رجالهم وسبى نسائهم.





أسئلة عن العمليات الإستشهادية للشيخ سليمان العلوان

% فضيلة الشيخ: سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد....
يقوم بعض الإخوة الفلسطينيين بعمليات فدائية ضد اليهود ويكون في اليهود الكبير والصغير والجندي والمدني والرجال والنساء فهل في قتلهم بأس؟ لأننا سمعنا عن بعض المفتين يقول بحرمة قتل نساء اليهود ومدنييهم بدعوى أنهم ليسوا من المقاتلين، فما تقولون بارك الله فيكم؟
بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، العمليات الفدائية القائمة في فلسطين ضد اليهود المغتصبين وفي الشيشان ضد النصارى المعتدين عمليات استشهادية وأساليب قتالية شرعية، وقد أذهلت الأعداء وأثبتت كبير فعاليتها وأذاقت الغاصب مرارة جرمه وسوء فعلته حتى أصبح الكفار يخافون من كل شيء وينتظرون الموت من كل مكان، وقد ذَكَرَت بعض الصحف عن المجرم "شارون" أنه يطالب بإيقاف هذه العمليات، فقد أصبحت هذه العمليات ويلاً وثبوراً على الإسرائيليين الذين يغتصبون الديار وينتهكون الأعراض ويسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء، وقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60)، والقوة تتمثل في كل شيء يغيظ الكفار ويزرع الرعب في قلوبهم، وقد قال النبي r: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أبو داود (2504) من طريق حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن أنس وسنده صحيح.

ـ والآن حان الوقت الذي تضاعف فيه الجهود للقيام بمثل هذه العمليات الإستشهادية، فقد قل المعين وتخلت الحكومات عن المناصرة وصار الحديث عن الجهاد وقتال الكفار جريمة عالمية، فلم يبق من سُبُل المقاومة إلا القيام بالعمليات الإستشهادية فهي أقل أنواع الجهاد خسائر وأكثرها نكاية بالعدو، وهي سبب في رحيل جماعات من اليهود عن أراضي المسلمين في فلسطين، وسبب في تقليل نسبة الهجرة إلى الأراضي المقدسة، والمقتول في هذه العمليات مقتول من أجل الذب عن دينه وحماية نفسه وعرضه، وقد قال النبي r: (من قتل دون ماله فهو شهيد) رواه البخاري (2480) ومسلم (141)

من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، والمقتول في سبيل الله ونصرة الدين والمسلمين وقصد النكاية باليهود المغتصبين وزعزعة أمنهم وإضعاف شوكتهم وتبديد قوتهم أعظم شهادة وأكثر ثواباً وأجراً من المقتول دون ماله وقد جاء في صحيح مسلم (1915) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة t أن النبي r قال: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد).

ـ وأرى من الضروري التأكيد على مهمات المسائل حين القيام بمثل هذه العمليات الجهادية:
· الأولى: الإخلاص لله تعالى دون التفات القلب إلى المخلوقين ومدحهم.
· الثانية: أن يكون القصد من هذه العمليات الجهادية هو إعلاء كلمة الله ونصرة دينه والنكاية بالعدو وزرع الرهبة في نفوسهم وتفريق شملهم وطردهم من الأرض المقدسة، فقد جاء في البخاري (2810) ومسلم (1904) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا وائل قال حدثنا أبو موسى الأشعري أن رجلاً أعرابياً أتى إلى النبي r فقال: (يا رسول الله الرجلُ يُقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانهُ، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله r من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
· الثالثة: مراعاة المصلحة في ذلك فروح المؤمن ثمينة فلا تبذل إلا لشيء ثمين.
· الرابعة: الابتعاد عن قتل الصبيان الصغار الذين لا يقاتلون ولا يحملون سلاحاً.
· الخامسة: لا مانع من قتل الصبيان تبعاً لا قصداً كأن يختلطوا بالمحاربين وكل من في فلسطين من اليهود محاربون مغتصبون فإذا لم يتمكن المجاهدون من قتل المحاربين إلا بقتل الصبيان فلا حرج حينئذٍ في قتلهم وقد جاء في صحيح البخاري (3013) ومسلم (1745) من حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة t قال: (سئل النبي r عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: هم منهم)، وهذا دليل على جواز قتل النساء والصبيان إذا اختلطوا بغيرهم فلم يتميز الرجل عن المرأة والكبير عن الصغير.


· السادسة: الإسلام دين العدل وحفظ الحقوق والوفاء بالعقود وقد أعطى الإنسانية حقها وقد نهى النبي r عن قتل النساء والصبيان واتفق أهل العلم على منع القصد إلى قتل النساء ما لم يقاتلن فإذا حاربن أو شاركن في القتال جاز قصدهنّ بالقتل، وهذا شأن النساء الإسرائيليات فهن عسكريات متدربات على القتال ومستعدات حين الحاجة إليهن لقتال المسلمين، وأعداد كبيرة منهن يحملن السلاح ويحرضن على القتال ومن أهل الممانعة والمقاتلة والجهاد في المال والمشورة، والمشاركة في الاغتصاب وسلب حقوق المسلمين وهذه الأمور أو بعضها تبيح قصدهن بالقتل.

ـ قال الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنة (11/47) "والعمل على هذا عند أهل العلم أنه لا يُقتل نساء أهل الحرب وصبيانهم إلا أن يقاتلوا فيدفعوا بالقتل".

ـ وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره (2/348) "وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الإمداد بالأموال ومنها التحريض على القتال، وقد يخرجن ناشرات شعورهنّ نادبات مثيرات مُعَيّرات بالفرار وذلك يبيح قتلهن".

ـ وقال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم (12/48) "أجمع العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون".

ـ وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغنى (13/141) "ويجوز رمي المرأة إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال، لأنها في حكم المقاتل وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من مُنِعَ قتله منهم".

ـ وقد جاء في سنن أبي داود (2669) من طريق عمر بن المرقع بن صيفي بن رباح حدثني أبي عن جده رباح بن ربيع قال: (كنا مع رسول الله r في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلاً فقال: انظر على ما اجتمع هؤلاء، فجاء فقال: امرأة قتيل فقال: ما كانت هذه لتُقَاتِل)،

وظاهر هذا الحديث أن سبب عصمة دم المرأة كونها لا تقاتل ومفهومه أنها إذا قاتلت جاز قتلها وهذا أمر لا ينبغي أن يُختَلفَ فيه، وقد ثبت في واقعنا الحاضر أن المرأة الإسرائيلية مقاتلة وتتدرب على السلاح كالرجال، فلا حرج حينئذٍ في قصدها بالقتل فقد جمعت عدة مناطات تبيح دمها منها:
1ـ الحرابة "أي أنها محاربه".
2ـ المقاتلة والمشاركة في الاغتصاب والعدوان.
3ـ الإفساد فهي إن لم تقاتل فقد أجهدت نفسها في تهييج شهوات الشباب وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني (13 / 141) أن المرأة الكافرة إذا تكشفت للمسلمين جاز رميها قصداً.
· السابعة: لا حرج في تدمير مباني اليهود ومنشآتهم لتتهاوى على جماجمهم المجرمة فهم حربيون ومغتصبون.
فالحرابة: تبيح دماءَهم.
والاغتصاب: يجيز تحطيم مبانيهم ليكون هذا سبباً لرحيلهم فليس لعرق ظالم حق، وقد اتفقت الملل كلها والشرائع على حفظ الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وجاء في مواثيق هيئة الأمم ضرورة حفظ الحقوق والأموال وتحريم الاغتصاب ومنع أعمال العدوان، وهذا كله غير محترم في استراتيجية إسرائيل ولم يحصل إدانتها في هذا النظام القائم على الهوى والطغيان فقد قامت دولة إسرائيل على أنقاض فلسطين ولا يرون حرجاً من استئصال رجالات المسلمين وقتل أطفالهم وهتك حرماتهم، ونحن لا نرى حرجاً بعد هذا العدوان الكبير من الفتوى بتأييد العمليات الفدائية وقتل الحربيين ذكوراً وإناثاً وتدمير ما يمكن تدميره من المباني والمصانع قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.

% فضيلة الشيخ: سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى:
تعلمون ما يحصل للفلسطينيين في هذا الوقت من الإجرام اليهودي والسكوت العربي المخزي، فهل في العمليات الفدائية ضد اليهود مخالفة شرعية؟ الجواب: اليهود المرذولون مجمع النقائص والعيوب ومرتع الرذائل والشرور وهم أشد أعداء الله على الإسلام وأهله قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وقد أوجب الله U قتالهم وجهادهم لتكون

كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وهذا حين يقبع أعداء الله في ديارهم ولا ينقضون العهد والميثاق ولا يسلبون أموال المسلمين ويغتصبون ديارهم قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فأما حين يضع أعداء الله سيوفهم في نحور المسلمين ويرعبون الصغير والكبير ويغتصبون الديار وينتهكون الأعراض ففرض على أهل القدرة من المسلمين قتالهم وسفك دمائهم والجهاد الدائم حتى التحرير الشامل لفلسطين وعامة بلاد المسلمين، ولا يجوز شرعاً التنازل لليهود عن أيّ جزء من أراضي المسلمين ولا الصلح معهم فهم أهل خديعة ومكر ونقض للعهود، وأرى في وقت تخاذل المسلمين عن قتال اليهود والتنكيل بهم وإخراجهم عن الأرض المقدسة أن خير علاج وأفضل دواء نداوي به إخوان القردة والخنازير هو القيام بالعمليات الاستشهادية وتقديم النفس فداءً لدوافع إيمانية وغايات محمودة من زرع الرعب في قلوب الذين كفروا وإلحاق الأضرار بأبدانهم والخسائر في أموالهم، وأدلة جواز هذه العمليات الاستشهادية كثيرة وقد ذكرت في غير هذا الموضع بضعة عشر دليلاً على مشروعية الإقدام على هذه العمليات وذكرت ثمارها والإيجابيات في تطبيقها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، في المنقول عن الصحابة y وأئمة التابعين في معنى هذه الآية دليل قوي على أن من باع نفسه لله U وانغمس في صفوف العدو مقبلاً غير مدبر ولو تيقن أنهم سيقتلونه أنه محسن في ذلك مدرك أجر ربه في الصابرين والشهداء المحتسبين، وفي صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب عن النبي r في قصة الملك والساحر والراهب والغلام، وفيه "فقال الغلام الموّحد للملك الكافر: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به, قال: وماهو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد, وتصلبني على جذع, ثم خذ سهماً من كنانتي, ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: "باسم الله رب الغلام", ثم رماه فوقع السهم في صُدْغه فوضع يده في صُدْغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: "آمنا برب الغلام, آمنا برب الغلام, آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرُك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك

فخُدّت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق)، ففي هذا دليل على صحة هذه العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون في سبيل الله القائمون على حرب اليهود والنصارى والمفسدين في الأرض، فإن الغلام قد دل الملك على كيفية قتله حين عجز الملك عن ذلك بعد المحاولات والاستعانة بالجنود والأعوان، ففعلُ الغلام فيه تسبب في قتل النفس والمشاركة في ذلك, والجامع بين عمل الغلام والعمليات الاستشهادية واضح فإن التسبب في قتل النفس والمشاركة في ذلك حكمه حكم المباشرة لقتلها، والغاية من الأمرين ظهور الحق ونصرته والنكاية باليهود والنصارى والمشركين وأعوانهم وإضعاف قوتهم وزرع الخوف في نفوسهم والمصلحة تقتضي تضحية المسلمين المجاهدين برجل منهم أو رجالات في سبيل النكاية في الكفار وإرهابهم وإضعاف قوتهم قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وقد رخص أكثر أهل العلم أن ينغمس المسلم في صفوف الكفار ولو تيقن أنهم يقتلونه، والأدلة على ذلك كثيرة، وأجاز أكثر العلماء قتل أسارى المسلمين إذا تترس بهم العدو الكافر ولم يندفع شر الكفرة وضررهم إلا بقتل الأسارى المسلمين فيصبح القاتل مجاهداً مأجوراً والمقتول شهيداً، والله أعلم.

حكم من امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة

وسيكون الكلام عن هذه المسألة من خلال ثلاثة أمور:
· الأمر الأول: كلام أهل العلم في وجوب قتال الطائفة الممتنعة وأدلتهم.
· الأمر الثاني: هل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها.
· الأمر الثالث: هل يفرق بين الطائفة والفرد فيما سبق.

كلام أهل العلم في وجوب قتال الطائفة الممتنعة وأدلتهم.


هذه المسألة موضع إجماع بين أهل العلم، ولذلكم نجد كلام الأئمة صريحاً فيها، ولعلنا نختار بعض النقولات الصريحة الدالة على المقصود.

بوب الإمام البخاري رحمه الله فقال (باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نسبوا إلى الردة) ثم ساق قصة أبي بكر رضي الله عنه مع أهل الردة ومانعي الزكاة، وجاء في الحديث ما يلي: (لما توفي النبي r واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله r (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)، قال أبو بكر (والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق).

قال الحافظ ابن حجر: رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث: قوله يا رب قتل من أبى قبول الفرائض أي جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة، والعمل بها... قال مالك في الموطأ: الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقاً عليهم جهاده، قال ابن بطال: مراده إذا أقر بوجوبها لا خلاف في ذلك وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله (قوله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحداً أو مانعاً مع الاعتراف وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليباً.

وقال الإمام ابن العربي المالكي في تعليقه على قوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ﴾ (279) سورة البقرة، فإن قيل: ذلك فيمن يستحل الربا، قلنا: نعم وفيمن فعله، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك الجمعة والجماعة).



وقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله الأذان مشروع للصلوات الخمس دون غيرها، وهو من فروض الكفاية لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فلم يجز تعطيله، كالجهاد، فإن اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا عليه) وقال عن صلاة العيدين بعدما ذكر أنها فرض كفاية: فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان) فإذا كان الإمام ابن قدامة يرى المقاتلة على ترك فروض الكفاية، فكيف بترك فروض الأعيان؟

وقال الإمام الشيرازي في المهذب عن حكم الأذان والإقامة وهما سنتان، ومن أصحابنا من قال: هما فرض من فروض الكفاية، فإن اتفق أهل بلد أو أهل صقع على تركها قوتلوا عليه لأنه من شعائر الإسلام فلا يجوز تعطيله...) قال الإمام النووي في شرحه (قال أصحابنا: فإن قلنا فرض كفاية فاتفق أهل بلد أو قرية على تركه وطولبوا به فامتنعوا وجب قتالهم كما يقاتلون على ترك غيره من فروض الكفاية وإن قلنا: هو سنة فتركوه فهل يقاتلون؟ فيه وجهان) ثم ذكر هذين الوجهين.

وذكر الإمام النووي رحمه الله بعض الفوائد من حديث (أمرت أن أقاتل الناس...) فقال (وفيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلاً كان أو كثيراً لقوله رضي الله عنه: لو منعوني عقالاً أو عناقاً)

أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد تكلم عن هذه المسألة ونقل الإجماع عليها في مواضع وخاصة عند كلامه عن التتار وحكم الله فيهم، ومما قاله رحمه الله (أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله، فلو قالوا: نصلي ولا نزكي، أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة، أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله r ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين، وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة

رسول الله r وسنته، وما عليه جماعة المسلمين، فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعاً، كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ (39) سورة الأنفال، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، وقال تعالى:﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ (5) سورة التوبة، فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر، وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ سورة البقرة، فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله، والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه قبله أوكد، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ (33) سورة المائدة فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فساداً، ولهذا تـول السلف هذه الآية على الكفار وأهل القبلة، حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فساداً، وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله).

وقال عندما سئل عن التتار وحكم قتالهم (الحمد لله، كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام، وكذلك ثبت عن النبي r من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج كما ذكر الإمام أحمد وغيره. وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم،) فعلم أن مجرد

الاعتصام يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات, أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر, والأذان والإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها).

وقال الإمام ابن رجب رحمه الله في شرح حديث أمرت أن أقاتل الناس (فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلماً، فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا... ومما يدل على قتالا الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ (5) سورة التوبة.

وبهذه النقولات عن الأئمة يمكن أن نستنتج من كلامهم ما يلي
إجماع العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، واستندوا سفي ذلك على عدة أدلة ومنها:
1ـ قتال الصحابة لمانعي الزكاة.
2ـ أحاديث الأمر بقتال الخوارج.
3ـ قوله عز وجل فيمن لا يتوب من أكل الربا ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (279) سورة البقرة.
4ـ آية الحرابة.

5ـ قوله عز وجل ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ (39) سورة الأنفال.
6ـ وقوله عز وجل ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ (5) سورة التوبة.
وغير ذلك من الأدلة.

ثانياً: هل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من جعل قتال الطائفة الممتنعة بمنزلة قتال البغاة، ومنهم من جعل قتال الطوائف الممتنعة ومنهم مانعي الزكاة والخوارج بمنزلة المرتدين، قال شيخ الإسلام في حكاية الخلاف (ولهذا كان فيهم (أي الخوارج) وجهان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: أنهم بغاة، الثاني: أنهم كفار مرتدين، يجوز قتلهم ابتداءً وقتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل: كما ـن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين:

وقال أيضاً (... وكذلك مانعو الزكاة، فإن الصديق والصحابة ابتدءوا قتالهم، قال الصديق (والله لو منعوني عناقاً كان يؤدونها إلى رسول الله r لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب، ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين، فإن القرآن قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي والله أعلم).

وشيخ الإسلام رحمه الله يرجح تكفير الممتنع عن الشرائع الظاهرة المتواترة إذا كانوا طائفة وقاتلوا الإمام على ذلك. قال رحمه الله: وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فهل يجوز اتباع مدبرهم، وقتل أسيرهم، والإجهاز على جريحهم؟ على قولين للعلماء مشهورين..... والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين، فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلاً، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعي الزكاة وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام، وهذا موضع اشتبه فيه على كثير من الناس من الفقهاء، فإن المصنفين

في قتال أهل البغي جعلوا قتال مانعي الزكاة، وقتال الخوارج، وقتال علي لأهل البصرة، وقتاله لمعاوية وأتباعه، من قتال أهل البغي وذلك كله مأمور به، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس، وقد غلطوا، بل الصواب ما عليه أئمة الحديث، والسنة وأهل المدينة كالأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم: أنه يفرق بين هذا وهذا، فقتال علي للخوارج ثابت بالنصوص الصريحة عن النبي r باتفاق المسلمين، وأما القتال يوم صفين ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل صد عنه أكابر الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر وغيرهم... إلى أن يقول: فالفتن مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين، وطوائف المسلمين، مع أن كل واحد من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام مثل ما كان من أهل الجمل وصفين، وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت، وأما قتال الخوارج ومانعي الزكاة، وأهل الطائف الذين لم يكونوا يحرمون الربا، فهؤلاء يقاتلون حتى يدخلوا في الشرائع الثابتة عن النبي rوهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فلا ريب أنه يجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، فإن هؤلاء إذا كانوا مقيمين ببلادهم على ما هم عليه، فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوهم في بلادهم لقتالهم، حتى يكون الدين كله لله...) وقال في نص فيه التصريح بردة الممتنعين (وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس، ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن له شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب).

ومن النصوص الصريحة لشيخ الإسلام قوله عن مانعي الزكاة (والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد من الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله r لقاتلتهم على منعها. فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد وجوبها، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها ومع هذه فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار وسموهم جميعاً أهلا الردة).



ثالثاً الفرق بين الطائفة والفرد:
هذا حكم الممتنعين عن شرائع الإسلام إذا كانوا طائفة ممتنعة، أما إذا كان الممتنع فرداً فالصحيح أنه لا يكفر، ولا يقتل إلا إذا أصر على ترك الصلاة فيقتل كفراً على الصحيح كما بينا سابقاً عند الكلام عن الإعراض لأن إصراره على الترك حتى يقتل يدل على عدم اعتقاده لوجوبها، وهذه الحالة تختلف عن الترك كسلاً وتهاوناً، أما إذا أصر على منع الزكاة، فتؤخذ منه قهراً كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله r من أعطى زكاة ماله مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء) قال ابن الأثير في معنى (عزمة من عزمات ربنا) مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره ذلك عزمه، والعزم ضد الرخصة وهي ما يجب فعله) أما من رأى قتل مانع الزكاة إذا كان فرداً فقد استدل بحديث ابن عمر السابق (أمرت أن أقاتل الناس...) الحديث قال ابن رجب رحمه الله (.... وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم.... وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال يقتل الممتنع من فعل الصلاة: أحدهما يقتل أيضاً وهو المشهور عن أحمد رحمه الله ويستدل له بحديث ابن عمر هذا، والثاني لا يقتل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية).

وأجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الاستدلال بأن هناك فرقاً بين القتل والمقاتلة (والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن يؤخذ منه قهراً، بخلاف الصلاة، فإذا انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم صبراً، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر، للفرق بين صيغة أقاتل وأقتل والله أعلم) إذاً القتال أوسع من القتل (كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به)

مما سبق نستنتج: أن الفرد الممتنع عن الشرائع، والزكاة خاصة يلزم بها وتؤخذ منه بالقوة ولا يكفر على الصحيح إلا ما ذكرنا في ترك الصلاة، ويرى شيخ الإسلام رحمه الله جواز قتل الواحد

المقدور عليه من الخوارج، والرافضة ونحوهم ممن فيه فساد، إذا لم يندفع فساده إلا بالقتل، ولكن لا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة.


* من كتاب نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد الوهيبي.


طاعة الأمير

من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يلتزمون طاعة ولي الأمر المسلم في غير معصية الله، والطاعة ليست محصورة لولي الأمر الأكبر، بل كل من كان أميراً على جماعة فتجب طاعته، وهذا فيه حِكَمٌ كبيرة وعظيمة، فلو تُرك الناس بلا أمير مطاع لضاع الناس وتضاربت الآراء.
ـ ولكن ينبغي أن يعلم كما سبق أن هذا في طاعة الله تعالى حتى ولو كره المأمور ذلك مادام في دائرة الطاعة، أما إن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة وتبقى له هيبته وطاعته في غيرها.
ـ ولتعلم أخي المجاهد أن من أسباب النصر سمعك وطاعتك لأمرائك، وقد وُجد من يتهاون في هذا الباب وهم قلة ولله الحمد، فتجده يتردد في طاعة أمرائه المجاهدين وغيرهم وما علم هذا أن ما يعمله معصية لله U ولرسوله r فقد جاء في الصحيح عن النبي r أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني)، إضافة إلى ما ينتج على فعله هذا من مضار, قد تسبب الفرقة والاختلاف، ومن ثم الهزيمة والعياذ بالله.
ـ وينبغي لكل من ثقلت عليه طاعة أميره – في الجهاد وفي غيره ـ أن يتذكر كيف كان عاقبة عصيان الرماة لأميرهم r، فيا أخي المجاهد لا تتردد في طاعة أمرائك هناك ولا تتأخر، وَعَوّد نفسك على الطاعة حتى لو رأيت أنك خير من الأمير، أو كان الأمير عنده شيء من التقصير فإن معصيته حرام في دين الله والله تعالى أعلى وأعلم.

غايات الجهاد وأهدافه وتفنيد حجج المتثاقلين والمعارضين

غايات الجهاد وأهدافه
الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله عز وجل، والجهاد تعريض للنفس للتلف، أو الجراحة العظيمة، وقد قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (216) سورة البقرة فلا بد من أهداف عظيمة وغايات سامية شرع الله عز وجل من أجلها هذه العبادة.

فما أهداف الجهاد وغاياته ؟
1ـ الهدف الأول هو تعبيد الناس لله عز وجل، فالناس يقعون في عبادة الحجر، والبقر، والشمس، والقمر و والطواغيت التي تحكم الناس بغير شرع الله، وتسوسهم بغير حكمه.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (39) سورة الأنفال
وقال رسول الله r (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
وقال r (بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري).
قال العلياني (وهذا الهدف السامي المتضمن لإعلاء كلمة الله وهي الإسلام، وإقامة سلطان الله في الأرض، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وإخلاء العالم من الفساد الأكبر الذي هو الشرك وما ينتج عنه، وإزالة الطواغيت الذين يحولون بين الناس وبين الإسلام ويعبدونهم لغير الله).
2ـ رد اعتداء المعتدين: كما قال تعالى ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (190) سورة البقرة.
وقال تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ (13) سورة التوبة.

3ـ قتل الكافرين وإضعاف شوكتهم، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (67) سورة الأنفال.
وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ (4) سورة محمد.
4ـ إرهاب الكافرين وإذلالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (29) سورة التوبة.
5ـ شفاء صدور المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (14) سورة التوبة.
6ـ تمييز المؤمنين وكشف المنافقين، كما قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (179) سورة آل عمران.
7ـ تمحيص المؤمنين وتكفير ذنوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (141) سورة آل عمران.
8ـ تربية المؤمنين على الصبر والثبات، وتعظيم أمر الله عز وجل وأمر رسوله r بتحمل المشاق لإقامة شرع الله وإبلاغ دينه.
9ـ حصول الغنائم والسبي، وقد قال النبي r (وجعل رزقي تحت ظل رمحي).
10ـ اصطفاء الشهداء، فالله عز وجل كما يختار من يشرفه بالنبوة والرسالة، وهو عز وجل يخلق ما يشاء ويختار، فهو عز وجل كذلك يصطفي من يشرفه بالشهادة، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله، نسأل الله عز وجل شهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين، قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (140) سورة آل عمران.






تفنيدُ شُبَهِ المتثاقلين
اعلم أيها الراغب عما افترض عليه من الجهاد، الناكب عن سنن التوفيق والسداد، إنك قد تعرضت للطرد والإبعاد، وحرمت ـ والله ـ الإسعاد بنيل المراد، ليت شعري هل سبب إحجامك عن القتال، واقتحامك معارك الأبطال، وبخلك في سبيل الله بالنفس والمال، إلا طول أمل، أو خوف هجوم أجل، أو فراق محبوب من أهل ومال، أو ولد وخدم وعيال، أو أخ لك شقيق، أو قريب عليك شفيق، أو ولي كريم، أو صديق حميم، أو ازدياد من صالح الأعمال، أو حب زوجة ذات حسن وجمال، أو جاه منيع، أو منصب رفيع، أو قصر مشيد، أو ظل مديد، أو ملبس بهي، أو مأكل هني؟!! ليس غير هذا يقعدك عن الجهاد، ولا سواه يبعدك عن رب العباد، وتالله ما هذا منك أيها الأخ بجميل، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾، فاصغ لما أملي عليك من الحجج القاطعة، واستمع ما ألقي عليك من البراهين الساطعة، لتعلم أنه ما يقعدك عن الجهاد سوى الحرمان، وليس لتأخرك سبب إلا النفس والشيطان، أما سكونك إلى طول الأمل، وخوف هجوم الأجل، والاحتراز من الموت الذي لا بد من نزوله، والإشفاق من الطريق الذي لا بد من سلوك سبيله، فوالله إن الإقدام لا ينقص عمر المقدمين، كما لا يزيد الإحجام عمر المستأخرين:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.

وإن للموت لسكرات أيها المفتون، وإن هول المطلع شديد ولكن لا تشعرون، وإن للقبر عذاباً لا ينجو منه إلا الصالحون وإن فيه لسؤال الملكين الفاتنين: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء﴾ ثم بعد ذلك الخطر العظيم، إما سعيداً فإلى النعيم المقيم، وإما شقيا فإلى عذاب الجحيم، والشهيد أمن من جميع ذلك، لا يخشى شيئاً من هذه المهالك.

ـ وقد قال رسول الله r: "لا يجد الشهيد من ألم القتل إلا كمس القرصة".
فما يقعدك أيها الأخ عن انتهاز هذه الفرصة، ثم تجار في القبر من العذاب، وتفوز عند الله بحسن المآب، وتأمن من فتنة السؤال، وما بعد ذلك من الشدائد والأهوال، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: فرحين بما آتاهم الله من فضله مستبشرين أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في عليين فكم بين هذا القتل الكريم، وبين الموت الأليم.

وإن قلت: يعوقني عن الجهاد أهلي ومالي، وأطفالي وعيالي، فقد قال الله تعالى قولاً بينا لا يخفى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾، وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ والآيات في مثل هذا كثيرة، والحجج واضحة منيرة.

ـ وفي الحديث: "لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء".
ـ وقال r: "موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، وغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، وخمار جارية من أهل الجنة خير من الدنيا وما فيها"، فكيف يصدك عن هذا الملك العظيم، أهل عن قليل يكونون في الأموات، وتمزقهم أيدي الشتات، وتفرقهم نوازل الآفات، مع ما يصدر منهم من النكد والعداوات، والأخلاق السيئات، والحقد على ما عرضت من حظوظهم منك للفوات، وهجرانهم إياك عند قلة المال، وتحولهم عن ودك عند تغيِّر الأحوال، وأعظم من ذلك فرارهم منك في المآل، ومحاسبتهم إياك على مثاقيل الذر في موقف السؤال، حتى يود كل واحد منهم لو نجا، وحملك ما عليه من الذنوب والأثقال.

ـ أم كيف يصدك ما هو في معرض الذهاب والزوال، ينفر عنك عند فقده الأخلاء وتتفرق العيال، ويهجرك كل صديق كان يكثر لك الوصال، ثم يوم القيامة تسأل عنه من أين اكتسبت،

وفيم أنفقت؟ ويا له من سؤال، في يوم تشيب فيه الأطفال، وتعظم فيه الأهوال وتكثر فيه الزحام ويشتد الخصام وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها من هول ذلك المقام ويعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ويحاسب فيه الأغنياء على النقير والقطمير، والخطير والحقير، والناقص والتمام، ويسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام، فيأكلون ويشربون ويتنعمون في دار السلام، وأنت أيها الغني محبوس عنهم بسبب مالك، تخشى أن يؤمر بك إلى مالك.

أفتحزن على فراق ما إن قل أكثر همك وعناك، أو كثر فأغناك وأطغاك وإن مت وتركته وراءك أرداك، وبين يديك موقف الحساب عليه وما أدراك، وهب أن لك الدنيا بحذافيرها، أليس إلى الفنا مصيرها، ولا بد من فراقك لها، وإن ركنت إلى غرورها.

ـ جاء في الحديث أن النبي r قال لأبي هريرة t: "ألا أريك الدنيا جميعاً بما فيها، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي وادياً من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس، وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم، قال: أبو هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رماداً رميداً، وهذه العذرات ألوان أطعمنهم، اكتسبوها من حيث اكتسبوها، فقذفوها في بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم، ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك، قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا".

وإن تذكرت ولدك الكريم وحنوت عليه حنو الأب الشفيق الرحيم، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وتا الله لااللهُ أرحم بالولد من أبيه وأمه، وأخيه وعمه، وكيف لا وهو قد رباه قبلهم بثدي رحمه، في ظلمات الأحشاء، وقلبه بيد لطفه ورأفته في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، فأين كانت شفقتك عليه إذ ذاك، وحنوك وبعدك عنه ودنوك، وكيف يقعدك عن دار النعيم، وجوار الرب الكريم، ولد إن كان صغيرا فأنت به مهموم، أو كبيرا

فأنت به مغموم، أو صحيحا فأنت عليه خائف، أو سقيما فقلبك لضعفه واجف، إن أدبته غضب وشرد، أو نصحته حرد وحقد، مع ما تتوقعه من العقوق المعتاد، من كثير من الأولاد، إن أقدمت جننك، وإن سمحت بخلك، وإن زهدت رغبك، عظمت به الفتنة، وأنت تعدها منة، وعم به البلاء، وأنت تراه من النعماء، تود سروره بهمك، وفرحه بحزنك، وربحه بخسرانك، وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك، تتكلف من أجله ما لا تطيق، وتدخل بسببه في كل مضيق، ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولا تسلم إليه تدبير ر ولدك بعدما تموت، وهل إليك من تدبيره قليل أو كثير: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيراً، ولا في رزقه نقيراً، وقد تفترسك المنية بغتة، فتمسي في قبرك صريعاً وبعملك أسيراً، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيماً، ويقسم مالك وارثك عدواً كان أو رحيماً، ويفترق عيالك ظاعناً ومقيماً، وتقول يا ليتني كنت مع الشهداء فأفوز فوزاً عظيماً، فيقال لك: هيهات هيهات، فات ما فات، وعظمت الحسرات، وخلوت بما قدمت من حسنات أو سيئات، ألا واسمع قول الله العزيز الغفور، محذراً لك ما أنت فيه من الغرور: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، هذا وإن كان ولدك من السعداء، فستجمع بينك وبينه الجنان، وإن كان من الأشقياء، فليكن من الآن، لا يجتمع أهل الجنة مع أهل النار، ولا الأخيار مع الأشرار، ولعل الله يرزقك الشهادة فتشفع فيه، وتكون بفراقك له ساعياً في أن تنجيه، احرص على ما ينجيك من العذاب، واجهد فيه، فغداً: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ # وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ # وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ # لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ إن هذا لهو البيان العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ـ وإن قلت: يشق على فراق الأخ والقريب، والصديق والحبيب، فكأنك بالقيامة وقد قامت على الخلق أجمعين: ﴿الأْخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾، فإن كانت الصداقة لله U، فستجمع بينكما عليون، في نعيم أنتم فيه خالدون، وإن كانت الصحبة لغير اللّه، فالفراق الفراق، قبل أن يحشر الرفاق مع الرفاق، لأن المرء في الآخرة مع محبوبه، لمشاركته إياه في مطلوبه،

فإن كان من الأتقياء نفعه أخاه، وإن كان من الأشقياء، ضره وأراده، مع ما يتوقع في هذه الدار من الأقرباء والأصدقاء من الجفاء، والصد وقلة الوفاء، وكثرة الكدر وعدم الصفاء، وتغيّرهم لديك، وتلونهم عليك، وإساءتهم إليك، وهجرهم إياك، عند فوات الأغراض، وما تَجُنُّهُ قلوبهم من العلل والأمراض، إن وقعت في شدة تخلوا عنك، أو واقعت زلة تبرؤوا منك، إخوان السراء وأعداء الضراء، صداقتهم مقرونة بالغنا، وصحبتهم مشحونة بالعناء إن قل مالك مَلُّوك، وإن حال حالُك، فما أخوك أخوك وإن شككت في شيء من هذا البيان، فسيظهر لك يقينا عند الامتحان، وإن ظفرت يدك منهم، بأخ من إخوان الصفا ! وأين ذاك، أو خِل من خِلّان الوفا، وما أراك، فأنتما غدا كما قال أصدق القائلين: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، ولا يقعدك يا هذا عن الجهاد حبيب أو قريب، فربما افترقتما قبل المغيب، ففاتك الثواب العظيم، وبان عنك الصديق الحميم، وحرمت ما ترومه من الدرجات، وندمت فلم يغنك الندم على ما فات.

ـ وفي الحديث: "إن جبريل u قال للنبي r يا محمد إن الله U يقول لك: عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به".

فانظر ما اشتملت عليه هذه الكلمات اليسيرة، من ذكر الموت وفراق الأحبة، والجزاء على الأعمال أبعد هذا الإنذار إنذار ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾.

ـ وإن قلت: يقعدني منصبي وجاهي الرفيع، وعزي وحجابي المنيع، فليت شعري كم فارق منصبك، محبا له إلى أن وصل إليك، وكم زال ظله من مغبط نفسه به إلى أن ظلل عليك، وسيبين عنك كما عنهم بان، وكأنك بذلك وقد كان، فإذا أنت لفراقه ثكلان، وقلبك مغمور بالحسد، وصدرك معمور بالأحزان، فلم يدم لك ما أنت فيه من المنصب والجاه، ولم تفز بما أنت طالبه من أسباب النجاة، وإن ِلآخِرَ من يخرج من النار، ويدخل بعد الداخلين، مثل ملك أعظم من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله معه أجمعين، فما ظنك بمن يكون مع السابقين الأولين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مع ما لا يخفى عليك مما في المنصب، من النصب والتعب وشر العاقبة وسوء المنقلب، وما تكسب به من كثرة الأعداء والحساد، وما اشتملت عليه بواطنهم من الضغائن

والأحقاد، وشماتتهم بك عند زواله، وتلهفك حزنا على ما فات من إقباله، وزوال أكثر حشمك وخدمك، وإعراض من كان يسر بتقبيل قدمك.

ـ وقد روي: "إن في الجنة يأتي الملك الكريم، بمنشور من الرب العظيم، فيه مكتوب من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي لا يموت، يا عبدي إني أقول للشيء: كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون ".

ـ وفي الحديث: "إن أدق أهل الجنة منزلة من يقف على رأسه خمسة عشر ألف خادم وإن أدق لؤلؤة على رأس أحدهم لتضيء ما بين المشرق والمغرب".

ـ وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه: "أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء، واسمع قول العزيز الغفار: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ # سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، تالله هذا ما تقر به العيون، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

ـ وإن قلت: يشق علي فراق قصري وظله، وبنائه المشيد وعلو محله، وحشمي فيه وخدمي، وسروري ونعمي، فليت شعري هل هو إلا بيت من طين وحجر وتراب، ومدر وحديد وخشب، وجريد وقصب، إن لم يكنس كثرت فيه القمامة، وإن لم يسرج فما أشد ظلامه، وإن لم يتعاهد بالبناء فما أسرع انهدامه، وإن تعاهدته فمآله إلى الخراب، وعن قليل يصير كالتراب، يتفرق عنه السكان، وتنتقل عنه القُطَّان، ويعفو أثره ويندرس خبره، ويمحى رسمه، ويُنسى اسمه.

ـ وقد روي: أن الله U لما أهبط آدم u إلى الأرض قال: "ابن للخراب ولد للفناء".
ـ وفي الخبر: إن لله ملكاً ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب.


استبدل أيها المغرور، قصرك مع سرعة فنائه، بدار باقية قصورها عالية. وأنوارها زاهية، وأنهارها جارية، وقطوفها دانية، وأفراحها متوالية.

ـ إن سألت عن بنائها، فلبنة فضة، ولبنة ذهب، ولا تعب فيها، كلا ولا نصب، وإن سألت عن ترابها، فالمسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها، فاللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن أنهارها، فأنهار من لبن، وأنهارُُ من عسل، ونهر الكوثر، وإن سألت عن قصورها، فالقصر من لؤلؤة مجوفة، طولها سبعون ميلاً في الهواء، أو من زمردة خضراء، باهرة السنا، أو ياقوتة حمراء، عالية البناء، وللمؤمن في كل زاوية من زواياها أهل وخدم، لا يبصر بعضهم بعضاً لسعة الفناء، وإن سألت عن فروشها فمن استبرق بطائنها، فما ظنك بظهائرها، وهي مرفوعة بين الفراشين أربعين سنة، وليس عليها نوم ولا سنة، بل هم عليها متكئون مقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وإن سألت عن أكلها، فموائدها موضوعة، وأكلها على الدوام، وثمارها لا ممنوعة ولا مقطوعة لطول المقام، بل فاكهة نضيجة، مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، ويسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لا يتغوط أهلها، ولا يبولون، ولا يبصقون، ولا يمتخطون، أكلهم يرشح من جلودهم كالمسك ريحاً، ولوناً كالجمان، فإذا البطن قد ضمر، كما كان، وإن سألت عن خدمها، فالولدان المخلدون، قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا # وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا # عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا # إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾، وبالجملة فكل ما ذكرت لك، هو كما جاء في الخبر، وإلا ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن سألت عن مدة بقائهم في هذا النعيم العظيم، والمقام الكريم الجسيم، فهم أبدا فيه خالدون، أحياء لا يموتون، شباب لا يهرمون، أصحاء لا يسقمون، فرحون لا يحزنون، راضون لا يسخطون، من خوف القطيعة والطرد أبداً آمنين، في مقامٍ أمين: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقس بعقلك ما بين هذا الملك العظيم الخطير، وبين قصرك ذي العمر القصير، والقدر اليسير، وانظر إذا فارقته بالشهادة إلى ماذا تصير، إن المقام فيما أنت فيه لغرور، ولا يُنَبِّئُكَ مثل خبير.

ـ وإن قلت أرغب في التأخير لإصلاح العمل، فهذا أيضا ناتج من الغرور، وطول الأمل، وتالله ما تمَّ تأخير في الأجل المقدور: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ # إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ليس هذا واللّه إلا من مصايد إبليس اللعين، لا من مقاصد الأولياء، والصالحين، أليس الصحابة وأخيار التابعين، أولى منك بهذا القصد إن كنت من الصادقين، لو ركنوا إلى تأخير الآجال، لما ارتكبوا في الله عظيم الأهوال، ولما جاهدوا المشركين والكفار، واقتحموا البلاد والأمصار، ألا تصغي بأذنك يا هذا المفتون، إلى قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ألا تلقي بالك؟ إن كنت فطينا فهيما، وتفكر في قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
ـ وفي الحديث: "إن قيام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادته في أهله سبعين عاماً".

ـ أيها المغرور، وإن نوم المجاهد أفضل من قيام الليل، وصيام الدهور، وسيأتي لهذا مزيد بيان، وبالله المستعان.

ـ وهب أنك صادق فيما تقول، أليس عملك متردداً بين الرد والقبول؟ أليس أمامك ما يفزع ويهول، أليس قدامك يوم الحشر المهول؟ ولا والله تدري هل ينجيك عملك، إن عملت أو يرديك، والله يعلم ما تخفون وما تعلنون، ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون.

ـ وإن قلت: لا تطيب نفسي بفراق زوجتي وجمالها، وأنسي بقربها، وسروري بوصالها، فهب أن زوجتك أحسن النسوان، وأجمل أهل الزمان، أليس أولها نطفة مذرة وآخرها جيفة قذرة، وهي فيما بين ذلك تحمل العذرة، حيضها يمنعك شطر عمرها، وعقوقها لك أكثر من برها، إن لم تكتحل تعمشت عينها، وإن لم تتزين ظهر شَيْنُها، وإن لم تمتشط شعثت شعورها، وإن لم تدهن

طفى نورها، وإن لم تطيب تفلت، وإن لم تتطهر نتنت، كثيرة العلل، سريعة الملل، إن كبرت أيست، وإن عجزت هرمت، تحسن إليها جهدك، فتنكر ذلك عند السخط، كما قال r: "لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط".

تروم منها أقذر ما فيها، وتخاف هجرها، وتخشى تجافيها، يحملك حبها على الكد والتعب، والشقاء الشديد والنصب، توردك الموارد المهلكة، وترضى في أدنى هواها بهلاكك وما أوشكه، تودك لمرادها منك، فإن فات أعرضت عنك، وهجرتك وطلبت سواك، وملتك وأظهرت قلاك، وقالت بلسان حالها، إن لم تفصح بمقالها، واصلني وأنفق، أو فارقني وطلق، وبالجملة لا يمكن أن تستمتع بها إلا على عوج، ولا تدوم صحبتك إياها إلا مع ضيق وحرج، يالله العجب، كيف يقعدك حب هذه، عن وصال من خلقت من النور، ونشأت في ظلال القصور، مع الولدان والحور، في دار النعيم والسرور، والله لا يجفُّ دم الشهيد حتى تلقاه، وتستمتع بشهود نورها عيناه، حوراء عيناء، جميلة حسناء، بكر عذراء، كأنها الياقوت، لم يطمثها إنس قبلك ولا جان، كلامها رخيم، وقدُّها قويم، وشعرها بهيم وقدرها عظيم، جفنها فاتر، وحسنها باهر، وجمالها زاهر، ودلالها ظاهر، كحيل طرفها، جميل ظرفها، عذب نطقها، عجب خلقها، حسن خلقها، زاهية الحلى، بهية الحلل، كثيرة الوداد، عديمة الملل، قد قصرت طرفها عليك، فلم تنظر سواك، وتحبب إليك، بكل ما وافق هواك، لو برز ظفرها لطمس بدر التمام، ولو ظهر سوارها ليلا، لم يبق في الكون ظلام، ولو بدا معصمها لسبى كل الأنام، ولو اطلعت بين السماء والأرض، لملأ ريحها ما بينهما، ولو تفلت في البحر المالح، عاد كأعذب الماء، كلما نظرت إليها ازدادت في عينك حسنا، وكلما جالستها زادت إلى ذلك الحسن حسنا، أيجمل بعاقل أن يسمع بهذه ويقعد عن وصالها، كيف وله في الجنة من الحور العين أمثال أمثالها.

واعلم أن فراق زوجتك تلك لا بد منه، وكأن قد وقع، والجنة إن شاء اللّه تجمع بينكما ونعم المجتمع، وما بينك وبين وصلها إن كانت من الصالحات، إلا وقت لا بد من فراقك لها فيه وهو الممات، فتجدها في الآخرة أجمل من الحور العين بما لا يعلمه إلا رب العالمين، قد ذهب ما تكره منها، وزال ما يسوء عنها، وحسن خُلُقُها، وكمل خَلْقُها، كحلاء نجلاء، حسناء زهراء، بِكْرًا،

عذراء، قد طهرت من الحيض والنفاس، وكرمت منها الأنواع والأجناس، وزال اعوجاجها، وزاد ابتهاجها، وعظمت أنوارها، وجل مقدارها، وفضلت على الحور العين في الجمال، والأنوار، كفضلهن عليها في هذه الدار، فاعرض عنها اليوم لله فسيعوضك الله عنها، وإن كانت من أهل الجنة فلابد لك منها، ولا يلهينك يا هذا عن دار القرار، الاغترار بشيء من زخرف هذه الدار، فوالله ما هي بدار مقام، ولا محل اجتماع والتئام، دار إن أضحكت اليوم أبكت غدا، وإن سرت أعقب سرورها الردى، وإن جلَّت فيها النعم جميعا، حلَّت فيها النقم سريعا، إن أخصبت أجدبت، وإن جمعت فرَّقت، وإن ضمت شتت، وإن نقصت تغصت، وإن أغنت عنت وإن زادت أبادت، وإن عقرت دمرت، وإن أسفرت أدبرت، وإن راقت أراقت، وإن صافت حافت، وإن عمَّت بنوالها غمَّت بوبالها، وإن جادت بوصالها جاءت بفصالها، قربها بعيد، وحبيبها طريد، شرابها سراب، وعذبها عذاب، دار الهموم والأحزان، والغموم والأشجان، والبين والفراق، والشقاء والشقاق، والوصب والنصب، والمشقة والتعب، كثيرها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وجليلها حقير، غزيرة الآفات، كثيرة الحسرات، قليلة الصفا، عديمة الوفا، لا ثقة بعهودها، ولا وفت لوعودها، محبها تعبان، وعاشقها ولهان، والواثق بها خجلان، قد سترت معايبها، وكتمت مصائبها، وأخفت نوائبها وخدعت بأباطيلها، وغرت ببراطيلها، ونصبت شباكها، ووضعت أشراكها وبهرجت زيفها، وجردت سيفها، وأبدت ملامحها، وسترت قبائحها، ونادت الوصال الوصال أيها الرجال، فمن رام وصالها، وقع في حبالها، وبدا له سوء حالها، وعظم نكالها، ووقع في أسرها، لجهله بشرها، وحاق به مكرها، حيث لم يتبصر في أمرها فعضّ يديه ندما، وبكى بعد الدمع دما، وأسلمه ما طلب، إلى سوء المنقلب، وجهد في الفرار فما أمكنه الهرب، فتيقظ لنفسك، يا هذا قبل الهلاك. وأطلق نفسك من أسرها قبل أن يعسر الفكاك وانهض على قدم التوفيق والسعادة، عسى الله أن يرزقك من فضله الشهادة، ولا يقعدك عن هذا الثواب، سبب من الأسباب، فذو الحزم السديد، من جرد العزم الشديد، وذو الرأي المصيب من كان له في الجهاد نصيب، ومن أخلد إلى الكسل، وغرَّه الأمل، زلت منه القدم، وندم حيث لا يغني الندم، وقرع السن على ما فرط وفات، إذا شاهد الشهداء في أعلى الغرفات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل.


مناظرة بين مجاهد ومعارض

دخل شاب يعلو وجهه الحياء، عليه آثار الطاعة، أحد المساجد الكبيرة فوجد حلقة علم كبيرة، يتوسطها شيخ قارب الخمسين من عمره أو تجاوزها بقليل، وهو يشرح في أحد الكتب، وحوله الطلاب يكتبون عنه ما يقول، فوقف على الحلقة فأشار عليه الشيخ بأن يجلس..

فقال الشاب: لم آت لأجلس.

فقال الشيخ: ماذا تريد؟

قال الشاب: أريد أن أسألك سؤالاً..

فقطع الشيخ درسه, وقال تفضل, اسأل..

فقال الشاب: ما الحل؟

فقال الشيخ: أي حل؟

قال الشاب: حل ما نحن فيه من الذل والهوان الذي نعيشه، والمآسي والجراح التي في كل بقاع الإسلام، وجموع الصليبيين نزلت في بلاد المسلمين، وبدأت الحرب الصليبية الجديدة...
فتفاجأ الشيخ بهذا السؤال، فسكت برهة ثم قال:
اعلم أن الله أرسل محمد r رحمة للعالمين، وأعطاه نوراً يهدي به من يشاء، وقد أمره أن يبلغ دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفع بالتي هي أحسن، لكي يكسب قلوب أعدائه، فيدخلون


في هذا الدين.. فعلينا أن نسير على طريقه في الدعوة.. وإيجاد طرق كثيرة لإيصال الدين لغير المسلمين.

فقال الشاب: فأين الجهاد؟

قال الشيخ: الجهاد فريضة وشعيرة من شعائر الدين عظيمة ومن أنكرها فهو كافر..

قال الشاب: إذاً لماذا لا نجاهد في سبيل الله وندفع العدو عن بلاد المسلمين؟!

قال الشيخ: لكن الجهاد له شروط، إذا تحققت بدأنا الجهاد.. وأيضاً لابد من التكافؤ بيننا وبين أعدائنا.

قال الشاب: لا اعرف أحدا من أهل العلم قال إنه يجب أن يكون للجهاد شروط إذا كان الجهاد دفعاً للعدو الصائل المفسد للدين والدنيا.
بل قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله (أما العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ليس أوجب بعد الإيمان من دفعه) وحالنا الآن هي جهاد دفع، ومن وضع الشروط فعليه أن يثبت بالدليل أن جهاد اليوم ليس جهاد دفع، والشروط التي وضعت الآن هي في جهاد الطلب فقط.
ثم من قال: إنه يجب أن يكون بيننا وبين الكفار تكافؤ في العدد والعدة؟!! هذا القرآن بين أيدينا فقد قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (66) سورة الأنفال، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ (13) سورة آل عمران, وقال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (249) سورة البقرة.


وهذه سرايا النبي r وغزواته لم يتحقق فيها التكافؤ الذي ذكرت.. فهذه بدر وأحد والخندق ومؤتة وغيرها شاهدة على أنه لا يجب التكافؤ، بل إن الكثرة كانت أحد أسباب الهزيمة في غزوة حنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (25) سورة التوبة، فنحن نقاتل العدو بالإيمان الذي في صدورنا، وثقتنا بنصر الله U لجنده، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (7) سورة محمد، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (173) سورة الصافات، فمن أين أتت مقولة أنه لابد من التكافؤ؟!

قال الشيخ: لكن نحن لا يوجد عندنا أسلحة متطورة، ولا يوجد لدينا أماكن للتدريب.

قال الشاب: وهل من الضروري للجهاد أن يكون لدينا أسلحة متطورة، والله U يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (60) سورة الأنفال، فالله لم يكلفنا مالا نطيق، بل أمرنا أن نعد للجهاد ما نستطيع، ولو كنا لا نستطيع أن نتدرب إلا على رمي الحجارة لعذرنا الله في ذلك، فالله كفيل بأن ينصرنا إذا قمنا بما أمرنا به على أكمل وجه، والله U قد نصر موسى u بعصا, ونصر النبي r في بدر بحفنة تراب، ونصره في الخندق بالريح، فالمهم أن يكون عندنا صدق وإعداد - بما نستطيع، ثم إذا قمنا بما نستطيع ولم نفرط في شيء فالنتيجة بيد الله تعالى.. إن شاء نصرنا وإن شاء غير ذلك، ثم ولله الحمد كل شيء متوفر لك للإعداد من الأسلحة وغيرها، وأماكن التدريب موجودة، فالصحاري والجبال كثيرة، ولا يشترط أن يكون التدريب جماعي، بل كلٌ يقوم بما أمره الله حسب استطاعته.
قال الشيخ: نحن نحتاج أن نسير بخط متوازي مع الأحداث، والابتعاد عن أسلوب المواجهة، والحفاظ على مكتسبات الدعوة التي بنيت منذ سنين طويلة، فلو أثيرت هذه الأمور فستتعطل حلقات تحفيظ القرآن، ودروس العلم في المساجد، وتغلق التسجيلات الإسلامية، ويمنع الدعاة من إلقاء الخطب، وبهذا نمنع الخير بسبب أمر لا نعلم ما هي عاقبته.


قال الشاب: اسمح لي أن أبين لك كل نقطة على حدة:
أما قولك: أن نسير مع الأحداث في خط متوازي، فهذا لا يمكن بحال لأنه مخالف لدين الله، ومخالف لسنن الله في الأرض من المواجهة بين الحق والباطل قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (31) سورة الفرقان، وفي الحديث الصحيح حينما قال ورقة بن نوفل للنبي r: (ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي)، فلا يمكن أن يسير أولياء الله الداعين إلى الخير والهدى مع أهل الردة والفجور والفسق والزندقة بحال, إلا أن يبيع أهل الخير دينهم لهؤلاء، ويميعوا قضية الولاء والبراء، ويرون التعايش مع أمم الكفر النصرانية، وهذا هو الذي يجعل الدعوة تسير بخط متوازي مع الأحداث، حيث لا ولاء ولا براء ولا جهاد ولا نبذ للمعبودات من دون الله ولا مفاصلة مع الطواغيت، وهذا لا أعتقد يقوله مسلم إلا من أعمى الله بصيرته.
وأما قولك: الابتعاد عن المواجهة، إذاً ما هي فائدة القرآن إذا لم يكن هناك صدع بالحق وتسفيهاً لأحلام الطواغيت، وعيب آلهتهم، وبيان ما هم فيه من ضلال، والله U يقول لنبيه r: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (94) سورة الحجر، ومعلوم أن النبي r أُمر أن يصدع بالتوحيد وأن يأمر قومه بنبذ عبادة الأصنام وعبادة الله وحده، ولماذا أُُُخرج النبي r والمهاجرين من ديارهم إلا بسبب المواجهة والصدع بالتوحيد، فلم يرضى منهم الكفار ذلك ولن يرضى الطواغيت إلا بالطرد والسجن والقتل لكل من عاب آلهتهم وسفه أحلامهم، ولست أقصد هنا المواجهة المسلحة فهذه لها شروطها، ولكن بيان العقيدة الصحيحة في الأحداث, وعدم الخوف ودس الرؤوس في التراب,وتحمل الأذى في سبيل الله والصدع بالحق، لأن السكوت رضاً بالباطل وتلبيس على الأمة في دينها، والعلماء هم أولى من يصدع بالحق لأنهم هم ورثة الأنبياء.
وأما قولك: والمحافظة على مكتسبات الدعوة، والله إني لأعجب، كأن أهل العلم لم يقرؤوا القرآن، ولم يعلموا سيرة النبي r في العهد المكي وكيف كان يصدع بالتوحيد، وبيان بطلان عبادة الأصنام، وغالب ما نزل في العهد المكي من القرآن الكريم كان حول العقيدة والصبر على الدعوة وتحمل الأذى في سبيل الله، وبيان سير الأنبياء في الصدع بالحق، وقد تكررت قصة موسى u مع فرعون لبيان منهج الطغاة في التعامل مع الدعاة والمصلحين.. فكيف نترك طريقه الأنبياء ونحكم عقولنا؟! ثم ألم يكن النبي r أعلم منكم في كيفية مواجهة الأحداث التي مرت عليه؟! وهو

يقدر على أن يجعل له تحت ظلال الكعبة حلقة علم, ويغض الطرف عن الأصنام حول الكعبة، ويدعو صناديد قريش الصادين عن ذكر الله والقامعين للصالحين والمؤذين للمؤمنين بالحكمة وتغليب جانب المصلحة والمحافظة على مكتسبات الدعوة ولم يضطر إلى المواجهة, حتى ضرب وجهه ووضع سلى الجزور على ظهره, وخنق بردائه حتى كادت تزهق نفسه.. وعذب أصحابه بصنوف العذاب والأذى، وعندما وقفت قوافل الداخلين في الإسلام أُمر من ربه بالهجرة والمفاصلة.. وعند استقراره في المدينة سَلًَّ السيف على قومه وأرغم أنوفهم، وهؤلاء الصحابة y بعد وفاة النبي r هل قالوا نبقى في المدينة ونحافظ على مكتسبات الدعوة وقد جاهدنا مع النبي r؟! بل إنهم بعد وفاة النبي r دخلوا أعظم دولتين في ذلك الوقت، ووصلوا إلى حدود الصين وأطراف فرنسا.. فأين نحن منهم إذا كُنَّا نَدَّعي أننا أتباع السلف الصالح؟! أم أننا نتابعهم في كل شيء إلا في هذا الأمر؟! والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (21) سورة الأحزاب، فالذين يرجون الله واليوم الآخر وما فيه من نعيم للمتقين هم الذين يضحَون بكل شيء في سبيل الله والجهاد في سبيله, ويتحملون صنوف الأذى لتبليغ دين الله وإخراج العباد من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، وأعظم مكسب للدعوة إنقاذ الناس من عذاب الله، وفي الحديث: (يأتي النبي ومعه الرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد)، أليس إنقاذ هذين الرجلين من النار مكسب؟ مع أن الداعي نبي وليس شخص عادي.. أي أنه مؤيد بالوحي, ولم يسلم غيرهما من أمة ذلك النبي المذكور في الحديث..
ثم إن مكتسبات الدعوة ليست بأهم من الصدع بالتوحيد، فأي فائدة في شريط أو كتيب أو مجلة لا تذكر توحيد الله خالصاً؟ وإن دعت إليه فمن طرف خفي، وتنظيراً لا تطبيقاً!!
ثم إني سائلك بالله هل مكتسبات الدعوة التي تتحدث عنها في ازدياد أم في تناقص؟ والواقع يشهد كل يوم انتكاسة جديدة لمكتسبات الدعوة.
وقلت: نمنع الخير لأمر لا ندري ما عاقبته!!
أقول إن الله لما أمر بالجهاد والإعداد ومواجهة طواغيت الأرض، يعلم النتيجة مسبقاً وما ستئول إليه الأحداث، ونحن وعدنا بالنصر إذا قمنا بأمر الله..
أما النتيجة فبيد الله ينصر من يشاء ويذل من يشاء، والله يعلم أن في الجهاد ومواجهه الطواغيت، القتل والدمار والأسر والسجن والتعذيب، والأمر بيده وحده، ونحن لسنا مطالبون بالنتيجة بل

مأمورون بالقيام بما نستطيع، والله U يقول لنبيه r: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (46) سورة يونس، وهؤلاء أصحاب الأخدود أحرقوا جميعاً بالنار لما آمنوا.. وجعل الله ذلك العذاب فوزاً كبيراً.. فنحن علينا القيام بالأمر والله المتصرف بملكه.. ثم نحن موعودون بإحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة.

قال الشيخ: يبدوا أنك متحمس، ولا تدرك الأمور جيداً.

قال الشاب: إذا كان حماسي منضبط بالضوابط الشرعية فهو محمود, وماذا تقول في حماس عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب، حينما قالا للنبي r وهو في دار الأرقم بن أبي الأرقم أخرج بنا نطوف بالبيت، فخرجوا في صفين والنبي r بينهما؟ فأما إدراك الأمور فكل سيدّعي أنه مدرك للأمور كما تدعي ولكن الضابط في ذلك ما وافق الأدلة الشرعية وكان اتقى لله وأنفع للخلق.
قال الشيخ: أنت تطالبنا أن نخرج للجهاد فمن يربي الناس ويعلمهم دينهم إذا خرجنا وتركنا الساحة للمنافقين والعلمانيين؟!

قال الشاب: لقد خرج النبي r في كثير من غزواته ولم يقل كما قلت لمن نترك تربية الناس علما أن المدينة في وقته كانت مليئة بالمنافقين والمتآمرين على الدين الجديد، وكان فيها أيضا اليهود وهم يحيكون المؤامرات ضد الإسلام، فهل أنتم أحرص على الدين من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وهم أتقى لله ممن جاء بعدهم؟!
فكيف تقولون بقول لم يقله خير القرون؟ ثم إن الله حافظ دينه، والجهاد متعين في هذا الوقت.. ولا يعقل أن تجلس تدرس والأمة تباد وتقتل وتنتهك أعراض الحرائر من المسلمات، والإسلام جاء لحفظ الضرورات الخمس.. والبلد هنا مليء بالعلماء وطلبة العلم.. وديار المسلمين تنتشر فيها البدع والخرافات والشركيات, خصوصاً ما كان تحت الاستعمار الشيوعي ولا يوجد بها إلا القلة من العلماء.. فلماذا لا تخرج وتعلم الناس هناك وتجاهد بنفسك وعلمك فيكون لك الأجر مضاعف؟ أم أن التعليم لا يكون إلا في بلدك؟ والصحابة تفرقوا بعد وفاة النبي r في أطراف الدنيا يعلمون الناس أمور دينهم.. أم أنهم قدوة لنا إلا في هذه والجهاد؟!

ومعلوم أنه من المتعذر قدوم ألئك المسلمين لطلب العلم لأسباب لا تخفى عليك.. وأهل تلك البلاد متعطشون للعلم ومعرفة أمور دينهم وهذا مشاهد من واقعهم.. فالنفع هناك أعظم وفي هذه الحالة التعين على العلماء أوجب من غيرهم.

قال الشيخ: ولكني لا أستطيع أن أذهب, لأني مرتبط بدروس ومحاضرات في الجامعة, ولي نشاط في مكتب الدعوة, وأفتي الناس عن طريق الهاتف يومياً، وأنا مشرف على أحد المواقع الإسلامية في الإنترنت.. فبذهابي للجهاد ستتعطل هذه الأعمال, ويحرم الناس الخير.. وغيري يقوم بالجهاد.. مع علمي بفضل الجهاد ومنزلته في الإسلام.

قال الشاب: لم أجد في ما ذكرت من الأعذار أنها وردت في القرآن الكريم من الأعذار الشرعية المقعدة عن الجهاد. والأمر بسيط جداً.. فبإمكانك إذا ذهبت للجهاد أن تقيم دروس ومحاضرات، وتبدأ الدعوة في بلاد المسلمين المنكوبة.. ثم هذه حجج من لا يريد الذهاب للجهاد.. فهل أنت أفضل من النبي r؟! فإنه كان المعلم، والمربى وإمام الصلاة وخطيب المسجد، والمصلح بين المتخاصمين، وعاقد الأنكحة، والداعية، والقاضي، وقائد الجيش و والمكاتب للملوك, والراد على حجج اليهود.. وإذا نادى داعي الجهاد يكون في المقدمة.
وهل أنت أفضل من أبي بكر وعمر والصحابة الكرام y؟! فإنهم إذا سمعوا داعي الجهاد نفروا ولم يلتفتوا إلى الوراء وتضحياتهم معروفة.. أم أن سيرتهم فقط للقراءة والمتعة وتقطيع الأوقات وتسلية شباب الصحوة المخدر بالحكمة والمصلحة؟!
وهل العلماء المتعذرون بهذه الأعذار يرغبون بأنفسهم عن طريق لم يرغب به النبي r والصحابة y بأنفسهم، بل بذلوا النفس والنفيس في هذا الطريق.

قال الشيخ وقد بدأ الغضب عليه، وبدأ العرق يتصبب من جبينه وهو يرى أنه أُحرج أمام طلابه: أنت مجادل.

قال الشاب: أحقٌ أم باطل؟

قال الشيخ: أشمُ من كلامك أنك تنتقص العلماء وتعيب عليهم القعود.

قال الشاب بلهجة الواثق بالله: معاذ الله أن أنتقص العلماء الصادقين المجاهدين المضحين لدينهم؟!
أما قولك أني أنتقص العلماء فليس لأحد قدسية ولا عصمة ماعدا رسول الله r.. أما غيره فمن أصاب فله منا الاحترام والتقدير, ومن أخطأ منهم فينظر, إن كان عن اجتهاد منه ولم يخالف نصاَ شرعيا فهو معذور مأجور..
أما قولك أني أعيب على العلماء القعود عن الجهاد، فأين أنت من قول الله U للصحابة الكرام y وهم خير القرون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ # إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فأي الفريقين أحق بالعذاب؟ هل هم الذين خرجوا من ديارهم وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله وبذلوا كل شيء لنصرة هذا الدين من الصحابة الكرام، أم العلماء الذين تركوا الجهاد وقعدوا مع الخوالف ورضوا بالحياة الدنيا الفانية، وهم يرون العدو الصليبي يلتهم بلاد المسلمين بلدا تلو بلد, وهم لا يحركون ساكناَ, حتى النصرة باللسان لم يقوموا بها, كأن الأمر لا يعنيهم إذا سلمت لهم دنياهم.
قال الشيخ: أنتم أيها المجاهدون متسرعون، وليس عندكم علم, وأعمالكم ردود أفعال خرجتم للجهاد هربا من واقع الحياة، وكثير منكم لم ينجح في حياته العملية.

قال الشاب: هب أننا متسرعون وليس عندنا علم فأين أنت يا صاحب العلم والمعرفة والحكمة؟! لم لم تأت إلينا وتعلمنا وتقيم لنا الدروس؟!!
ووالله لو جئت إلينا أنت والعلماء، لوضعناكم فوق رؤوسنا, بشرط أن تأتوا إلينا في ساحات المعارك وحومة الوغى, لا أن تنتقدونا وأنتم على الأرائك.
إن تخلي أهل العلم عن قيادة الأمة هو من أسباب هوانها..وأنا لا أدعي أن المجاهدين ليس عندهم أخطاء, ولكن هي مغمورة في بحر دمائهم التي سالت على الأرض لتروي شجرة العقيدة والدفاع عن الأعراض المستباحة.


أما قولك أن أعمالنا هي ردود أفعال, فأعمال المجاهدين هم أعلم بها من القاعدين،لأنهم يرون مالا يراه الآخرون..
وهم الذين يقدرون المصالح والمفاسد في العمل وليس لكل قاعد أن ينتقدهم بحسب ما يرى هو أنه مفسدة وهي عند المجاهدين من المصالح.. والتقدير لهم دون غيرهم.
وللمعلومية, فإن أكثر البحوث الفقيهة في مسائل الجهاد هي من تأليف المجاهدين.. ثم إن أكثر عمليات المجاهدين التي يقومون بها في كل مكان هي محاولة لصد العدو من الزحف على باقي ديار المسلمين، فهي جهد المقل.
ولو وضعت الأمة يدها في يد المجاهدين لأمكن كسر شوكة العدو، ولكن لما خٌذل المجاهدون من الأمة المتخاذلة أصبحت ضرباتهم تُستنكر ويلمزون بها، وما درت الأمة أن هذه الضربات هي من أجلها وفي سبيل رفعتها.. وهي أيضاً انتقام لإخواننا المستضعفين في الأرض ومحاولة تخفيف الضغط عليهم...
وقل لي بربك عن غزوات النبي r، هل هي ردود أفعال أم لا؟!
فقد غزى r بني لحيان وعضل والقارة لما غدروا بالقراء من أصحابه, وقتلوا منهم سبعين رجلاً، ألم يكن فعله r إنتقاما لإصحابه وتأديبا لهذه القبائل؟
ألم يكن قتله لكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الحقيق لأنهم حرضوا على المسلمين وتشبيب ابن الأشرف بالصحابيات الفاضلات؟ فقد أرسل لهم من يقتلهم في بيوتهم وحصونهم دفاعا عن الإسلام وأعراض المسلمات..
فهل التغزل والتشبيب ووصف المسلمات، أشد في نظرك من الأغتصاب والقتل وإستباحة ديار المسلمين؟!
وقصة قتل النبي r للعرنيين الذين أخذوا لقاح النبي وقتلوا الراعي وسملوا عينيه، هي رد فعل منه r للدفاع عن أصحابه...
بل إن أغلب الحدود الشرعية هي ردود أفعال.. وعلى المنكر لهذه الأفعال أن يأتي بالدليل على حرمتها، لا أن ينتقدها بدون علم.
فأفعال المجاهدين من قبيل الانتقام للمسلمات والذب عن بيضة الإسلام بما يستطيعون..


وإن أخطأنا في شيء فهو خطأ مغفور بإذن الله..لأننا عملنا الجهد.. والأمر لله من قبل ومن بعد.. أما قولك أننا هربنا من واقع الحياة ولم ننجح في حياتنا العملية..
فنعم نحن هربنا من حياة الذل والخنوع إلى حياة العز والرفعة والتعالي عن رغبات النفس، وهل هذه الدنيا التي تدعي أنّا هربنا منها هي دار قرار أم دار ارتحال؟!
وإذا كان الله لم يرتضيها لخليله وصفيه من خلقه، فهل نرضاها نحن لأنفسنا،وهي سجن المؤمن وجنة الكافر؟!
وقد أمرنا حبيبنا r أن نقلل من الدنيا وأن نكون فيها كعابر السبيل..
وأي فرح وسرور بهذه الدنيا, والذل مضروب على رقابنا, والعدو يصول ويجول في ديار المسلمين ويسومنا سوء العذاب, كأننا عبيد له، لا يرفع سوطه عنا؟!
وهل طموحات المؤمن في الحصول على متع الدنيا أم رغبة في الآخرة ونعيمها؟! وقد قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (74) سورة النساء.
وعندما دل الله المؤمنين على الحياة لم يدلهم على تجارات الدنيا بل دلهم على طريق الجهاد الذي فيه التجارة مع رب العالمين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (10) سورة الصف، هل الذي يبحث عن الطريق الذي دل الله عليه عباده المؤمنين يعتبر لم ينجح في حيات وهارب من الحياة؟! هل الهارب من الله إليه من الفاشلين في حياتهم العملية؟!
وقد سمَّا الله U الذين قدموا مُتع الدنيا على الجهاد من الفاسقين, وعدّ هذه المُتع وان كانت من المباحات من المقعدات والمثبطات عن الجهاد.. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (24) سورة التوبة، فأي خير في دنيا تقعد عن الفوز بالشهادة والرفعة في الدنيا والآخرة؟! ثم أي نجاح تتكلم عنه؟ هل هو أن تحصل على الدكتوراه؟ وأن تكون في وظيفة مرموقة؟!
فقل لي بربك.. ماذا قدم الناجحون في دنياهم لدينهم؟! فكم نرى من الناجحين من لم ينجح في التعامل مع رب العلمين؟! فالميزان عند الله ليس بشهادة تعلق في إطار جميل في مدخل المنزل...

بل بالتقوى.. ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره... والصحابة y سطروا الملاحم في التاريخ بدمائهم وليس بشهاداتهم.. بل بحثوا عن الشهادة الحقيقية, وهي دمائهم التي يعبرون بها عن صدقهم مع الله U..

قال الشيخ: هذا أنتم تبحثون عن ما يؤيد أفعالكم, وتنسون الأدلة الأخرى..

قال الشاب: وهل أفعال المجاهدين خارجة عن إطار الشرع؟ أم أنها أصل من أصوله؟ ثم ما هي الأدلة التي غفل المجاهدون عنها؟

قال الشيخ: أنتم توردون أحاديث الجهاد وتنسون أو تتغافلون عن الأحاديث التي تأمر بلزوم الجماعة وطاعة ولاة الأمر.

قال الشاب: هل خرجنا نحن عن جماعة المسلمين وحملنا السيف على أهل الإسلام؟ ثم نحن لا نطالبكم بالخروج على أهل الإسلام.. بل نقول لكم دافعوا عن أهل الإسلام.. وذبوا عن أعراض المسلمات وأقيموا الجهاد حتى ينكف العدو عن بلاد المسلمين.
وهذا سلمة بن الأكوع t عندما أُخذت لقاح النبي r، خرج وحده في أثر القوم ولم يستأذن النبي r.. بل مدحه النبي r وأكرمه أن أردفه خلفه على ناقته.. وهذا أبو بصير t عندما هرب من المشركين التجأ إلى الجبال على ساحل البحر, وبدأ يهاجم قوافل قريش التجارية, ولم يستأذن النبي r, وهو الإمام في ذلك الوقت.

قال الشيخ: إن الرايات التي تطالبنا أن نذهب للجهاد معها غير واضحة.

قال الشاب: قال تعالى: ﴿وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (167) سورة آل عمران، فهذه حجة من لا يريد الجهاد ولا الخروج في سبيل الله..
والله هو أعلم بخفايا النفوس.. ولذلك أنزل هذه الآية, لعلمه أنه سيأتي أقوام يقولون مثل مقولة المنافقين السابقين.
وهل يذبح من يُذبح من البشر في الديار التي تزعم أن الراية فيها غير واضحة إلا لأنهم مسلمون؟ والله يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ﴾ (72) سورة الأنفال، فرابط النصرة هو الدين وليس الدم أو اللون أو البلد.

قال الشيخ: الذهاب للجهاد في هذه الأيام محرقة ومهلكة للشباب، والشباب هم ثروة الأمة الحقيقية فكيف تريدنا أن نزج بالشباب في محارق رهيبة؟!
والحرب اليوم ليست بسيف ورمح, بل بطائرات وقاذفات وقنابل... ثم ألا ترى المجاهدين يباعون كما يباع الرقيق، ويوضعون في أقفاص الحديد كالحيوانات؟ فهل نقول للشباب أذهبوا كي يكون مصيركم مثل هؤلاء.

قال الشاب بعد أن زفر زفرة من صدره: والله إني أعجب منك..
هل إرسال النبي r لسراياه وفيها صفوة الأمة وخير القرون محرقة ومهلكة؟!
فمعلوم لمن عنده مسكة من عقل أن الحرب ليس فيها إلا القتل والجراح والأسر..
والله يقول: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (111) سورة التوبة، فأخبر المجاهدين أنهم إذا أتموا بيعهم له فإن الثمن هو قبض أرواحهم ومهجهم بالقتل في سبيل الله.. وهذه سرية بئر معونة حيث ´غُدر بالصحابة وقتلوا, وقد أرسلهم النبي r...
فهل قال النبي r انتهينا نوقف الجهاد لأن إرسال السرايا محرقة للصحابة, وصحابتي هم ثروة الأمة؟! بل بعدها مباشرة أرسل النبي r سبعين من القراء من صفوة الأمة فلما نزلوا بمكان اسمه الرجيع، أحاط بهم الكفار وقتلوهم عن بكرة أبيهم.


فهل توقف النبي r عن إرسال السرايا؟ ومعلوم من سيرة النبي r والخلفاء من بعده أنهم ما توقفوا عن الجهاد بسبب ما ذكرت... فكم قتل من الصحابة y بين يدي النبي r، وهو قد جرح وأدمي وجهه وكسرت رباعيته...
وهذا عمر بن الخطاب t لما أصيب جيشه في معركة الجسر في العراق وقد قتل منهم أربعة ألاف على رأسهم قائد الجيش أبي عبيد الثقفي، لم يتوقف ويقول كما قلت.. بل شد العزم وأخذ بالحزم، وأرسل الجيوش تلو الجيوش حتى فتح الله على يديه مملكة كسرى..
أما قولك أن المجاهدين يباعون في الأسواق كالرقيق، فهل المجاهدون اليوم أكرم على الله من صحابة رسول الله r؟! فهذا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة رضي الله عنهم يباعون في أسواق مكة..
فخبيب اشتراه أبناء الحارث بن عامر, لأنه قتل أبيهم يوم بدر، أما زيد فقد اشتراه صفوان بن أميه، ليقتله بابيه أمية بن خلف.. وقد خرجوا بهم إلى خارج حدود الحرم, وقتلوهم ثم صلبوهم على الأعواد فماذا تقول؟ أم أن القتل والأسر محرم على شباب الأمة في هذا الوقت؟!
وهل هناك جهاد بدون دماء وأشلاء وأسر وتعذيب؟! وكيف وصل إلينا هذا الدين؟ أوصل على الأرائك والقصور الفارهة والقعود مع الخوالف؟ أم وصل إلينا بالدماء والأشلاء والتضحيات وبذل المهج رخيصة في سبيل الله نصرة للحق والجهاد في سبيله؟!
أما قولك إن الحرب اليوم ليست بالسيف والرمح، فوا الله إني لأجزم أنه لو كانت الحرب اليوم بالسيف والرمح ما خرجت أنت ومن يقول مقالتك، فالوسائل لا تغير الحقائق..
والله يوم افترض الجهاد على الأمة, علم أنه ستأتي هذه الأسلحة الفتاكة، ولم يقل لا تجاهدوا إذا لم يكن معكم طائرات وقنابل ذرية.. بل أمر عباده الموحدين ببذل جهدهم.. والنصر بيده سبحانه.. وكل شيء يتغير بتغير الزمان, ماعدا التكاليف الشرعية فهي ثابتة لا تتغير..
ولو قلنا بمقالتك لعطلنا الجهاد حتى نملك هذه الأسلحة الفتاكة.. وهذا الذي يريده الأعداء, حتى يلتهموا بلاد المسلمين بلداً تلو الآخر, ونحن ننتظر اليوم الذي نملك فيه هذه الأسلحة.. وقد انتهكت الأعراض واستبيحت الحرمات, وعُلق الصليب على رقاب كثير من أبناء المسلمين..
فهل يرضى الله بكلامك؟ وهل هو حجة لك عند الله بتركك للجهاد والقعود والتخذيل عنه؟ فلا يعقل إذن أن نقاتل الكفار بسيف ورمح وهم بالطائرات والقنابل.. بل نذهب ونعد العدة ونتعلم ما

نستطيع من الأسلحة حتى نحارب أعداء الدين والأيام بين الناس دول والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (140) سورة آل عمران، والمعارك لا تقوم على قوة السلاح بل على قوة العقيدة, حتى ولو كانت الطائفتان المتحاربتان كافرتين.. فالفيتناميون مرغوا أنف الأمريكان في التراب, وهم شعب وثني جاهل بدائي.. والأمريكيون كانوا يمتلكون أضخم ترسانة أسلحة في ذلك الوقت.. خرجوا يجرون أذيال الهزيمة, وهم أذلة صاغرون.. والعهد قريب بالحرب الأفغانية الأولى, وكيف يقوم شعب جاهل أمي بدائي بحرب أعظم دولة في الثمانينات ويدمرونها ويفككونها، ويجعلونها أذل دولة..
والإخوة الشيشانيون يواجهون مئات الآلاف من الجنود الروس, وهم لا يتجاوز عددهم سبعة آلاف مجاهد..ومع ذلك لم يستطع الجيش الروسي القضاء عليهم مع قوته الحربية الضخمة.. وهو كل يوم يتكبد الخسائر تلو الخسائر..
والمجاهدون في فلسطين والفلبين وكشمير وكردستان وإرتيريا والصومال وأوجادين وبورما وغيرها كثير, يقاومون أعداء الله وهم قلة, ومع ذلك لم يستطع العدو الكافر القضاء عليهم..
والتدرب على أحدث الأسلحة موجود في ساحات المعارك.. والمجاهدون ولله الحمد اليوم أتقنوا كثيرا من الأسلحة المتطورة.. بل وصل ببعض الجماعات أن بدأت بتصنيع الأسلحة,مع ما يؤخذ من الكفار من الغنائم, وهي كثيرة ولله الحمد... والذي يريد أن يعد العدة لا يجلس مع النساء ويتباكى على واقع المسلمين.. بل ينفض عنه غبار الخور والجبن ويشمر عن ساعد الجد.. ويلحق بركب المجاهدين.. ويرى بأم عينيه كيف تسطر البطولات على صفحات التاريخ.
ثم أيها الشيخ.. أين عقيدة التوكل والثقة بنصر الله؟! أين الآيات والأحاديث الدالة على أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟! أم إنها فقط للتلاوة والتدريس في حلق العلم وليس لها على أرض الواقع من نصيب؟!أين قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (51) سورة التوبة، وأين قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (154) سورة آل عمران، وأين قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (78) سورة النساء، وأين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (8) سورة الجمعة،

وأين حديث النبي r (يا غلام... إني أعلمك كلمات.. احفظ الله يحفظك...)؟ ثم ألم تقرأ قصة البراء بن مالك t، يوم ألقى بنفسه في حديقة الموت وفيها خمسون ألف مقاتل فقاتلهم وحده حتى فتح باب الحديقة للصحابة ومع ذلك لم يقتل بل أصيب بعدة إصابات شفي منها بعد مدة فعاد إلى ساحات الجهاد حتى قتل في فتح تستر؟!
وهذا خالد بن الوليد.. سيف الله المسلول.. خاض عشرات المعارك ولم يقتل بل مات على فراشه وهو يبكي على نفسه أنه لم يمت في ساحات المعارك وقال قولته المشهورة (لقد خضت مائة معركة.. ولا يوجد في جسمي موضع شبر إلا فيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء) فالتوكل على الله من أجل العبادات القلبية.. ولو لم نؤمن
بالقضاء والقدر لم يخرج الواحد منا من بيته لقضاء حوائجه وطلب رزقه.

قال الشيخ وقد أخذ منه الغضب كل مأخذ: اذهب عنا فقد عطلت درسنا وأضعت وقتنا.

قال الشاب بصوت مبحوح قد خنقته العبرة: اسمع كلمتي.. إن التاريخ لا يُكتب على الأرائك..والأمجاد لا تسطر بالادعاء فقط..والحق، لا يؤخذ بالدعوات السلمية والقنوات الفضائية والبيانات البلاغية..
إن التاريخ لا يكتب إلا بدماء الشهداء.. ولا يضيء صفحاته إلا بالتضحيات..
والحق المسلوب لا يسترجع إلا بحد السيف.. وإن جماجم الرعيل الأول هي السلم الذي ارتقى عليه الدين.. والله ثم والله لن تعود
حقوقنا المسلوبة وتُكف أيدي الغزاة عن أعراض المسلمين إلا بدماء الأبطال من جيل اليوم..
الذين باعوا الدنيا يوم رغبتم بها.. وركلوها بأقدامهم يوم أحتضنتموها بأجسادكم.. ونفروا يوم قعدتم.. وصدقوا مع الله يوم كذبتم.. وضحوا بكل شيء يوم بخلتم.. والله لن تثنيهم ترهاتكم ودعواتكم السليمة وحملاتكم الإعلامية الانبطاحية التي ما هي إلا طعنات في خاصرة الأمة..
أما القاعدون عن ركب العز والفخر فسيكتبون على هوامش صفحات التاريخ.. وقد لا يجدون مكانا لهم على صفحاته.. فالتاريخ لا يسجل بمداده إلا قصص الأبطال.. وإني أقولها لكم..

إن العدو قادم.. وإن لم تتحركوا الآن والعدو على أطراف بلادكم فسيأتي إليكم ويستبيح أعراضكم كما سكتم عن أعراض المسلمات..
وسيبيعكم أنتم وأبناءكم في الأسواق كما تركتم أبناء المسلمين يباعون للنصارى ولم تحركوا ساكناً.. وقد سقطت بغداد وسيسقط غيرها، وليس خبر التتار عنكم ببعيد.. فاستعدوا للتتار الجدد.. وموتوا أعزة وذبوا عن أعراضكم كالرجال... أو موتوا أذلة صاغرون..




ويشمل الأبواب التالية:
· قصص وعبر

· الابتلاء والثبات

· الشجاعة والإقدام

· أبيات رائعة

· البرنامج العلمي



دروس وعبر من قصة واقعية

قال الله تعالى: ﴿وكذلك نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾، فقصص الصالحين والماضين والمعاصرين يستفيد منها المستفيد, ويعتبر منها المعتبر...
وهاهنا قصص من أعجب القصص, ودروس من أعظم الدروس, خاض غمارها إخواننا المجاهدين في الشيشان, بقيادة البطل خطاب - يرحمه الله -.
وإنما أتينا بهذه القصة الطويلة في هذا الكتاب التأصيلي, لما تحويه من فوائد عظيمة لا يستغنى عنها أبداً..
فهذه القصة تتضمن دروساً في الثبات, ودروساً في الإقدام, ودروساً في التضحية والتفاني والصبر والإخاء..
وخاصة ما بين أحداث القصة من تعليقات عن الدروس والعبر المستقاة ...
فيا أخي المجاهد: اقرأ هذه الأحداث, مرة واثنتين, وثلاث, فإن فيها والله عبرا كثيرة, فهي خلاصة تجربة لإخوانك...

أخبار القلم والسيف في رحلة الشتاء والصيف
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وبعد:- يقول الله في محكم كتابه ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ﴾ 104النساء.. فمنذ خروج المجاهدين من بيوتهم للجهاد في سبيل الله لنصرة إخوانهم في العقيدة والدين وهم يتعرضون إلى ابتلاءات تلو الابتلاءات، بداية من جهاد النفس والتغلب على شهواتها، والإعراض عن الدنيا وعن من يرغب فيها، ومروراً بلصوص الطرق والنصابين والمحتالين ثم وعورة الطريق التي يسلكونها من جبال وأنهار ووديان مهلكة حتى يصلوا إلى أرض الجهاد، كل ذلك
والصبر يملأ قلوبهم والرضى بقدر الله يخالط دمائهم، فقد خرجوا هجرة في سبيل الله إيماناً واحتساباً وديدنهم ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً ﴾100النساء.
فهم يعرفون أن طريقهم طريق مليء بالدماء والأشلاء إذ لابد فيه من الصبر والتضحية وتقديم النفس والمال.ولكنهم أصروا على مواصلة الطريق لأن هدفهم الأسمى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.وما أن وصلوا إلى أرض الجهاد أرض الشيشان حتى بدأت سلسلة من الابتلاءات العظيمة ولكن يصحبها حفظ الله للمجاهدين.
وكان من أشد الابتلاءات التي تعرضوا لها في الشيشان تلك المسيرة التي انطلقت من الجبال الجنوبية لدولة الشيشان إلى المناطق الشرقية للدولة، وذلك بعد عزم قادة المجاهدين على تغيير أسلوبهم الحربي والانسحاب من كل المناطق التي يسيطرون عليها إلى مناطق رأى القادة أنها مناسبة لشن حرب عصابات طويلة الأمد ينتج عنها بإذن الله هزيمة مخزية للقوات الغازية، وكانت تلك المسيرة التي رسمها القادة لا تستغرق على الأكثر أربعة أيام رُسم خلالها الطريق وعرفت مداخله ومخارجه، وحينما أراد القادة أمراً قدر الله أمراً لم يكونوا يحتسبوه، لأن الله أبى إلا أن يمحص المجاهدين لقوله ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ 142آل عمران، وقوله ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ 31 محمد، وقد تعرض المجاهدون للتمحيص في هذه المسيرة الطويلة وكان من الابتلاءات التي تعرضوا لها الحصار والجوع والخوف والبرد والمرض والجراح والقتل، وذلك لمدة تزيد على أربعين يوماً، يقول المولى سبحانه ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ 155البقرة.. فقد ذاقوا الجوع ومرارته والخوف و شدته والبرد وقسوته وصبروا على ذلك كله صبر الجبال الراسيات إلى أن مَنَّ الله عليهم بكرمه وحفظه بالفرج، و (إن مع العسر يسراً) وعقيدتهم أن الله لن يضيعهم ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، لقد ضربوا أروع البطولات في الصبر على الآلام القاسية والمواقف الصعبة وسطروا أعمالا جليلة يجب على

التاريخ أن لا ينساها لهم، فكم قطعوا من مسافات وكم صعدوا جبالا وهضابا وهبطوا أودية ومنحدرات خطيرة كل ذلك سيرا على الأقدام يخرجون من حصار ويقعون في حصار آخر، ينجون من موقف ويقعون في آخر.
وقد جاءت تلك المسيرة بعد أن تصدوا لقوى الشر على قمم الجبال العالية لستة أشهر ضربوا خلالها أروع البطولات والتضحيات في النصر على قوى الكفر و أضخم جيش في العالم، هو الجيش الأحمر الروسي المزود بأحدث العتاد الحربي، لقد ثبتوا أمام الجيش الروسي ثباتا تعجز عنه الجيوش المنظمة، وكانت تلك المسيرة من أروع المناورات فهي بحد ذاتها وما صاحبها من رعاية الله وتوفيقه تعد انتصاراً يسجل للمجاهدين على الجيش الروسي لعدة أسباب هي : 1- أن الجبال والطرق العامة المحيطة بالمنطقة التي تحركت فيها المسيرة كلها بيد الروس. 2- ضخامة عدد المنسحبين من المواقع وكان يبلغ عددهم [1250] مجاهدا ولا يمكن لمثل هذا العدد الضخم أن ينجو من المخاطر أثناء الانسحاب لسهولة كشفه ولصعوبة تحركه أيضاً. 3- العدد الهائل للقوات الروسية في المنطقة الممتدة على طول طريق المسيرة. 4- كثافة استخدام سلاح الجو الروسي في تلك المناطق والقصف المتواصل عليها أيضاً. 5- عدم وجود أي غطاء جوي أو مضادات جوية للمجاهدين أثناء الانسحاب. 6- قلة عدد القتلى والجرحى من المجاهدين نسبة إلى عددهم الضخم وقلة إمكانياتهم الدفاعية والمواقف التي مرت بهم.
وهذا يدل على رحمة الله بالمجاهدين ثم يقظة القيادة التي تتقدم المسيرة فقد أخرجوا المجاهدين بفضل الله من حصار شديد ومحنة عظيمة، فقد قام القائد خطاب حفظه الله برصد الطريق بنفسه لضمان سلامة الطريق وسهر الليالي الطوال المتواليات يفكر في أمر الجرحى والمرضى والأصحاء على حد سواء ولا غرابة في ذلك فقادتنا يسيرون على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقتدون بأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين وقدوتهم في ذلك سيف الله المسلول خالد بن الوليد الذي كان يحرس جيشه بنفسه ويسهر عليهم فلله تلك الهمم ولله تلك الرجال.

يدوس بأقدامه في الثرى وهامة همَّتـه في الثريا
فلقد أتعب القائد العام نفسه حرصا على سلامة المجاهدين حتى وصلوا بر الأمان سالمين … وفي هذه الأسطر سنتطرق إن شاء الله إلى أحداث هذه المسيرة التي انطلقت من الجبال الجنوبية للشيشان حتى وصلت إلى المناطق الشرقية من نفس الدولة وما تعرضت له من مخاطر أثناء تلك المسيرة تحت عنوان :

أخبار القلم والسيف في رحلة الشتاء والصيف

وستكون تلك الأحداث مقسمة على ثمانية فصول سنعرض في كل فصل بعضاً من هذه الأحداث، ثم نختم كل فصل ما تلخص لنا من فوائد وعبر استفدناها في هذه المسيرة، رغبة منا في إيصال أكبر قدر من الفائدة لإخواننا في كل مكان، لأن القصص لا يراد من ذكرها إلا العظة والعبرة قال تعالى ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾وقال ﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ وقال ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ ونسأل الله العون في ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كتبها : محمد السمرقندي في يوم الأربعاء 30/12/1420هـ الموافق 5/ 4/2000م منطقة درقو جنوب شرق الشيشان

الفصل الأول: بداية المسيرةتجمعنا في قرية زوني وجاء المجاهدون من كل اتجاه ونزل المرابطون من الجبال وجاء الذين كانوا في البيوت يوم الأحد 16/ذو القعدة 1420هـ الموافق 21/2/2000م وباتوا ليلة واحدة داخل القرية حتى تأتي باقي المجموعات ولم يبق في شاتوي سوى مجموعات قليلة لإشغال الروس و إيهامهم بأن المجاهدين في مواقعهم ولم ينسحبوا وهذا ما حدث فقد بقيت مجموعة رمضان
أحمدوف وحمزة قلايف تتصدى للروس وتحركت باقي المجموعات ويصل عددها إلى 1250 مجاهدا إلى قرية زوني .
وكان الأمير العام لتلك المسيرة الأخ القائد خطاب رحمه الله، وكان يرافقه القائد شامل بساييف ونظراً لأن جرحه لم يلتئم بعد فقد كان محمولاً على فرس وفي الأيام الأخيرة حمل على الأكتاف، وكان النائب الأول للقائد العام الأخ القائد يعقوب، والنائب الثاني للقائد العام هو الأخ القائد أبو الوليد حفظ الله الجميع، وقد تشرفنا برفقة فضيلة الشيخ أبو عمر محمد السيف المسؤول الشرعي في المجلس العسكري للمجاهدين، وكان في المسيرة أيضاً مجموعة من الأخوة الأفاضل القادة الميدانيين كأبي عمر النجدي و عبد الصمد الطاجيكي الذي استشهد أثناء المسيرة في اشتباك مع القوات الروسية التي أنزلت في الجبل لتسد الطريق على المجاهدين .. رحمك الله يا عبد الصمد وأسكنك الفردوس الأعلى، و أبي جهاد الأفغاني، و أبي ياسر السوري , وسيف الإسلام المصري،وأبي ذر الطائفي , و بلال التركي , و أبي روضة المكي , و أبي قتيبة المكي , و إسلام الشيشاني , و شهر الدين الشيشاني , وأبي ذر الشيشاني , و شريف وحسين الشيشانيين , و حنظلة ورباني الداغستانيين ومنهم من قتل في المسيرة كشالي أدين , و إلياس , و عبد الهادي رحمهم الله جميعاً وتقبلهم في الشهداء .
الأنصــار:
حينما نقول الأنصار فإنا نعني بها كل من ناصر القضية الشيشانية وأتى بنفسه مضحيا من أجل [ لا إله إلا الله ]، فهم من أقطار شتى وجنسيات مختلفة ولكن قلوبهم مؤتلفة وهدفهم واحد ولقد صبروا وضحوا من أجل الله وحده ذاقوا الجوع ومرارته والخوف وشدته والبرد وقسوته انتفخت منهم الأقدام وتغيرت الألوان ولسان حالهم الحمد لله على كل حال وعقيدتهم أن الله ناصرهم على عدوهم .يمتثلون أوامر أمراءهم يتراحمون فيما بينهم والحب في الله لبعضهم بعضا يملؤ قلوبهم فجزاهم الله خيرا ورحم الله شهداءهم وشافى جرحاهم إنه ولي ذلك والقادر عليه .

الانطـــــــلاق : بعد مواجهة مشرفة من قبل المجاهدين لمدة ستة أشهر أمام أحدث القوى في العالم قوة الدب

الأحمر الروسي انطلقنا من قرية زوني باتجاه الشمال إلى داخل الشيشان وذلك للأسباب التي ذكرناها سابقاً وهي قرار القيادة العامة للمجاهدين بتحويل أسلوب الحرب إلى حرب عصابات، وذلك يوم الإثنين 17/ذو القعدة 1420هـ الموافق 22/2/2000م الساعة التاسعة ليلا .فبعد تشكيل المجموعات بدأت القافلة تسير باتجاه الشمال عبر الطريق العام حتى دخلت قرية يرش مرديه ثم أخذت بالسير يمينا إلى شرق القرية وانحدرت بعد ذلك يسارا إلى الطريق العام وكان الجو سيئا على الروس، والطريق الذي نسير عليه قريب منهم ولكن الله يحفظ المجاهدين ويحرسهم .وأثناء السير خارج القرية جاء الطيران وبدأ بالقصف العشوائي فسقطت القنابل قريبة من الطريق الذي يسير عليه المجاهدون فجرح منهم اثنان، ثم اتجهت القافلة يمينا صاعدة بذلك أول جبل تصعده في المسيرة وكان الموقف صعبا بسبب الطين ولأنه أول صعود في المسيرة واستمر الطريق على هذه الحالة صعودا واستقامة ثم صعودا وهبوطاً حتى وصلت القافلة رأس الجبل وبدأت تسير في خط مستقيم على رأس الجبل حينها وجدنا القائد العام منتظراً في الطريق يراقب القافلة من أولها إلى آخرها يتفقد أحوال المجاهدين، ثم واصلت القافلة سيرها على رأس الجبل لمسافة غير بعيدة ثم انحدرت يساراً إلى الأسفل حتى استقرت في أرض مستوية وهناك بتنا أول ليلة لنا في الغابة والجو بارد جدا وبعضنا نام والبعض الآخر لم ينم من شدة البرد وعند الظهر جاءت الأوامر من القائد العام بأن تتحرك القافلة إلى أعلى لأن المكان الذي بتنا فيه قريب من الروس .
بعد الأوامر من القائد العام تحركنا لمسافة 5 كم ثم حططنا رحالنا وأشعلنا النيران وأخذنا أماكننا استعدادا للمبيت في الغابة وكانت هذه هي الليلة الثانية وكم كانت الليلة قاسية علينا فاستعدادنا كان ضعيفا لمثل تلك الظروف إذ أن أحسننا حالا من وفق لحمل كيس بلاستيك يقيه رطوبة الأرض ولحاف يلتحف به وقليل من الأكل، لأن الكثير منا لم يكن يتوقع ما سيواجهه فقد انتشر الخبر بيننا أن المسيرة أربعة أيام فقط فتساهلنا في التزود لها، حتى أن القيادة لم تكن تظن أن يوجهنا صعوبات في الطريق الذي تم الكشف عنه سابقاً لذا أمر القائد العام بوضع كل الطعام على الطريق في أول قرية خرجنا منها وقال خذوا كل ما استطعتم حمله فإن أمامنا مسيرة لا نعلم نهايتها، ولكن لم يهتم الإخوة لذلك وحملوا من الزاد القليل، وعلى كل حال فقد نزل الثلج في الليل وأطفأت النيران وبتنا في وضع يرثى له فقد كانت هذه أول ليلة يسقط الثلج علينا ونحن في الغابة

وكان البرد شديداً جداً، و في اليوم الثاني تحركت القافلة إلى أسفل الجبل إلى وادي شاري أرجون وكان الجو لحسن الحظ غائما .وعبرت النهر الذي يعرف بنهر شاري أرجون ثم دخلت في الجبال الواقعة غرب وادي شاري أرجون وفي أحد هذه الأودية الصغيرة تهيأنا للبقاء فيه وأخذنا مواضعنا للمبيت فيه وكان الجو قد ازداد سوءًا لأنه وقت شتاء والثلوج تنزل ومن التعب ألقى بعض المجاهدين بنفسه على الأرض مفترشاً الثلج وملتحفاً السماء بدون مبالاة مع ما في ذلك من آثار سيئة على صحتهم وشاء الله أن نبقى في هذا الوادي لمدة ستة أيام متتالية حاولنا خلالها الخروج ولكن الروس كانوا قد شعروا بنا فتراجعنا إلى أماكننا السابقة وسنشرح ذلك في فصول قادمة.
فوائد وعبر : 1- إن بقاء بعض الأخوة في مواقعهم لإشغال العدو ريثما تتحرك باقي المجموعات كان عملاً مهماً لأهمية هذا الفن، وهو فن التمويه على الأعداء والتمويه هو عبارة عن إظهار ما يخالف الحقيقة وهو علم له أثر كبير على مجريات الحرب، وقد أعطى الرسول r هذا الجانب قدراً كبيراً من الاهتمام وهو ما يسمى اصطلاحاً بالتورية بل إن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية كانت كلها تدور ضمن هذا المبدأ، وكما روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ( لم يكن يريد غزوة إلا ورّى بغيرها إلا فتح مكة وغزوة تبوك ) ولا نريد الإطالة بسرد أمثلة من السيرة على ذلك، وكانت الخدع الحربية عنصراً مهماً في حسم بعض المعارك من العهد الأول وحتى يومنا هذا حتى الحروب الحديثة تعتمد اعتماداً ضخماً على مثل تلك الخطط، وما كان فعل خالد رضي الله عنه في مؤتة إلا أعظم خدعة حربية وأفضل انسحاب عرفه التاريخ يوم أن سحب جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مجاهد من بين مائة ألف مقاتل يفوقونهم عدة وعتاداً، فنظم خالد الانسحاب فاختار كتائب من الفرسان وطلب منها المرابطة خارج مؤتة فإذا أصبح الصبح والتحم الناس جاء بعضها إثر بعض مرتفعة أصواتهم بالتكبير وعدو الخيل يثير النقع ثم تشترك في المعركة كما أبدل مواقع فرق الجيش إذ جعل الميمنة مكان الميسرة والساقة بدل المقدمة، كل ذلك ليوهم الروم أن جيش المسلمين جاءه مدد وقوات دعم، وفعلاً خاف الروم مغبة الأمر لما رأوا تتالي كتائب فرسان المسلمين وكأنها فرق كبيرة

حسبما يظهر من الغبار المرتفع والأصوات المتعالية وزاد خوف الروم وأيقنوا أن المدد قد وصل واعتقدوا أنهم لا قبل لهم بقوات إضافية كبيرة وقد أنهكتهم قوات صغيرة فكيف لهم بجموع كثيرة لم تعرف التعب، ولما فصل الظلام بين الجيشين انسحب خالد رضي الله عنه على شكل كتائب يحمي بعضها بعضاً منعاً لملاحقة الروم لها، هذا نموذج واحد من نماذجنا العظيمة التي شكلت فيها الخدعة الحربية نصراً بحد ذاته والتاريخ مليء بالعبر والدروس ولكن من يعي ويدرس تاريخنا العظيم ؟ .
2- قبل تحرك الإخوة للمسيرة تم توزيع المسؤوليات والمهام، وأهمية ذلك لا تخفى على أحد، ولكن لا بد أن ننبه على أن توزيع المهام والتأمير على الجيش له ضوابط ومقومات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما روى أبو داود ( أنزلوا الناس منازلهم ) فتأمير الأمراء ليس على حسب الأقدمية أو السن أو العلم أو التقوى أو الشجاعة بل لكل وضع ما يناسبه فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في معركة ذات السلاسل على كبار المهاجرين والأنصار وكان فيهم أبوبكر الصديق رضي الله عنه وكان عمرو رضي الله عنه حديث عهد بإسلام ولم يمض على إسلامه إلا أربعة أشهر بل إن أبا عبيدة لما وصل بمدد إلى جيش عمرو رفض أن يكون الأمير ودخل تحت إمرة عمرو، وكذلك أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة وهو ابن الثامنة عشر عاماً على جيش فيه وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فلم يكن العمر ضابطاً في التأمير، وكذلك رفض عمر رضي الله عنه تولية البراء بن مالك لأنه كان شجاعاً وقال " لا تولوا البراء فإنه مهلكة "، والولايات عموماً يختار لها القوي التقي ولكن ربما تطرأ بعض الأمور يحتاج فيها الأمير إلى تولية قليل العلم والدين نظراً لمعرفته بالأرض أو لشجاعته أو لدهائه، فمن قال إن الأعلم أحق بالإمارة نقول هذا أبو بكر أعلم من عمرو وقد أمر رسول الله صلى عليه وسلم عمرواً عليه، ومن قال إن الأقدم هجرة أولى بالإمارة نقول هذا خالد بن الوليد أُمّر على البدريين في مؤتة، ومن قال إن الأشجع هو الأمير نقول إن عمر وعلياً رضي الله عنهما أشجع من أسامة وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما أسامة، فالإمارة لسيت حكراً على صنف من المسلمين أو جنسية أو قبيلة، لأن لكل مجاهد قدرة وطاقة فمتى احتجنا قدرة هذا وطاقته نوليه لانفراده بقدرات ليست عند غيره وإن كانوا أعلم منه وأتقى، يقول شيخ الإسلام في الفتاوى

28/ 254 " اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر اعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع وان كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوى فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى فقال أما الفاجر القوى فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوى الفاجر وقد قال النبي) r إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) وروي ( بأقوام لا خلاق لهم ) وان لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده " إلى آخر ما قال ولولا طوله لنقلناه كاملاً فهو كلام نفيس في الولايات فليرجع إليه والله أعلم .
3- صمود المجاهدين لمدة ستة أشهر في حرب نظامية غير متكافئة العدد والعدة مع عدوهم وآلته العسكرية المتكاملة التسليح والمدعومة من أكثر من ست دول هي الصين وألمانيا وأمريكا وبريطانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا وكندا والكيان الصهيوني وغيرها من الدول، فهذا الصمود ولهذه المدة يعد بحد ذاته نصراً نفتخر به، ويسجلها التاريخ هزيمة نكراء لحقت بالجيش الروسي الذي يملك أعلى عتاد حربي تقليدي وبشري في العالم، ووصمة عار في وجه الجنرالات الروس ورئيسهم الأحمق الذي تعهد بإنهاء الوضع في الشيشان خلال ثلاثة أسابيع، وزعم الجنرالات أنهم الآن في المرحلة الثالثة للقضاء على العصابات كما يسمونها وهم الذي سبق أن أعلنوا أن المرحلة الثالثة تأخذ أسبوعاً واحداً فنسأل الله أن يخذلهم ويردهم على أعقابهم خاسرين .
4- تحويل المجاهدين لأسلوبهم الحربي من حرب نظامية إلى حرب عصابات جاء بعد دراسة متأنية لأوضاع المعركة خرج بعدها القادة بأن أفضل أسلوب تواجه به قوات مغولية تمتلك عتاداً هائلاً هو أسلوب الضرب من حيث لا يحتسب الخصم، لأن العدو الغازي وصل إلى أقصى درجات الحقد والإجرام، فحينما تصل نسبة توقعه بوجود مجاهدين في منطقة ما حتى إلى نسبة 1% فإنه يتبع سياسة الأرض المحروقة فيهلك الحرث والنسل كإجراء وقائي بزعمه والعاصمة

خير شاهد على ذلك، وقد ذهبت قيادة الإرهاب الروسي إلى أبعد من ذلك حينما قررت عزمها على استخدام أسلحة الدمار الشامل لإنهاء الحرب، فكان تغيير القادة لأسلوب الحرب قطع على المجرمين ما عزموا عليه وأُسقط في أيديهم وأصبح لزاماً عليهم أن يوجهوا الموت البطيء أو ينسحبوا بإذن الله تعالى .
5- لقد تميزت هذه المسيرة عن المسيرات الأخرى بحفظ الله للمجاهدين أكثر من أي وقت مضى وهذا ما سيتضح في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى .
6- كان الإخوة في المسيرة لا يسيرون في درب إلا وقد وطئت أقدام القائد العام أو نائبيه ذلك الدرب قبلهم إلا ما ندر، وهذه هي حقاً مهام القيادة ودليل ذلك قول رسول الله r كما جاء في الصحيحين ( إنما الإمام جُنَّة يقاتل من ورائه ويتقى به )وقال كما جاء في الصحيحين أيضاً ( هل أنتم تاركون لي أمرائي إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلاً أو غنماً فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضاً فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليهم ) فإذا لم يتمثل القادة تلك النصوص ويكونوا مقدم الجيش ويباشروا الصعاب هم قبل غيرهم فكيف ينصر الله جيشاً قادته متكئين على الفرش ولا همّ لهم إلا قيل وقال، وإذا حمي الوطيس رأيتهم كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ؟، فالقائد جُنَّة أي سترة يتقي به الجند أعداءهم، كما كان رسول الله r فيما يرويه أحمد عن علي رضي الله عنه قال (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه ) وروى أحمد أيضاً عن علي رضي الله عنه قال (لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أشد الناس ما كان أو لم يكن أحد أقرب إلى المشركين منه ) وجاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عُري في عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا قال وجدناه بحراً أو إنه لبحر ) نعم هذه صفات القائد الذي يستحق أن يكون جنة يقاتل من وراءه، لا أن يكون ذَنَباً يُقاتل من أمامه فالسعيد من تابع نبينا

في صفاته واتخذه قدوة في كل دقيق وجليل .
7- التهاون في الأمور وعدم إعطائها حقها من الإعداد قد يكلف الكثير جداً، فحينما سار كثير من الأخوة بناءً على ظنهم بأن المسيرة تستغرق أربعة أيام كما كانوا يقطعونها سابقاً ولم يتجهزوا بما يحتاجونه اعتماداً على ما اعتادوا عليه، فلما دهمتهم ظروف لا قبل لهم بها كادت أن تؤدي بهم إلى التهلكة لولا لطف الله بهم ورعايته .
8- بعض الأخوة الذين تصرفوا قبل أن يفكروا بالعاقبة وناموا على الماء والطين مما أثر بصحتهم فيما بعد، وننبه هنا على أنه يجب على المجاهد أن لا يعيش لنفسه بل يعيش لأمته، فكل ما يضر بصحته و يضعف من عطائه لهذه الأمة ولو على المدى البعيد فليجتنبه، ومن حمل همّ الأمة فإنه سيسخر كل قواه وإمكانياته لحماية الأمة ولا يفكر بانفرادية أبداً، فعلى المجاهد أن يكون قدر المسؤولية وأن يفكر بمن وراءه ويضع دائماً نصب عينيه هدفه وغايته وكل ما يعيقه أو يضعفه عن ذلك الهدف وتلك الغاية فليجتهد وسعه في اجتنابه والله الموفق .

الفصل الثاني: وادي الجوع قول المولى سبحانه ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ﴾ البقرة 155. كان الدخول إلى هذا الوادي يوم الأربعاء ليلا بتاريخ 19/ذو القعدة 1420هـ الموافق 24/2/2000م والسبب في تسمية الوادي بهذا الاسم هو أن ما حدث فيه من جوع شديد أنهك الكثيرين بقدر ليس بالهين عليهم مما حدا بالإخوة أن يسموه بهذا الاسم . فمن أول يوم دخلنا فيه هذا الوادي بادرنا بأكل ما بحوزتنا من طعام حتى قل الأكل عندنا ووصل الحال بنا إلى حد لا نحسد عليه فمنا من أصبح قوته طوال يومه ملعقة طحين بالسكر أو لقمة مكرونة جافة، ومنا من بات اليوم والليل لا يأكل شيئا، وبدأت المسغبة تعم المجاهدين خصوصاً الأنصار فالكثير منهم لم يحدث له في حياته أمر كهذا، ولكن القلوب راضية بقضاء الله وقدره وكلهم ثقة بأن هذه المحنة سوف تنجلي بإذن الله وما هذا إلا امتحان لهم من الله وفي أحد هذه الأيام سقط الثلج علينا في الليل وبتنا في جوع شديد وبرد قارس وأشعلت النيران للتدفئة ولكن

ما عساها تفيد في مثل هذا الجو القارس . وفي اليوم الرابع حاول المجاهدون الخروج من الوادي ولكنهم تراجعوا بعد أن بلغوا مشارف وادي شاري أرجون من نفس الطريق الذي دخلوا منه لأن الروس كانوا قد شعروا بهم فبدؤا يرمون بالقنابل المضيئة لكشف حركة المجاهدين، وكم كانت الليلة صعبة علينا جميعاً فقد هدّنا الجوع والبرد والأرض طينية صعبة ووحل شديد يمسك الأرجل فلا تخرج إلا بصعوبة أو تخرج ويبقى الحذاء في الطين مع ما في ذلك من انزلاقات متكررة خطيرة و البعض سقط من الإعياء وشدة الجوع والبرد، وكل هذه الأمور مجتمعة مع الحمم التي تصب فوق رؤوسنا من أعدائنا فقد كان أمراً يفت في عضد المجاهدين ولكنهم يذكِّرون أنفسهم ويقنعونها بأن الله لاشك جاعل بعد ذلك يسراً فإن عسراً لا يغلب يسرين، وما هذا إلا امتحان من الله لعباده المجاهدين أو هو مما كسبت أيدينا نسأل الله أن يعفو عنا .
ورجعنا إلى أماكننا السابقة واستمر وضعنا كما كنا عليه، وكنَّا عند وصولنا في غاية من الإرهاق والتعب، فألقى بعض المجاهدين بأنفسهم على الأرض وناموا ولم يشعلوا نيراناً فقد صدرت الأوامر من النائب يعقوب بعدم إشعال النيران حتى لا ينكشف الموقع فكانت بحق من أقسى الليالي التي مرت علينا في هذا الوادي، وقد بتنا في الوادي اليوم الخامس والسادس وفي اليوم السادس خرجنا من الوادي والسبب في التأخير لمدة ستة أيام في هذا الوادي هو عدم وجود الطريق وسنذكر هنا المحاولات التي حاولناها للخروج من وادي الجوع وسننقل رواية القائد العام خطاب حفظه الله فقد قال: [ أرسلت الأخ أبا عمر النجدي فضلَّ الطريق وانقطعت أخباره عنا ثم ذهبت أنا وأبو الوليد لنرصد الطريق فلما وصلنا إلى إحدى الغابات في الليل لمحنا ناراً من خلال الأشجار فظننت أنهم من المجاهدين فلم أتقدم خوفاً من أن يظنونا من الروس فيرموا علينا ولم أتوقع أنهم من الروس فلم يكن لهم من قبل أماكن كهذه فتقدم أبو الوليد إلى ثلاثة أمتار منهم وقال السلام عليكم ثلاث مرات ولكن لم يردوا فتراجع إلى الخلف وفتح أمان السلاح ثم أرسلت أحد الإخوة الشيشانيين لكي يتفاهم معهم بالشيشانية فبدأ الروس بإطلاق النار وجرح أحد الإخوة الشيشانيين وانسحبنا من المكان وقبل هذا كنت بجوارهم أتكلم في جهاز اللاسلكي لفترة طويلة ولكنهم لم يسمعوا، ثم بدأنا نبحث عن طريق آخر وصعدنا إلى قمة أخرى لنسلكها وعند السير فوجئنا بكمين

آخر للروس وبدأ إطلاق النار قتل فيه أحد الإخوة وجرح الأخ أبو الوليد في ظهره ثم انسحبنا لنبحث عن طريق ثالث وعلمنا أن الطريق الذي نحن فيه لا يصلح لوجود الروس فيه بكثرة فأرسلنا أحد الإخوة الشيشانيين فرجع ولم يكمل الطريق لأن الثلج قد نزل وأعاقه عن مواصلة الطريق فبدأت أجتهد وأبحث عن طريق آخر فلم يكن أمامي سوى خيار واحد هو صعود الجبل الذي إلى يسار الوادي [ أي من جهة الشرق تقريباً ] فأرسلت المجموعة الأولى معها أبا ذر الطائفي رحمه الله عبر هذا الطريق لكي يدخلوا إلى القرى ثم نأتي نحن من بعدهم وعندما سار أبو ذر كان الطريق جيدا ولكنه لا حظ على يمين الطريق مواقع للروس تبعد حوالي 1 كم فأخبرني بجهاز اللاسلكي عندها لم تطمئن نفسي لهذا الطريق فصعدت إلى أعلى الجبل وهناك جلست وفي اليوم السادس كان الروس يمشون على آثار الأخوة الذين مشوا بالأمس فتقابلنا في الجبل الذي يطل على الوادي الذي به المجاهدون وبدأت الرماية وكان ذلك في الساعة 11 قبل الظهر ثم جاءت المجموعات الأخرى بعدنا} انتهت رواية القائد خطاب حفظه الله نقلت بتصرف …… وسنشرح تفاصيل الفصل الثالث.
فوائد وعبر: 1- ينبغي على المرء أن يكون لديه بعد نظر، فالمجاهد الذي أكل ما لديه من طعام نفد طعامه وبات طاوياً أكثر الأيام التي مرت عليه، ولو أنه تصور شيئاً من الصعاب التي ستمر به على أسوأ الأحوال لأحسن إنفاق ما لديه من الطعام ليكفيه أكثر مما ينبغي، وهذا لا بد أن يكون في كل الأمور حتى في طاقة الجسم لا بد أن تقسم الطاقة على أسوأ الاحتمالات وهذا ليس من سوء الظن بالله بل من أخذ الحذر والحيطة .
2- لقد وجد بعض الأنصار شدة وألماً فاق ما وجده غيرهم من الشيشانيين، والسبب في ذلك أنهم تعودوا على عيش بعيد كل البعد عن التقشف والخشونة، فلما تغير الحال عليهم استنكرت أبدانهم ذلك الحال ومرضوا وشارف بعضهم على الهلاك، فلم يقتلهم عدوهم ولكن كاد أن يقتلهم الترف، فينبغي على كل مسلم أن يعد العدة ويبتعد عن الترف والترفه قدر استطاعته ويخشوشن فقد قال عمر رضي الله عنه ( إخشوشنوا تمعددوا فإن النعمة لن تدوم ) فالمسلم ينبغي عليه إذا حمل هم

أمته ليناضل عنها في ساحات الجهاد أن يعد نفسه ويبتعد عن كل سبب يثقله عن أداء مهمته ويترفع عن الكماليات التي أهلكت الكثير من أبناء أمتنا وليضع نصب عينيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عند أحمد وأبي داود عن فضالة بن عبيد ( قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه و قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحتفي أحيانا ) والمتأمل لذلك يجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تصدر منه تلك الأوامر لأصحابه إلا ليعودهم على الخشونة ويبعدهم عن الترف حتى لا يعيقهم ذلك عن الجهاد ويحببهم للدنيا، فلتكن أخي المسلم حياتك كلها جهاد وشدة وعود نفسك على الجوع بالصيام وعود نفسك على السهر، وعود نفسك على الشدة والمشقة بالمشي لمسافات طويلة في الجبال أو الصحاري، وقد كان من نعم الله على نبيه أنه أمره بالهجرة إلى بلد كانت الحروب القبلية تعصف بها منذ عقود سبقت الهجرة لذا وجد رجالها بعدما أسلموا على أشد ما يكون الرجال من البأس والقوة والعدة، فنصر الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) والقوة هنا تشمل القوة البدنية التي هي الآن قوام قوة المجاهد، ومجاهد بلا قوة بدنية كالمرأة تحتاج إلى حماية وتدبير، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عند مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ) يجعلنا نحرص على أن نقوي أبداننا بتجنب الترف والترفه وحمل النفس على الصعاب والمشاق تدريباً لها وإعداداً والله المستعان وعليه التكلان .
3- التحلي بالصبر نعمة من نعم الله على عباده فمن صبر وذكر الله كثيراً حال شدته يسر الله له والله يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ﴾ وحقيقة أن الصبر وأسبابه ومفسداته أمر عظيم جداً ينبغي لنا ألا نعرج عليه بمثل هذه العجالة، بل نعطيه قدراً أكبر من الطرح والعرض لأهمية الموضوع وخاصة في مثل هذه الأيام التي تعددت فيه بلايا الأمة ومحنها نسأل الله أن يكشف الغمة وينجي الأمة، ولكن على كل حال يكفينا في فضل الصبر قول رسولنا صلى الله عليه وسلم في الصبر كما جاء في الصحيحين عن سعد بن مالك أن الرسول r قال ( من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أُعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) وقال رسول الله r كما جاء عند مسلم عن كعب بن عاصم

( الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) وللصابر أجر عظيم يطول المقام بنا إذا عرضنا لشيء من فضائله ولكن أهم عوامل الصبر هو الإيمان بالله والثقة به فمن رزق ذلك كان الصبر من صفاته بإذن الله نسأل الله ألا يحرمنا فضله .
4- ينبغي على المسلم والمجاهد خاصة ألا ينهار ويفقد الأمل من أول محاولة فاشلة يقوم بها لإنجاز عمل من الأعمال، فقيادتنا وفقهم الله كرروا البحث عن مخرج لنا من الوادي وحاولوا محاولات لم يكتب لها النجاح وهم مصرون على ما أرادوا رغم الخسائر التي لحقت بهم من جراء تلك المحاولات حتى كتب الله لنا النجاح بالخروج، فالإصرار والتحدي لا بد أن تكون صفات يتحلى بها المجاهد فيصر على النجاح ويتحدى الصعاب ولا ييأس ولا يقنط فرحمة الله واسعة وما الفشل إلا أول خطوات النجاح .
5- كان القائد العام حفظه الله يبحث لنا عن طريق سهل علينا يحافظ فيه على قوانا وطاقتنا فعرض نفسه للخطر أكثر من أربع مرات كل ذلك حتى يجنبنا الإرهاق وذلك بصعود جبل شاهق كان يعرف أنه سينهك قوانا لو سلكناه أولاً فحاول الاستبقاء على قوانا ولكن دون جدوى، فأمرنا أخيراً بعد المحاولات مضطراً الصعود إلى الجبل الذي تجنبه أولاً، وما ذلك الفعل منه إلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه مسلم عن عائشة ( سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ) نسأل الله أن يرفق و ييسر على قائدنا كما يسر علينا ويحفظه .
6- أهمية إرسال الطليعة أو العين لتتقدم الجيش كنذير أو بشير وهذا الأمر لا شك أن أهميته معروفة بالبديهة، ولكن الأمر الذي يغيب عن أذهان الكثير هو من يصلح لأن يكون طليعة الجيش وعينهم ؟ يجيب على هذا السؤال قول الرسول صلى الله عليه وسلم لحذيفة عندما أرسله عيناً على

الأحزاب كما رواه مسلم ( فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ فلما ولّيت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله r( ولا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته) وكما قيل أرسل لبيباً ولا توصه، فالطليعة والعين لها صفات ينبغي أن تراعى لتحقق هدفها فالتهور والاستعجال والمجازفة وعدم التفكير بالعواقب كل هذه الصفات مفسدة لمهام الطليعة والعين الراصدة، فكان أبو ذر رحمه الله نعم الطليعة وخيرة الرجال نسأل الله أن يسكنه الفردوس الأعلى . الفصل الثالث : مواصلة المسيرة في يوم الإثنين 24/ذو القعدة 1420هـ الموافق 29/2/2000م تحركنا باتجاه رأس الوادي عكس الطريق الذي دخلنا منه لمسافة غير بعيدة وذلك بعد الظهر ثم اتجهنا صاعدين إلى اليسار على الطريق المؤدي إلى قمة الجبل المشرف على الوادي وسارت القافلة بحذر شديد تقف عند سماع طائرة التصوير ثم تمشي بعد ذهاب الطائرة مع ما يرافق ذلك من قصف مدفعي وصاروخي عشوائي على الجبل وعندما وصلنا إلى قمة الجبل كانت المفاجأة فقد اصطدمنا بقوات المظلات الخاصة الروسية التي جاءت قبل قليل لتمشيط الجبال وبدأت المعركة والله المستعان على أمور الدنيا والدين .
سحـــق القوات المظلية الخاصة: نذكر هنا رواية القائد العام خطاب لأنه أول من واجههم يقول {صنعت لنفسي بيتاً من القش في أعلى الجبل بعد ما سمعت أن هناك مواقع روسية في الجبل وبتنا فيه، ومن فضل الله أننا استيقظنا قبل وصولهم إلينا وإلا فقد كادوا أن يصلوا إلينا ونحن نائمون، يقول : تقدمت ومن معي من الحرس قليلا فرأيت الروس قادمون وكانوا قريب فصيلين أي ما يقرب من 70 جندياً فلما رأيتهم أعطيت إشارة للإخوة بأن يتوقفوا ولكنهم لم يفهموا فأنتبه الروس لنا وانتشروا يمينا ويسارا وبدأت الرماية فجاءت طلقت رشاش بيكا في صدر أحد الإخوة الحرس وسقط على الأرض فازداد غمي كيف أسحبه من هذا المكان، ولكن الحمد لله كانت هذه من الكرامة فالرصاصة لم تدخل إلى صدره وجرحت الجلد فقط ثم جاء الإخوة ودارت رحى المعركة …} انتهت رواية خطاب بتصرف.
لما بدأت المعركة توزع المجاهدون يمين الجبل ويساره وبدأت المدفعية الروسية تقصف الجبل فكانت تأتي على المجاهدين والروس على حد سواء فقام القائد يعقوب حفظه الله بمحاصرة الروس مع المجموعات التي معه وحاصروهم من ثلاث جهات من الأمام و من اليمين واليسار فقتل من الروس مجموعة وجرح آخرون وانهزم الباقون وفروا إلى الخلف حيث كان باقي منهم مجموعة أخرى هناك وهنا تجلت مواقف للمجاهدين في عشق الشهادة والصدق في طلبها فهذا أبوثابت رحمه الله الذي لم يترك عملية إلا وشارك فيها ولا جبهة إلا وزارها عندما طلب القائد المساعدة هبّ كالليث مسارعاً ليساعد إخوانه ولسان حاله يقول ( وعجلت إليك رب لترضى )، وكذلك أخونا فاتح التركي حينما طلب القائد المساعدة ووقع عليه الإختيار قام يكبر ويبكي من الفرحة لأنه سوف يشارك وأخذ يسلم على إخوانه يودعهم وكأن له موعداً مع الشهادة وماهي إلا دقائق ويأتي خبر استشهاده رحمه الله .
ثم واصلت المدفعية الروسية قصفها للجبل فقتل في القصف مجموعة من خيرة المجاهدين نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا من عباده فقد قتل الأمير عبد الصمد الطاجيكي ونائبه شهر الدين الشيشاني وأمين البوسنوي وأبو ثابت الدهيشي الذي قتل وهو يرفع يده إلى السماء ويدعو الله فهنيئا له الخاتمة الحسنة فمن مات على شيء بعث عليه، كما قتل مجموعة تصل إلى 30 مجاهداً نسأل الله أن يتقبلهم ويرفع درجتهم في عليين وأن يلحقنا بهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، كما جرح عدد من الإخوة منهم الأخ يعقوب الذي كان يغطي الأخ عباد ( عبد اللطيف الشارخ رحمه الله ) بجسمه ولا عجب أن يكون هذا من القائد يعقوب فإنه الأب الحنون للمجاهدين والكل يعرف من هو يعقوب والكل يحبه، ثم رجع بعض الإخوة لإيصال الشهداء إلى الأماكن المعدة لدفنهم وبقيت المجموعة الأخرى في مكان المعركة ترصد الطريق واستمر الوضع كذلك والقصف الشديد مستمر حتى الساعة الثالثة ليلا وكان الجو بارداً جداً والقصف شديداً جداً وفي هذه الليلة اجتمع على المجاهدين كل البلاء من جوع وخوف وبرد وثلج ومرض وجرحى وقتلى بلاء ما بعده بلاء حتى إن بعضهم كان يدعو قائلا {اللهم اكفنا الجراح فإنا لا نقدر على حمل الجرحى واكفنا القتل فإنا لا نستطيع دفنهم ….} وبحمد الله تم دحر الروس وفتح الطريق ولكن كان هذا بداية انكشاف الطريق .
عند الساعة الثالثة بعد منتصف الليل تحركنا على نفس الطريق الذي يسيطر عليه الروس وتقدمنا باتجاه الروس وأثناء السير كان القصف يأتي على جنبات الطريق ولكن الله حافظ المجاهدين من قصف الروس فلم يصب أحد منا فهو وحده العالم بحالنا فنحن ضعاف جوعى ومرضى لا نستطيع حمل جرحانا، وسارت القافلة بخطى بطيئة خوف الكمين ولمسافة 2كم تقريبا تحركنا ثم بدأ إطلاق النار من جديد عند الإنزال الثاني للروس ومن رجع إليهم من باقي المنهزمين من الإنزال الأول وكان ذلك وقت الفجر ……. وسنذكر تفاصيل المعركة الثانية في الفصل الرابع .
فوائد وعبر :1- كان القادة يميزون طائرات التصوير عن غيرها من الطائرات رغم عدم امتلاكهم لمثل هذه الأسلحة، وهذا يفيد أن المسلم ينبغي عليه أن يدرس وضع عدوه دراسة شاملة دقيقة يفيد ذلك قول الله تعالى ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾فاستبانة سبيل المجرمين ينبغي أن يفهم فهماً شاملاً فيستبان أمر العدو من جميع النواحي وهذا يعود على المسلم بحسن اختيار أسلوب الوقاية والمواجهة لعدوه والنكاية به، وأفضل الاستبانة ما جاء بعد تجربة وبالتجربة تأكدنا أن الدعايات الروسية التي تزعم أن أقمارها الصناعية بإمكانها أن تصور هدفاً بحجم 2سم مربع كلام دعائي لا يمكن أن تثبته عملياً وكانت القوات الروسية تعلم بوجود تجمع كبير للمجاهدين في ذلك الوادي ولم تستطع تحديد مكاننا عن طريق أقمارها كما تزعم، ومسيرة تضم 1250مجاهداً أليست تشغل مساحة أكبر من 2سم­­ مربع ؟ ولكن المسلمين قصروا باستبانة سبيل المجرمين فبدءوا بتصديق كل دعوى تطلقها أجهزة الإجرام العالمية، والناظر اليوم إلى الصهاينة يجد أنهم أرعبوا المسلمين ليس بقوتهم الحقيقية بل أرعبوهم بدعاياتهم الفارغة ولو تحققنا من تلك الدعايات باستبانة سبيل المجرمين لربما وجدنا ثلاث أرباع دعاياتهم التسليحية والاستخباراتية جوفاء، فمتى يكون لنا اهتمام باستبانة سبيل المجرمين بالشكل الشامل الحقيقي الذي يفي بأغراضنا ؟
2- عدم انتباه الإخوة لإشارات القائد العام سبّب لهم المواجهة مع عدوهم في وقت هم في غنى عن ذلك وهذا بلا شك بقضاء الله وقدره، ولكن ينبغي دائماً على المسلم أن يكون حريصاً كل الحرص على الأخذ برأي وتوجيهات من يفوقه علماً وخبرة فإن صاحب العلم والخبرة مفضل

على غيره والله يقول ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ فالغفلة عن استشارة ذوي الخبرة والفضل قد يحدث أموراً لا تحمد عقباها ولكن الله لطف بهم وأحسن، وبركة استشارة أهل العلم والفضل والخبرة لا ينحصر في ميدان المعركة فقط بل هو شامل في كل شؤون الحياة فلا يحقرن أحد رأي غيره فلربما وجد في رأي غيره صواباً كان في غفلة عنه، والرسولrكان مسدداً من الله ولا يحتاج إلى مشورة أحد من البشر ومع ذلك أمره الله بقوله ﴿وشاورهم في الأمر ﴾ فكان يستشير الصغير والكبير، فاحرص أخي الكريم ولا تغفل عن رأي غيرك وكما جاء في الأثر :( والحكمة ضالة المؤمن ) .
3- بسبب قرب المجاهدين من القوات الروسية أثناء الاشتباك بدأت القوات الروسية بقصف الجميع، وهذا الفعل من القوات الروسية له دلالات منها أولاً : أن القوات الروسية لا تقيم لأفرادها أي وزن فلأدنى سبب تعرض أرواحهم للخطر وتقتلهم فهي في هذا القصف قتلت من قواتها أكثر مما قتلته من المجاهدين، ثانياً : إن قصف القوات الروسية للمجاهدين مع قواتها كان ذلك نتيجة فرحة القوات الروسية بتحديد مواقع المجاهدين بدقة فرأت أن هذه فرصة لا تعوض ولا بد من استثمارها حتى لو راح جنودها ضحية استثمار هذه الفرصة، ثالثاً : الاشتباك القريب مع الأعداء يعطل سلاح الجو ويعطل المدفعية هذا ما يفترض مع أي قوات تقدر حياة جنودها فلو كانت هذه القوات غير القوات الروسية لأوقفت القصف عند اقتراب جنودها لمسافة 400متر من المجاهدين وهذا الفعل الأخرق من الروس لم نشهده أو نسمع به من قبل فلله الحمد على اضطرابهم وتخبطهم إلى هذا الحد .
4- أبو ثابت قبض الله روحه وهو على خير حال يتمناها كل مسلم، قتل مجاهداً مقبلاً غير مدبر قتل وهو رافع يديه إلى السماء يناجي ربه، فالخاتمة الحسنة للمجاهد كفى بها داعياً إلى اقتفاء أثره والسير على دربه، ولو حدثنا المسلمين بمصارع إخواننا سواءً في الشيشان أو غيرها لثارت نفوسهم شوقاً حتى يقتلوا على ما قتل عليه إخوانهم، ونسأل الله أن يمكنا من كتابة بعض إحسان الله علينا بأن جعل منا من يقبض وهو ساجد أو يقبض وهو يردد لا إله إلا الله محمد رسول الله أو يقبض وهو يلقي على إخوانه خطبة يحثهم فيها على مواصلة طريق الجهاد لو أراد إلقاءها

صحيحاً لما استطاع، أو يقبض وهو يقول إني لأجد ريح الجنة أو يقبض وهو يضحك لما يرى من النعيم العظيم مصداقاً لقول الرسول r أن الشهيد يرى مقعده من الجنة مع أول دفقة من دمه ولقوله r ( لا يجد الشهيد من مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة )، فنسأل الله ألا يحرمنا فضله، فخاتمة كهذه ألا تستدعي أن يحرص المسلمون على الجهاد رجاء مثل هذه الخاتمة ؟ .
5- إن الأخوة في الله هي من أعظم الأواصر التي تربط العبد بأخيه وفضلها عظيم، وما تتضح تلك الأخوة إلا حينما يشتد الحال وتبلغ القلوب الحناجر، فيوم وقى الأخ يعقوب أخيه عباد بجسمه لم يكن ذلك تصنعاً منه فأنى لرجل أن يتصنع ما ليس فيه في مثل ذلك الموقف وقد اقترب الموت و رُئي رأي العين، فمتى ترجمت الأخوة على الواقع بمثل هذه الأفعال كانت حقاً أخوة يستحق المتصف بها أن ينال ما قال عنه رسول الله r عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم ( رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ) وقوله كما جاء عند الترمذي وأحمد عن معاذ رضي الله عنه ( يقول الله عز وجل المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ) فالمحبة لله ليست دعوى تطلقها الألسن بل هي أفعال صادرة عن شعور قلبي راسخ لا يتزعزع، فنسأل الله الرحمة، من منا يستطيع إعطاء الأخوة في الله حقها كما ينبغي ؟ فأكثر دعوى المحبة في الله في زماننا لا تترجمها الجوارح فهي ادعاء ليس له رصيد من الواقع، ويا سبحان الله من جمع أولئك النزع من كل أرض في بلاد الشيشان حتى أضحى الرجل يحب أخاه أكثر من حبه لأخيه من النسب بل أكثر من حبه لنفسه فيفديه بها ؟ والله إن كان في الدنيا غنيمة فلنعم الغنيمة أخ يفديك بنفسه، لا أن يجاملك على حساب دينك أو يهجرك يوم لا مصلحة له عندك .
6- إن الشجاعة والإقدام أمر مطلوب في المسلم وخاصة المجاهد، فعندما دحر الله الروس تحركنا على نفس الطريق الذي يسيطر عليه الروس وتقدمنا باتجاههم رغم انكشاف الطريق لهم، ولو أن الخوف ملئ القلوب وقتها مع ما صاحب المعركة من تعب وجوع لما استطعنا أن نقدم على مثل تلك الخطوة الخطيرة، ولكن الله ثبت القلوب وأحبت الموت في سبيله وأقدمت بكل شجاعة فحفظها

الله وحماها، ولو فكرنا بعد ذلك بما فعلنا لخفنا وقلنا لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما أقدمنا مثل ذلك الإقدام، عناية الله كانت تحيط بنا وهو وحده مثبت القلوب، ولكن لا يثبت الله أحداً ما لم يستعن به ويتصبر وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r ( يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) والله قادر على أن يأتي عبده هرولة بغير بذل العبد شيئاًَ ولكن الله علق إقباله على عبده بفعل العبد نفسه فمن أحب أن يقابله الله بشيء فليقابل الله بمثيل ما يريد من الله، فإن الله هو أهل الفضل والإحسان بل كلما زاد العبد تقرباً إلى الله أعظم الله له العطاء والإحسان وسدده وهذا مصداق للحديث القدسي الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول r قال يقول الله عز وجل ( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) فسبحان جزيل العطاء وهو غني عن خلقه قال الله تعالى ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) فأحسن لنفسك إن أردت الإحسان من الله .

الفصل الرابع :معركة السماء في فجر يوم الثلاثاء 25/ذو القعدة 1420هـ الموافق 1/3/2000م بدأت معركة السماء .حقا إنها معركة السماء فإن المتأمل لحالنا لا شك أنه سيذهل وربما تذرف عيناه الدموع من ذلك الموقف فتصور أخي الكريم ستة أيام من الجوع والبرد أعقبها بعد ذلك قصف مدفعي مع تعب الطريق وشدته وفقدنا خلال ذلك القصف أحد الأمراء مع مجموعة من خيار الإخوة نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحد من عباده، ثم يكتب الله لنا النصر في المعركة الأولى ونبيت طوال الليل في خوف وجوع وبرد وقصف مركز وأكف الضراعة مرفوعة إلى السماء والدموع تنهمر وكلنا ثقة في أن الله بيده مفاتيح الفرج وأنه جاعل من بعد عسر يسرا، ثم نواجه معركة أخرى مع الفجر فالوضع لا شك أنه صعب جدا طوال الليل لم نذق طعم النوم ولا قوة لنا إلا بالله، فعندما بدأت

المواجهة في الفجر أمر القائد شامل أن ينزل المجاهدون إلى الوادي الواقع جنوب الجبل الذي هم عليه والوادي سحيق جدا فنزل المجاهدون بين الأشجار فأحس الروس بهم فتقدموا على مشارف الوادي وبدءوا الرماية على المجاهدين من خلفهم ولكن لكثافة الأشجار لم يصب أحد والفضل لله وحده أولا وآخراً، ثم انحدرنا بسرعة إلى منتصف الجبل وكانت الصدمة كبيرة فأمامنا هاوية كبيرة ومن فوقنا الروس يطلقون النار علينا فما كان أمامنا من خيار سوى النزول من تلك الهاوية وكان القصد من النزول إلى الوادي هو التخفي فيه حتى الليل ثم مواصلة الطريق وكم كان الأمر عظيماً وشاقاً فالهاوية خطيرة ونحن في منتصف الجبل فكان أن ألقى بعضنا بنفسه من الهاوية ولحسن الحظ كان في الأسفل رمل ناعم فلم يصب أحد منا بأذى واجتمع عدد غير قليل منا في الوادي وبدأ القصف المدفعي ينزل علينا ولكن الله حفظنا وكان الصبح قد أسفر وعند شروق الشمس جاءت الأوامر من القائد شامل بساييف بالصعود من الوادي إلى أعلى الجبل وجاءت الطائرات المروحية واشتد القصف المدفعي والقوات الخاصة في أعلى الجبل ينتظرون من تبقى من المجاهدين لكي يجهزوا عليهم هذا بزعمهم ولكن الله لهم بالمرصاد، وكانت الأرض طيناً والمرتفع عالٍ جداً والأجسام منهكة للغاية وعندها بلغت القلوب الحناجر وجف اللعاب فلا تسمع إلا همسا، واشتد قصف الروس ولكن أين ؟ وعلى من ؟ فلا إله إلا الله الوضع لصالح الروس والأمر صورياً بيدهم، وفي غمضة عين يغير الله الأمور لصالح المجاهدين الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة إلا به وحده فيأتي القصف فينزل القصف المدفعي الروسي على القوات الروسية فأبادهم عن بكرة أبيهم وعددهم أكثر من 50 كافراً وفتح الطريق أمام المجاهدين وتوقف الطيران الروسي والقصف المدفعي وأكرم الله بعض الإخوة بالشهادة وجرح آخرون، وعند مرور المجاهدين على الشهداء في رأس الجبل كان الموقف صعبا على النفوس ومؤلم فجثث الإخوة ملقاة على الأرض منهم من قضى نحبه ومنهم الذي يحتضر ورأسه مفتوح من الأمام والخلف و مخه يخرج من خلف رأسه ورابع يحفر لنفسه قبراً في حفرة القذائف المتفجرة وهو ينازع الموت وخامس لم يدفنه أحد، منظر يبكي القلوب دماً، ولكن سرعان ما يتحول الموقف إلى فرحة وبهجة ترتسم على الوجه فعلى بعد خطوات من الشهداء تجد جثث الروس ممدة في الأرض وفي أبشع قتلة ثم تزداد الفرحة حين تقدمنا لأمتار ووجدنا اكثر من 40 روسيا ممددين على الأرض كأصحاب قليب بدر والكفر أمة بعضها من بعض،فلا إله إلا الله فهذه من الكرامات التي من الله بها على المجاهدين

وبقي لنا أن نتوقف عند منظر في غاية الدهشة فعندما تفحصنا جثث الكلاب الروس وجدنا معظمهم مفتحي الرؤوس من قبل وجوههم ومقطعة أفخاذ بعضهم من الخلف فيذكرك هذا المنظر بقول الله سبحانه ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ) الأنفال 50 ..ولك أن تتأمل في مقتلهم ( وقد عرضنا صورهم في فلمنا جحيم الروس الجزء الثاني ) فكلهم بجوار بعض و ليسوا متفرقين فيا ترى من جمعهم بهذا الشكل ؟، ولو كان القصف الروسي الذي قتلهم فكيف بالقصف أن يقتلهم أكواماً بعضهم فوق بعض وفي مكان واحد ؟، وعادة من يقع عليه القصف ينتشر في المنطقة ليبحث عن أي ساتر من هذا القصف، وإذا كان القصف الذي قتلهم فكيف بالقصف يصيبهم في أماكن متشابهة ؟ فأغلب إصاباتهم كانت في وجوههم وأدبارهم !!!..فاعتبروا يا أولي الألباب ..
قتلهم الله ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وهو القائل ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ) 17 الأنفال … فالحمد لله وحده على هذا النصر المبين، ثم تقدمنا ووطئنا بأقدامنا المتوضئة تلك الجثث النجسة الكافرة وواصلنا المسير حتى نهاية الجبل ثم انحدرنا يسارا إلى الغابة وسنفصل ذلك في الفصل الخامس.
فوائد وعبر: 1- لقد بات المجاهدون ليلتهم يتضرعون إلى الله بأن ينصرهم ويفرج عنهم، وما أجمل تلك اللحظات التي يفر فيها العبد لربه ويعلم أنه وحده هو مفرج الكرب، وما أعظم الفرحة إذا نزل الفرج بعد الشدة، وقُرب الفرج وبُعده معلقٌ بدعاء العبد وعمله قبل الشدة، ومن منا له أياد مرفوعة في الرخاء والرسولr يقول لابن عباس كما عند أحمد ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) وقال كما عند الترمذي عن أبي هريرة ( من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء ) وعند ابن أبي حاتم والطبري وغيرهما عن أنس رضي الله عنه ( أن يونس عليه السلام لما دعا في بطن الحوت، قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة، فقال الله عز وجل : أما تعرفون ذلك ؟ قالوا ومن هو ؟ قال عبدي يونس، قالوا

عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة ؟ قال نعم، قالوا يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال بلى، قال : فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء ) فبعمل يونس عليه السلام قبل الكربة شفعت له الملائكة فأنجاه الله، أما فرعون إمام الكفر والعناد فبسبب سوء عمله وتجبره وتكبره لم يقبل الله منه يوم أن قال ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ﴾ فقال الله له ﴿ ءالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ﴾ فلم يقبل الله منه توبته وكما شفعت الملائكة ليونس عند الله فإن الملائكة كرهت توبة فرعون كما جاء عند الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال ( لما أغرق الله فرعون قال ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ فقال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة ) فالملائكة لم تشفع لفرعون بل ملئت فمه طيناً حتى لا ينطق بما يكون سبباً لرحمة الله له، فمن عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة وهذه وصية أوصى بها رسول الله r الغلام ابن عباس رضي الله عنهما، وكثير منا لا يعرف الله ولا يدعوه إلا إذا أصيب بمصيبة وهذا أمر لا ننكر فضله ولكن ينبغي على العبد أن يكون له ارتباط بربه ويتعرف عليه في الرخاء ليعرفه في الشدة وينجيه، أما أن يكثر العبد الغفلة ثم إذا مسه الضر دعا ربه منيباً إليه فهذه خصلة من خصال المشركين والله يقول عنهم ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾، فمن عرف الله في الرخاء ملئ الله قلبه يقيناً بالفرج وأن مع العسر يسرا، والثقة بقول الله تعالى ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ لا تأتي إلا بعد معرفة لله في الرخاء وحسن صلة معه نسأل الله ألا يحرمنا قربه ومعرفته .
2- القائد شامل كان في حالة يرثى لها ورغم ذلك كان يوجه القافلة ويختار ميدان المعركة، ولم يكن هذا الأمر عليه جديداً فقد خرج من غروزني محمولاً على النقالة ورغم ذلك كان يوجه الأخوة وجرحه يثعب دماً فلله در مثل هؤلاء الرجال حب الجهاد وتحمل المسؤولية مزروع في قلوبهم فرغم ما يصابون به من بلاء إلا أنهم محط الأنظار والقيادة فنسأل الله أن يثبتهم على هذا الطريق ويهديهم سبيله ونسأله ألا يفتنهم حتى يلقوه وهم على ذلك .

3- كان البلاء الذي أصابنا بعد هذه المعركة والشدة التي واجهناها رققت ما قبلها، فلما بلغت القلوب الحناجر ظننا أن هذه هي المهلكة (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) وقلنا ( متى نصر الله ) والله عز وجل إذا أراد شيئاًَ إنما يقول له كن فيكون، ففرحنا بنصر الله بعد أن أيقنا الهلاك فلا إله إلا الله ما قدرنا الله حق قدره، فعظمته وقوته وقدرته فوق كل شيء ولكن أين اليقين بالله ؟
5- إن القتلة التي مات بها الروس قتلة تدعوا للعجب ونحن على يقين أن مثل هذه القتلة لم تكن بفعلنا ولا بفعل قصف الروس أيضاً، لأن القرائن ووضع جثث الروس لا يدل أبداً على أنهم كلهم قتلوا بالقصف الروسي ولم يكن القصف العشوائي يوماً يحدث مثل تلك النتيجة المذهلة بغير أثر على الأرض، وربما قائل فمن فعل ذلك إذاً ؟ نقول فعله القوي العزيز فله جنود السماوات والأرض، وهو كريم يكرم عباده بما يشاء وإن كنا أقل من ذلك الإكرام ولكن نعم الله لا تحصى، فالذي أكرم الأولين لا يعجز عن إكرام الآخرين، والكرامة تحدث لعباد الله وهي إلى ضعيف الإيمان أقرب لتقوي إيمانه، فما جاء من الكرامات في حياة التابعين أكثر منها في حياة الصحابة وهكذا، وأهل السنة قاطبة يُقرّون بحصول الكرامات للعباد ولم يشذ في ذلك إلا ابن حزم والاسفرائيني، حتى الأشاعرة يقرون بالكرامات ولم ينكر الكرامات جملة وتفصيلاً إلا المعتزلة وطائفة من أهل البدع، والحديث يطول في تقرير الكرامات وضوابطها وذكر نماذج منها حصلت في التاريخ ولنا إن شاء الله بحث عن الكرامات نسأل الله العون والسداد لإتمامه .

الفصل الخامس :وادي الموت لا أدري كيف أسوق أحداث هذا الوادي فقد كانت شدة وادي الجوع وأعقبها معركة الإنزال الأول والثاني من الساعة 11ظهرا يوم الإثنين إلى الساعة 9صباحا من يوم الثلاثاء حتى فتح الله الطريق أمامنا إلى وادي الموت بلاء يعقبه بلاء و تمحيص وأي تمحيص فالطريق قد انكشف للروس وأصبح المكان محدداً ومحاصراً أيضاً، دخلنا إلى هذا الوادي نهار الثلاثاء 25/ذو القعدة 1420هـ الموافق 1/3/2000م ومنذ أول يوم دخلت القافلة وادي الموت والطيران بأنواعه يقصف الوادي كما أن ذلك الوادي بغاباته محاصر من جميع اتجاهاته وتوغل المجاهدون داخله

باتجاه قرية سلمن تاوزني فرصدهم طيران التصوير وبدأت الطائرات المروحية تحوم على رؤوس المجاهدين وتعطي علامات دخانية لتحديد مكان المجاهدين وكان حال المجاهدين في غاية من الإرهاق والجوع فلأكثر من 40 ساعة لم يناموا بسبب الأحداث التي اعترضتهم طوال الطريق وعند دخول الظلام ألقى المجاهدون بأنفسهم على الأرض والثلج وناموا وملابسهم مبللة وحالهم لا يعلمها إلا الله فلا تنظر إلى أحد منهم إلا تجد عيناه منتفختان لعدم النوم وشدة البرد وتراه يتألم من الجوع قد ذهبت منهم حيوية الشباب بعضهم يحمل العصا كما لو كان عمره ناهز المائة قد انحنى ظهره وانهدت قوى بدنه وتغير لون وجهه وطال شاربه وغطى شفتيه حالته تُبكى من يراها لأول وهله ولكن القلوب ملأها الإيمان بأن الفرج لا شك قريب، وأثناء ذلك الوضع وقع موقف يدعو للتأمل فبينما أحد الأخوة أصابه من الجهد ما لا يعلمه إلا الله مما حدا به أن يتوكأ على عصاوين من شدة ما به إذ مر به أحد الأخوة فقال وكان هذا الأخ في طبعه دعابة وطرفه فقال للأول لو أخذت عصا ثالثاً على ظهرك احتياطا لما معك لو انكسر أحدهما، فنظر له الأول وغضب عليه وانهدت قواه وتأثر من هذا القول، وعلى كل حال فقد أشعل المجاهدون النيران وباتوا ليلة قاسية وفي اليوم الثاني من أيام وادي الموت عند شروق الشمس ضجت السماء بالطائرات المروحية فقد عرفت أماكن المجاهدين من اليوم الأول واقترب الطيران لمسافات قريبة جداً من فوق رؤوسنا فأخذنا نجري يميناً ويساراً كل يتمسك بأصل شجرة وحاله في أسوأ حال علاه الزفير والشهيق جف لعابه وأصابه الهلع وهو يرى الطيران يقترب وطاقم الطائرة يوجه بيده نحوه وكان ارتفاع الطيران لا يتجاوز 60 متراً من فوق الشجر وأخذ الطيران يدور على رؤوسنا فلما ذهب الطيران للتزود بالوقود تحركت قوافل المجاهدين إلى أعلى الغابة باتجاه الجبال الجنوبية للغابة ولما رجعت الطائرات ولم تجدنا في أماكننا فجن جنونهم فجابوا الغابة كلها طولاً وعرضاً، والغابة واسعةٌ جداً وبعد طيران مكثف ومنخفض جداً عثروا على آثار لنا قد سلكناها للخروج من الغابة، فبدأ القصف الشديد وقتل في ذلك القصف 4 مجاهدين نسأل الله أن يتقبلهم، فلما وصل المجاهدون أعلى الغابة أخذوا يساراً إلى شرق الغابة فلما وصلوا إلى نهر شرق الغابة وجدوا جاسوساً خلف الشجر يصحح للطيران الرماية وهو رجل كبير ذو لحية بيضاء يرافق المجاهدين في الطريق فأخذوه و ذبحوه وأخزى الله الظالمين وضاعت معلوماتهم فلم يعرفوا بالتحديد مكان المجاهدين ولا يستطيعون إدخال جنودهم إلى الغابة، لأنهم يعرفون من هم المجاهدون .
وبعد ما تجاوزنا النهر أخذنا يساراً إلى شمال الغابة واقتربنا من قرية ديسي خوتي التي خاف الروس من أن يدخلها المجاهدون وقبل القرية بـ 2 إلى 3 كم توقفت القافلة وباتت لليلة الثانية في تلك الغابة التي حوصرت بـ 300 دبابة عدا الأسلحة الأخرى بما فيها الطيران وكان الوضع غير جيد والهواء بارداً والأرض مبللة والحال لا يعلم بها إلا الله سبحانه، وعند الفجر جاءت الأوامر بالرجوع من نفس الطريق إلى مكان آخر داخل الغابة فأصبح الوضع صعبا على الروس فلم يعثروا على مكان المجاهدين وتوزعنا بين الأشجار يطوي الجوع بطوننا وبقينا تحت الأشجار حتى الليل وبتنا الليلة الثالثة في الغابة المحاصرة وفي صباح اليوم الرابع الجمعة 28/ذو القعدة 1420هـ الموافق 4/3/2000م غيرنا مواقعنا وتركز القصف علينا بشتى الأسلحة من البر والجو وقتل أحد الأخوة في ذلك القصف وجرح آخرون، وفي ذلك اليوم لم نجد طعاما فذبحنا أحد الخيول وكان نصيب الواحد منا قدر أصبعين من اللحم لا يسمن ولا يغني من جوع سوى إسكات ألم البطن وسد الرمق، وانطلق الكثير منا للبحث عن الحشائش الصغيرة التي تحت الثلج لنأكلها حتى أحرقت بطوننا، وكم ذرفت العيون دموعها وكم رفعت الأكف إلى الله ليفك عن المجاهدين ما هم فيه … حقا كانت أربعة أيام عمت فيها الأمراض وزادت الجراح وكان بعضنا يضع كما تضع الشاة وتقرحت الأقدام فكان أحدنا ينزع الخف ويخرج مع الخف جلده فيبكي كالطفل من شدة الألم، وضاقت الدنيا على المجاهدين فجميع اتجاهات الغابة محاصرة والقصف مستمر والجراح تزداد يوما بعد يوم والطعام غير متوفر والحصار يشتد فلا إله إلا الله وحده فلم يبق أمام المجاهدين سوى الاستعداد للقاء الله بالقتال حتى الموت فلم يكن هناك أي أمل بالخروج إلا إذا أراد الله .
وبعد المغرب من يوم الجمعة أي الليلة الرابعة تحركنا إلى أسفل الغابة باتجاه الشمال لكي نخرج من ذلك الحصار، فجزى الله الأمراء خيراً فقد رصدوا الطريق جيدا وكم سهروا وتعبوا ليفكوا الحصار عن إخوانهم وكان الفضل لله وحده ثم للأخ خطاب الذي أرسل الأخ أبا ذر الطائفي ومن معه فهم الذين رصدوا طريقا للخروج آمنا من الكمائن، وكم كانت الفرحة كبيرة في نفوسنا حين سمعنا صوت أبي ذر في جهاز اللاسلكي يخبر القادة بوجود الطريق، فنزلت القافلة حتى نهاية الوادي ثم اتجهت يسارا تصعد تارة وتهبط تارة أخرى حتى خرجت من نفس الطريق الذي دخلت منه إلى وادي الموت، وقد انسحب الروس من هذا المكان بعدما قتل الله القوات الخاصة كلها هناك

وسبق أن أشرنا لطريقة قتلهم، وعند الخروج من الحصار كان القصف يأتي متفرقا على جنبات الطريق و الطريق شديد الوحل أنهك ما تبقى من قوى في الأجسام واستمرت القافلة تسير على رأس الجبل الذي كان فيه الإنزال حتى وصلنا مكان المعركة الأولى التي قتل فيها القائد عبد الصمد الطاجيكي ثم انحدرنا يمينا حتى دخلنا أحد الأودية وكان سيرنا طوال الليل من المغرب حتى الفجر ثم بتنا في هذا الوادي طيلة يومنا متعبين وبعد صلاة المغرب تحركت القافلة من الوادي إلى النهر ثم دخلت القافلة في واد طويل ووعر ونزلت القذائف المدفعية على بداية الوادي وسلم الله المجاهدين من شرها وكان ذلك بعد صلاة المغرب من يوم السبت 29/ذو القعدة 1420هـ الموافق 5/3/2000م ويعرف هذا الوادي بوادي الخوف، وسنعرض له في الفصل السادس .

فوائد وعبر: 1- مزاح أحد الأخوة مع الآخر المتعب سبب له ألماً في نفسه وعكر صفوه وهد من قواه، وكان الأخ الذي مازح أخاه بكلمات ظن أنه بذلك سيخفف على أخيه تلك الآلام فأراد أن يضحكه ولكن جاء الأثر على خلاف ما توقعه، لذا قال الرسول r كما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهم قال (لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدة فتخلفه) فالمزاح ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه والصحابة يتمازحون فيما بينهم، ونهي الرسول r هنا ليس نهياً مطلقاً ولكن كما قال العلماء أنه نهي عن المزاح الذي يحدث عواقب سيئة ويفضي إلى هتك عرض الأخ وإيذائه سواءً كان باليد وهو الأغلب أو باللسان فالمزاح بين الأخوة له أوقاته وحدوده وكما قال بعض العلماء إذا أردت أن يقل ود أخيك لك فأكثر المزاح معه بيدك، فنقول لكل أخ إن المزاح له حدود وأوقات فتحين أوقاته والتزم حدوده حتى لا يفسد القول أو الفعل وداً بناه الزمن.
2- كان تحركنا والخروج من الحصار إلى أعلى الغابة في وقت لم يكن يتصوره العدو، وجاء ذلك التحرك السريع اغتناماً لفرصة لم يكن بالحسبان أنها فرصة لولا الله ثم معرفة القادة بوقت تزود الطائرات بالوقود وهذا راجع كما أسلفنا في فائدة مضت على حسن دراسة أسلحة العدو وأساليبه، فكان اغتنام الفرص عاملاً مهماً من عوامل المبادرة فيجب على المجاهد اغتنام الفرص

وقت تمكنه منها وكلما كان اغتنام الفرص سريعاً ومفاجئاً كان أثره على العدو أكبر ولا يمكن اغتنام الفرص حتى يكون المجاهد وصل قدراً عالياً من النباهة والشجاعة لاتخاذ المواقف السريعة وهذا بالطبع لا يأتي إلا بتوفيق الله وحده، وبالتعلم والإصرار.
3- لما خرجنا من الغابة لم يستطع الروس معرفة أين نحن إلا بعدما تتبعوا آثارنا، وهنا نلفت الانتباه إلى أن الآثار سواءً أثار الأقدام أو المخلّفات أو النيران التي يخلفها المجاهد في مكان بقائه كلها عبارة عن أدلة تحدد عدد مجموعته ومدة مكوثه وقبل كم كان في ذلك الموقع وماذا كان يستخدم وحتى بعض أحواله الخاصة ونوع طعامه أيضاً وحالته الصحية لو حلل العدو فضلاته وربما عرقه البشري مع تقدم التكنلوجيا وما يعرف بالحمض النووي، وانظر إلى أبي سفيان لما خرج رسول الله r من المدينة يريد عير قريش، وكان أبو سفيان قائد العير وكان حذراً يخشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصد الطريق وأنكر في طريقه مناخ راحلتين رآه فأخذ من المناخ بعرة وفتها ووجد بها نوى فعلم أن الراحلتين لرجال من أصحاب رسول الله rلأن أهل المدينة هم الذين يطعمون الإبل النوى لكثرة التمر عندهم، فغير مسار قافلته وأرسل نذيراً ينذر قريش ليخرجوا ويحموا قافلتهم، فانظر كيف استطاع أبو سفيان أن يتجنب الخطر من بعرة أخذها من الأرض وعرف ما بداخلها فحلل تلك المعلومات البسيطة وربطها بوضعه ونجا من الخطر، والمجاهد ينبغي أن يكون على قدر عالٍ من تخفية الآثار والتعتيم على العدو ولا بد أن يكون له طرقاً وقائية يظلل بها العدو ويجعل آثاره التي لا يستطيع إخفاءها تدل على خلاف واقعه ويجتهد في ذلك، كما ينبغي عليه أن يكون نبيهاً في تحليل كل أثر يمر به وكل ظاهرة يشاهدها، فانظر إلى النفر من قبيلة جرهم كما في الصحيحين لما مروا بجانب بئر زمزم وهم لم يكونوا يعلموا أن في مثل هذا المكان ماء رأوا طائراً عائفاً يدور في السماء فقالوا ما يدور هذه إلا على ماء وعهدنا بهذا الوادي ليس فيه ماء، فاقتربوا فوجدوا هاجر وابنها عليه السلام على بئر زمزم، فانظر كيف يتوصل المرء النبيه إلى ما يريد بتحليل الظواهر المحيطة به فكن على نباهة وتعود تحليل كل ما يحيط بك واربط كل معلوماتك بعضها ببعض لتخرج بفائدة من كل شيء وما العلم إلا بالتعلم والله الموفق.
4- لا بد أن يحرص المجاهدون على تصفية صفوفهم، فالجاسوس الذي رافق المجاهدين كاد بتصحيحه لرماية العدو أن يودي بحياة الجميع بعدما دل الروس على مواقعنا في السابق وتسبب في قتل عدد منا، وحينما علم المجاهدون به وأقر بجريمته قتل، وقتل الجاسوس الحربي جائز بالإجماع وإذا كان الجاسوس ذمياً أو معاهداً فالجمهور على جواز قتله وإذا كان الجاسوس مسلماً فقال مالك والقاضي عياض بقتله والجمهور على تعزيره ويقول ابن القيم في الطرق الحكمية 117 " هل يجوز أن يبلغ التعزير القتل ؟ فيه قولان أحدهما يجوز كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل " وقال في زاد المعاد 3/423 " والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم "، والمسألة فيها تفصيل يطول وتفريق بين الجاسوس الحربي والجاسوس الذمي والجاسوس المسلم والراجح في كل هؤلاء هو أن يرجع الحكم فيهم إلى الأمير يفعل بهم ما تمليه المصلحة وهو أنفع للمجاهدين وحكمه كالأسير، وهؤلاء الجواسيس لا بد ألا يغتر أحد بمظاهرهم فقد أرسلت قبل ذلك الاستخبارات الروسية عدداً من جواسيسها يبلغون أكثر من خمسة وثلاثين شخصاً دفعة واحدة وقد كان عدد كبير منهم يصوم النهار ويقوم الليل يحقر أحدنا عمله إلى أعمالهم، إلا أن الله حفظ المجاهدين منهم وتم كشف أمرهم رحمة فأعدموا جميعاً، فمتابعة الصف وتصفيته أمر مهم يلقى على كاهل القادة لحفظ أرواح المجاهدين، وهذا الجاسوس الذي أصدر القادة الأمر بقتله قتل لسببين الأول : لأنه جاسوس وقتله جائز إن كان في ذلك مصلحة متحققة يراها القادة، والسبب الثاني لقتله : وهو الأهم لأنه شريك بالقتل فهو مشترك بالجناية التي راح ضحيتها عدد من المجاهدين بسبب القصف الروسي الذي يتم تصحيحه عن طريق هذا الجاسوس فجاء قتله لاشتراكه في قتل المجاهدين والله أعلم.
5- إن ما أصابنا خلال الأربعة أيام الماضية فرحنا به وجاء فرحنا بعد أن أنجانا الله منه وذقنا طعم الراحة وشبعت بطوننا، فلما مر التمحيص وتجاوزنا الصعاب فرحنا به أشد الفرح ورجونا من الله أن لا يضيع أجورنا، فقد تذكرنا في ذلك والوقت ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُصر في شعب أبي طالب من قبل قريش الذين قاطعوه وحاصروه هو وأصحابه وبني هاشم وبني المطلب بأطفالهم وعجائزهم وشيوخهم وأزواجهم لمدة ثلاث سنوات أكلوا خلالها الجلود

ووضعوا كما تضع الشياه، ولا يصل إليهم شيء من الأكل إلا سراً في خفاء حتى ساءت صحتهم وبليت ملابسهم وجفت أثداء النساء من الجوع والعطش فلم يشبع الرضع، وشحبت الوجوه وذوت الأبدان وذبلت الأعضاء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بينهم وهو يحمل أضعاف ما يحملون فيرى فوق هذه البطون الخاوية صدوراً عامرة ممتلئة بالثقة بالله حتى فرج الله عليهم، وتذكرنا أيضاً سرية أبي عبيدة رضي الله عنه كما جاء في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله) وتذكرنا ما جاء في الصحيحين أيضاً عن سعد رضي الله عنه قوله (والله إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة أو قال حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز ما يخلطه بشيء)، فإن كان ما أصابنا لبضعة أيام فقد هان علينا لما تذكرنا ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لسنين فلم يهنوا ولم يحزنوا ولم يكلوا أو يملوا بل ما زادهم ذلك التمحيص إلا شدة ومواصلة على الطريق، فمن اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب عليه ألا يحزن ولا يهن على ما يصيبه وليواصل طريقه ويزداد شدة كلما زاد الله له في البلاء، ولا يكون كمن قال الله فيه (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمئن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) فهذا الدين عظيم يحتاج إلى رجال عظام ليحملوه ويبلغوه وينافحوا عنه، أما أنصاف الرجال الذين يحسبون كل صيحة عليهم فلا يصلح لهم هذا الدين ليبلغوه وينافحوا عنه.
6- من الملاحظ أننا لم نكن نسمع المكالمات بين القادة ومجموعات الاستطلاع، ولم نكن نعلم بالمحاولات التي يجريها القادة للخروج بنا من بعض المواقف الصعبة، ولكننا سمعنا صوت أبي ذر يوم نادى القادة بالجهاز وأخبرهم عن وجود طريق نخرج منه خارج وادي الموت، وأظن أن القادة وخاصة القائد العام كان حريصاً على ألا يصلنا أي خبر عن تفاصيل محاولات الخروج

وخاصة المحاولات الفاشلة وقصده في ذلك ألا يفت في أعضادنا ويحبط نفسياتنا وكان هذا الفعل منهم حقاً فعلاً رشيداً اقتدوا فيه بسيد الأولين والآخرين، ولم يسمعونا إلا الأخبار السارة والبشرى الحسنة، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه وهو في غزوة الخندق خبر نقض قريظة للعهد فأرسل لهم رجالاً يستطلعون الأمر وعلى رأسهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدا الأوس والخزرج وقال لهم (انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس) فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله وقالوا لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد على رسول الله r فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي الخبر مشؤوم كخبر عضل والقارة الذين غدروا بأصحاب رسول الله أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه فقال رسول الله (الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين)، وكان يريد من ذلك عليه الصلاة والسلام ألا يحبط معنويات أصحابه إذا علموا أن بيوتهم مهددة من الداخل أيضاً والمدينة مهددة من الخارج عن طريق الأحزاب، ورفع معنويات الجنود بعدم إيصال الأخبار السيئة أمر مهم جداً ينبغي على القائد الحرص عليه، مع مراعاة ألا يكون دأب القائد التعتيم على جنوده دائماً بحجة عدم إحباط معنويات الجنود ولكن بحنكة القائد يعرف متى يوصل الأخبار السيئة للجنود ومتى يحجبها عنهم وإن كان بشكل عام ينبغي على القائد أن يطلع الجند على جميع الأخطار التي تحيط بهم ولكن إذا سمح الوقت والوضع بذلك والله أعلم.



الفصل السادس :وادي الخوف بعد الخروج من النهر اتجهت القافلة يمينا إلى وادي الخوف الذي يبلغ طوله حوالي 20كم تقريبا فمنذ أن دخل المجاهدون الوادي بدأ القصف عليهم بمدفعية الهاون وكان بعضها يأتي قريباً من المجاهدين ولكن الله يحرسهم ويرعاهم وواصلت القافلة سيرها في الوادي حتى منتصف الليل والطريق صعب ووعر وفيه أنهار صعبة العبور، وقبل أن نستريح كان علينا أن نجتاز النهر الذي يقع في وسط الوادي وهو يجري بسرعةٍ عالية وازدحمنا في هذا المكان وسقطت الخيول فيه

وماتت، كما سقط القائد شامل في النهر هو والفرس التي كانت تحمله لأنه مصاب وفتح جرح ساقه المبتورة ولكنه ثابت ثبوت الجبال الراسيات يصبرنا ويحثنا على السير ويقوي عزائمنا ثم سقط شيخنا الفاضل أبو عمر السيف حفظه الله وكان الوضع صعبا للغاية وبعد النهر استراح المجاهدون إلى الفجر ثم واصلوا طريقهم في الوادي وكانت الحركة بطيئة وصعبة لوعورة الطريق ولحركة الطيران الذي يبحث عن المجاهدين وسارت القافلة في هدوء تام يوحي بالخوف وقبل المغرب من يوم الأحد 30/ذو القعدة 1420هـ الموافق 6/3/2000م صعد المجاهدون يسارا إلى جبل عال يشرف على الوادي وهناك أدى المجاهدون صلاتي المغرب والعشاء ثم نزلوا يسارا إلى أسفل الجبل من الجهة الأخرى وكان النزول بحذر شديد فلما وصلت أسفل الجبل دخلت في أرض مفتوحة يراها الروس وفي هذا المكان تجلت كرامة من الله للمجاهدين، فقد كانت السماء صافية وإذا بالضباب ينزل فجأة ويغطي جهة الروس فقط فلم يستطيعوا رؤية الطريق وأخذ الله أبصارهم، حتى إني رأيت ذلك المنظر وأخذتني الدهشة فالضباب يغطي مواقع الروس في منتصف الجبل فقط وأعلى الجبل وأسفله لا يوجد عليه ضباب، ولما رأيت ذلك رغم شدة ما بي إلا أني جلست مقابل الجبل أتأمل تلك الكرامة وأحمد الله ريثما تعبر القافلة فلله الحمد والمنة، واصلت القافلة انحدارها في أرض شديدة الوحل فترى الواحد منا يقوم تارة ويسقط على الأرض تارة أخرى حتى دخلنا مزارع شديدة الوحل ومشى كثير منا بلا حذاء على الماء والحجارة والشوك والثلج إلى أن وصلنا قرية تاوزني وكانت أول قرية ندخلها منذ بداية المسيرة أي منذ خمسة عشر يوما تقريبا.

قـريــة تاوزنــي: دخلنا إليها الساعة 12من ليلة الإثنين 1/ذو الحجة 1420هـ الموافق 7/3/2000م وكان الأمراء جزاهم الله خيرا قد رتبوا أمر الأكل وغير ذلك وبقي المجاهدون في القرية ولم يدخلوا البيوت إلا القليل منهم وفي الفجر أمر القائد العام خطاب بالخروج من القرية لأن الروس سوف يحاصرونها إذا علموا بوجود المجاهدين فيها وقد استقبال أهل القرية للمجاهدين عجيباً حيث خرجوا لهم بالطعام والشرب بل وفتحوا أبواب بيوتهم للمجاهدين للنوم والإستحمام والإستراحة مما كان له الأثر في رفع معنويات المجاهدين ثم تحرك المجاهدون إلى أعلى القرية لمواصلة المسيرة ولكن

الصبح قد أسفر ولا يمكننا الخروج لأن الطريق مكشوف للروس وهم قريبين منه فرجعنا إلى بيوت مهجورة في بداية القرية و بقينا طيلة يومنا نأكل ونشرب حتى جن الظلام وجاءت الأوامر بأن نتجمع وسط القرية استعدادا لمواصلة المسيرة، وفي الساعة الواحدة ليلا تحركنا خارج القرية حيث صعدنا إلى التبة المشرفة على القرية ثم نزلنا إلى واد صعب المسالك وسرنا في صعود وهبوط ولمسافات غير طويلة ثم استرحنا بعد الفجر من يوم الثلاثاء 2/ذو الحجة 1420هـ الموافق 8/3/2000م وأكلنا وشربنا فقد أخذنا درسا في الأيام السابقة فحملنا معنا من الطعام ما استطعنا حمله وفي أثناء خروجنا من القرية ظل أحد الأنصار الطريق فذهب باتجاه الروس حيث كانوا قريبين منا جداً فلما اقترب منهم وهو ينظر إلى الكشاف يظن أنهم المجاهدين صاح أحدهم عليه وقال بالروسي تعال هنا ففزع الأخ وعرف أنهم الروس وكان بينه وبينهم أمتاراً قليلة فرجع مسرعاً من حيث أتى حتى لحق بإخوانه وأعمى الله أعين الروس عن تتبعه أو اللحاق به !! وبعد الظهر من نفس اليوم نزلنا إلى أسفل الجبل ثم صعدنا إلى جبل عالٍ جداً يعرف بجبل مشتاق وأثناء الصعود تعب أكثر المجاهدين وصاروا يشربون الماء من الطرق كيفما وجدوه وهو الأمر الذي أدى إلى إصابتهم بأمراض كثيرة منها الإسهال، ولما وصلنا راس الجبل سرنا في خط مستقيم على رأس الجبل إلى أن أظلم علينا الليل وبتنا مرهقين متعبين وبدأ القصف بالدبابات على الجبل عشوائياً ولم يصب أحدٌ منا ولله الحمد والمنة.
وفي صباح اليوم التالي الأربعاء 3/12/1420هـ الموافق 9/3/2000م تحركت مجموعة إلى الأمام لمسافة 4 كم وبعد صلاة العصر من هذا اليوم تحركت باقي المجموعات حتى لحقت بالمجموعة الأولى ثم انحدرت قليلا إلى أرض مستوية صلينا هناك المغرب والعشاء وبتنا هناك إلى الفجر وفي فجر الخميس 4/12/1420هـ الموفق 10/3/2000م تحركنا إلى أسفل الجبل نتوقف أوقاتا ونمشي أوقاتاً أخرى ولما وصلنا أسفل الجبل انتظرنا حلول الظلام لكي نقطع النهر الطويل الذي عرف بنهر الألم، وسنعرض له في الفصل القادم.


فوائد وعبر: 1- إن كلمات قالها لنا القائد شامل يصبرنا فيها بعدما سقط في النهر ونزف جرحه إنها لكلمات أحيت نفوسنا وشحذت هممنا وما ذلك إلا لأننا كنا نرى أن القائد شامل أكثرنا مصاباً، فالنصيحة والتصبير يوم تأتي ممن يرى المرء أنه في حال أشد منه بلاءً يكون لها وقع في النفوس، فيوم تجد النصيحة من رجل يحثك فيها على الزهد وترك متاع الدنيا وأنت تراه وقد تفتقت عكن بطنه من الشحم وانغمس في نعيم الدنيا كيف يكون وقع هذه النصيحة والموعظة عليك، فمن أراد أن تكون نصيحته ذات أثر على عباد الله فليكن أول العاملين بها وإذا لم يعمل بها قبل الدعوة إليها فلا يحزن حينما يعرض عنه العباد، وقد كان ذلك حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه كما روى الترمذي عن عن أبي طلحة رضي الله عنه قال (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين) وهذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم يسكت من صعب عليه حاله فإذا رأى من هو أشد منه حالاً وأثبت منه خف عليه مصابه، وكذلك نحن لما رأينا شامل أكثر منا مصاباً وهو يحثنا على الصبر زادنا ذلك صبراً وقوة، فينبغي للقادة أن يدعوا الناس بأعمالهم وأحوالهم قبل أن يدعوهم بألسنتهم وفعل القائد والعالم له أثر في نفوس الأتباع أكثر من أثر الكلام والخطب الرنانة التي لا تترجم على الواقع وانظر إلى حال الصحابة رضي الله عنهم عندما توانوا عن تنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم جزعاً مما حدث في صلح الحديبية فدخل على أم سلمة في خيمته فقال (يا أم سلمة هلك المسلمون، فقالت وما صنعوا ؟ فقال أمرتهم فما أطاعوا، طلبت منهم أن يحلوا فلم يفعلوا، فقالت رضي الله عنها : لو فعلت أمامهم لاتّبعوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه، ونحر هديه فتسابق المسلمون إلى ذلك محلقين رؤوسهم ومقصرين، وكل يسرع إلى هديه ينحره) فانظر كيف دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله ما لم يستجب له لما دعا بلسانه فعلى كل قائد متبع أن يكون أول العاملين لما يدعو إليه فإن ذلك له أثر عظيم في نفوس الأتباع نسأل الله ألا يجعلنا ممن قال الله فيهم ﴿لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون﴾
2- لقد أكرمنا الله في هذه المسيرة ورعانا وحفظنا فله الحمد والمنة ولما ألححنا عليه بالدعاء أخذ

أعين الروس عنا وسلط عليهم الضباب فلم يستطيعوا رؤيتنا، فالضباب أحد جند الله الذين سلطوا على الروس في تلك الفترة ولم نكن نحتسب ذلك أبداً ولكن فضل الله عظيم وهو أكرم الأكرمين، فهو الذي قال ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا﴾ وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية " عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها قالت لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول مذمما أتينا أو أبينا (قال أبو موسى الشك مني) ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر رضي الله عنه لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك فقال إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به منها (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) قال فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر لا ورب هذا البيت ما هجاك قال فانصرفت وهي تقول لقد علمت قريش أني بنت سيدها " ولا غرابة أن يأخذ الله أبصار الروس عنا فهو الذي قال (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) قال ابن كثير " قال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب قال قال أبو جهل وهم جلوس إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده حفنة من تراب وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه فجعل يذرها على رءوسهم ويقرأ ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ حتى انتهى إلى قوله تعالى ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ وانطلق رسول اللهr لحاجته وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار فقال ما لكم قالوا ننتظر محمدا قال قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم ذهب لحاجته فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب قال وقد بلغ النبي r قول أبي جهل فقال أنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا وإني لآخذهم " وذكر ابن كثير أيضاً في تفسير هذه الآية " عن عكرمة قال قال أبو جهل لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن فأنزلت ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا﴾ إلى قوله ﴿فهم لا يبصرون﴾ قال فكانوا يقولون هذا محمد فيقول أين هو ؟ أين هو ؟ لا يبصره "، وهذه آيات وآثار تدل على خذلان الله للكافرين وحفظه لعباده ومتى كان عندنا

قوة يقين وحسن توكل وانقطاع لله وحده فإن الله سينصرنا من حيث لا نحتسب، ولو لم نخش إلا الله لخافنا كل شيء ولحمانا الله من كل شيء نسأل الله رحمته وإحسانه.
3- إننا يوم دخلنا قرية تاوزني وارتحنا فيها بعد عناء طويل أمرنا القائد العام بالخروج من القرية كل ذلك خشية أن يعلم الروس بنا فيحاصروا القرية ويؤذوا المدنيين، فكان القادة حريصين على حياة المدنيين العزّل أكثر من حرصهم على راحة المجاهدين، فالحفاظ على أرواح المدنيين كانت على قائمة المهمات التي يراعيها القادة فهم على استعداد أن يتحملوا ويحملوا المجاهدين العناء بشرط ألا يتضرر مدني واحد، وكان من أهم الأسباب التي تم تحويل أسلوب حرب المجاهدين من حرب نظامية إلى حرب عصابات هو الحفاظ على أرواح المدنيين و حتى لا يقصف الروس القرى التي يقطنها المدنيون، فمن قال أن المجاهدين يتترسون بالمدنيين فهو عدو يردد ادعاء الأعداء ولم نشهد من القادة إلا الحرص على أرواح المدنيين ودينهم وأعراضهم وأموالهم، فلله در أولئك القادة الذين يؤثرون على أنفسهم من أجل المدنيين العزّل عن السلاح.
5- إن العاقل يحرص على أن يستثمر كل تجاربه ويوظفها في مصلحته، فيوم لدغنا بعدم حمل الطعام معنا أول المسيرة لأننا ظننا أن المسيرة ستستغرق أربعة أيام كالعادة، استفدنا من ذلك الدرس وتزودنا من قرية تاوزني بأكبر قدر من الطعام استطعنا على حمله، وما مرت بنا من تجارب نعدها غنائم غنمناها في حياتنا، والذي يقدر قيمة التجارب وخبرة الحياة فإنه لا يزهد حتى بمجالسة كبار السن ليحدثوه بما مر بهم من تجارب، وما كتب السير والتاريخ إلا دروس نتعلمها ونستخرج منها العبر ونظيفها إلا أرصدتنا ونظيف إلى أعمارنا أعماراً أخرى حينما نفقه خلاصة تجارب غيرنا، فاحرص أخي الكريم على الاستفادة من خبرات غيرك وابدأ مما انتهى منه الآخرون والأحمق من بدأ مما بدأ به الأولون نسأل الله الهداية.
إقرأوا التاريخ إذ فيه العبر ظل قومٌ ليس يدرون الخبر



الفصل السابع :نهر الألم تعب أكثر المجاهدين من المسيرة السابقة وانتفخت أقدامهم ولكنهم واصلوا مسيرتهم مستعينين بالله، أما بعضهم فقد حُملوا على الخيل بعد أن أصبح وضعهم متردياً جداً فقد مشى أحدهم على يديه وركبتيه على الثلج والطين من شدة الألم ولما وصلوا نهر الألم زادت الآلام فقد تبللت أقدامهم ودخل الماء إلى أحذيتهم، وكنا نظنه نهراً واحداً ولكننا دخلناه ثم خرجنا منه ودخلناه مرة أخرى، واستمر بنا الحال كذلك فإذا هي أنهار عديدة.
فلو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهــم وثان وثالث
فتجمدت أطرافنا ونحن على هذه الحالة لمسافة كيلو متر واحد تقريبا ثم صعدنا يميناً على تبة يمين النهر كانت بها مواقع للقوات الروسية وسارت القافلة بحذر شديد فالمكان مكشوف للروس ثم نزلنا يسارا إلى أن وصلنا للنهر مرة أخرى واجتزناه لمرة واحدة فقط، ثم مشينا في أرض مفتوحة وقريبة جدا من الروس، وكان لزاماً علينا أن نمر من تحت موقع الروس، ولك أن تتخيل الصوت الذي تحدثه أقدام 1200 مجاهدا تقريباً، فوقعنا في حيرة من أمرنا، إلا أن فرج الله كان أقرب لنا من كل شيء، وفي هذه الأثناء تتجلى كرامة من الله للمجاهدين فقد هبت رياح شديدة ودافئة أحيت قلوبنا وشحذت هممنا مع أن الوقت شتاء وموسم لنزول الثلوج، حتى لم يعد بوسع الواحد منا أن يسمع حركة الذي أمامه من شدة صوت الرياح، وكان الروس يطلقون المضيء لكشف الحركة على هذا الطريق، وكانت الرياح تلعب بالقنابل المضيئة في الهواء وتطفئها فسبحان من أعمى أبصارهم وأصمّ آذانهم.
ثم صعدت القافلة إلى أعلى الجبل، وفي قمة الجبل لم يجد المجاهدون أثراً لتلك الرياح التي هبت قبل صعودهم، فلا إله إلا الله لما ابتعد المجاهدون من الروس انقطعت تلك الرياح !!!، ورياح في أسفل الجبل لا يسمع لها حس في رأس الجبل !!! فلله الحكمة البالغة.

ثم واصلنا سيرنا على أرض طينية صعبة في رأس الجبل ثم انحدرنا في نهاية الجبل يسارا حتى دخلنا قرية تسئفيدنو قبل فجر الجمعة الموافق 5/12/1420هـ الموافق 11/3/2000م كل ذلك بفضل الله وحده فله الحمد على جزيل النعم.

قرية تسئفيدنو: كان الأمراء جزاهم الله خيرا قد رتبوا أمر الأكل والمبيت فأكل المجاهدون واستراحوا قليلا ثم أمر القائد شامل بسايف بمغادرة القرية قبل أن يطلع الضوء فتحرك هو ومجموعته إلى قرية كرشلي وأما باقي المجموعات فبقيت وجلسوا فقط ليلة واحدة وفي الليلة الثانية تحركت مجموعة الأنصار على ثلاث مجموعات الأولى بقيادة ياسر السوري حفظه الله والثانية بقيادة أبو روضة المكي والثالثة المرضى الذين لا يقدرون على المشي فذهبت المجموعتان الأولى والثانية إلى كل من قرية كرشلي ثم شردي موخك وأخذت مجموعة المرضى وعددها 6 أشخاص بالسيارة إلى قرية فيدنو مع أن الروس يسيطرون عليها.
مأساة المرضى:
كان المرضى في حالة يرثى لها لا يستطيعون الذهاب لقضاء الحاجة فأقدامهم منتفخة ومتورمة فأخذهم أحد الإخوة الشيشانيين إلى فيدنو ووضعوا في بيت قريب من القاعدة الروسيةبـ 300 م وأصبح وضعهم في غاية الخطورة فكانوا يقضون الحاجة في الغرفة التي ينامون ويأكلون فيها، وبقوا على هذا الحال ليلتين ثم أخذهم هذا الشيشاني بالسيارة خارج القرية وفي أحد الأودية كانت تنتظرهم الثيران التي ستسحبهم بواسطة زلاجة على الثلج ونزلت عاصفة ثلجية وهم في الطريق فزادتهم مرضا إلى مرضهم حتى وصلوا قرية آقش بتوي في الساعة الواحدة ليلا من ليلة الأحد 7/12/1420هـ الموافق 13/3/2000م ودخلوا أحد البيوت إلى ظهر يوم الأحد ثم جهز لهم الإخوة جرارة زراعية تسحبهم بزلاجة على الثلج ثم وضعوهم فوق الزلاجة على شكل أموات وغطوهم بالعلف من فوقهم لأن الروس فوق الجبل سيرونهم وكان هذا وسط ضحك من الأطفال والنساء والرجال فسحبتهم الجرارة إلى قرية كرشلي وهناك نزلت عليهم عاصفة ثلجية وهم تحت العلف فزادت من أمراضهم وواصلت الجرارة سيرها حتى وصلت إلى قرية شردي موخك وكان

في استقبالهم الأخ أبو جعفر رحمه الله الذي كان قد جهز لهم البيوت والأكل وكان الوصول إلى شردى موخك مغرب الأحد واستراحوا في القرية حتى الثلاثاء 9/12/1420هـ الموافق 15/3/2000م فتحركت المجموعات القادرة على السير مع أبي جعفر إلى سرجنيورت وبقيت مجموعة المرضى والذين لم يقدروا على مواصلة السير في قرية شردي موخك هؤلاء فقط مجموعة الأنصار أما الشيشانيين فقد توزعوا في القرى بعد أن اضطروا لحلق لحاهم، واستمرت مجموعة المرضى في هذه القرية حتى يوم الإثنين 15/12/1420هـ الموافق 21/3/2000م ثم أخذوا بالسيارة إلى قرية بلقتوي ووصلوها يوم الإثنين ليلا فجلسوا هناك وأغدق الله عليهم من النعم العظيمة من الأكل والشرب والدفء والأمن ولمدة خمسة أيام فقط بالتحديد يوم الجمعة 19/12/1420هـ الموافق 25/3/2000م في المساء جاءت الأخبار بأن الروس قد اقتربوا من قريتي درقو و بلقتوي فأيقن المجاهدون بأن هذا ابتلاء من الله فتركوا وراءهم أكثر حاجياتهم وتحركوا الساعة 11 ليلا وكان الجو صعبا للغاية فقد سقط الثلج وجاءت عاصفة ثلجيّة لم نرى مثلها حيث أن الواحد منهم ما كان يستطيع فتح عينيه ليرى الطريق وفي هذا تكرمة من الله تعالى حيث أن هذه العاصفة محت أثر المجاهدين المنسحبين من القرية، واستمروا في السير حتى وصلوا إلى ملتقى طريق كرشلي و سنتروي ثم واصلوا سيرهم حتى وصلوا قرية تزنكلى وكان وقت الوصول الساعة الثانية والنصف ليلاً والوضع صعب للغاية، فالبيوت غير متوفرة ومعظمها مزدحم والآخر لا يوجد فيه تدفئة وتوزعت المجموعات في البيوت واستراحت حتى ظهر السبت 20/12/1420هـ الموافق 26/3/2000م وإذا بالأخبار تأتي بأن الروس نزلوا من الجبل المقابل للقرية وهم في طريقهم إلى القرية أفراداً فقط بدون آليات لأن الطريق غير جيد فتحرك المجاهدون للإنسحاب من خلف القرية وكان الطريق مكشوفا وفيه طين لا يمكن السير معه، وأثناء السير في هذا الطريق جاءت طائرة مروحية على الطريق الذي يمر منه المجاهدون فتوزع المجاهدون بين الأشجار الصغيرة المتناثرة وكم كان الموقف صعبا فقد بلغت القلوب الحناجر وانهارت القوى إلا عند من رحم الله لأن الطريق كان صعوداً و انزلاقات خطيرة وواصل المجاهدون صعودهم حتى دخلوا بين الأشجار المتناثرة وما هي إلا دقائق وإذا بالجنود الروس يمشون في القرية على بعد 500م من مكان المجاهدين فسكنت حركات المجاهدين خوفا من القصف والطيران وبقوا هناك حتى المغرب وبعد صلاة المغرب تحركوا إلى الطريق العام ثم ذهبوا يمينا في أراض وحلة ثم

انحدروا إلى أسفل الوادي وكان أمير المجاهدين في هذه المسيرة الأخ أبو الوليد الغامدي حفظه الله ثم صعدت القافلة إلى قرية تزنكلى الثانية وكان حال المجاهدين يرثى له فملابسهم مبللة ومتسخة وكان الوصول إليها الساعة 11 ليلا وناموا فيها حتى الساعة الثانية ليلا ثم خرجوا منها ومشوا حتى دخلوا إحدى الغابات ومكثوا بها إلى المغرب ثم تحركوا نحو الجبال يصعدون تارة ويهبطون تارة أخرى حتى دخلوا قرية جاني فيدنو صباح الثلاثاء 23/12/1420هـ الموافق 29/3/2000م وتوزعوا في البيوت المهجورة فالقرية مهجورة تماما ومكثوا إلى الأربعاء وصباح الأربعاء 24/12/1420هـ الموافق 30/3/2000م بدأت معركة جاني فيدنو وسنسوق تفاصيلها في الفصل الثامن.
فوائد وعبر:1- لقد مشى الأخوة على أربع من شد ما أصابهم، وقد جلس أحدهم ومررت به وقال لي ساعدني فقلت له استعن بالله وما بي جهد لمساعدتك وإن كنت تريدني أن أبقى معك حتى نقتل أو نموت معاً فعلت، فلم يجب ومضيت، فلما فقد الأمل توجه إلى الله يسأله العون فأعانه الله ولحق بي، فانظر لهذا الضعيف وكلنا كذلك لما انقطعت أسباب البشر ووصدت أبوابهم طرق باب الكريم فأعانه وقيل: إن اليأس من البشر رحمة، فلما توجه إلى الله وسأله العون أعانه ولما سألني العون لم يزد في طلبه مني إلا غماً ولكن العون بيد الله فمهما اشتد المصاب فمن الله الفرج وعنده العون وهو قادر على كل شيء، وعليك أخي بقول رسول الله r (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) فلو حققنا تلك الوصية لما أعجزنا شيء بإذن الله تعالى.
2- لما انشل تفكيرنا عن طريقة نستخدمها لنسلك ذلك الطريق الذي يشرف عليه الروس وهو قريب منهم، كان الفرج من عند الله وحده وأرسل لنا من جنده ما نجانا به، فكما أرسل لنا الضباب في المرة الأولى، أرسل لنا الرياح في هذه المرة، والرياح هي التي هزم الله بها الأحزاب، والرياح أحد العوامل المعضلة للجيوش اليوم وأثرها واضح على جميع أسلحة الجيش الجوية والبرية والبحرية، فقد أكرمنا الله سبحانه وتعالى بهذه الريح ونفعنا الله بها، فرغم أنها أخذت أبصار الأعداء وأسماعهم إلا أنها أيضاً أحيت قلوبنا وأفرحتنا وذهب عنا البرد بها بعدما تجمدت

أطرافنا وأصابنا الضر، فلله الحمد ما أرحمه بعباده الضعفاء وقد بكى بعضنا فرحاً بما رأينا وخاصة عندما صعدنا الجبل وتأكدنا أنها لم تهب إلا على تلك المنطقة التي عبرنا فيها فقط، فإلى كل مجاهد نقول اعلم أن من كان الله معه فإنه لن يهزم أبداً ولن يمسه الضر لقول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) ولكن من يحقق شروط الولاية ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فنسأل الله أن يجعلنا من أوليائه ويرزقنا الإيمان والصلاح والهدى والغنى والتقى والعفاف والرضى.
3- تصيب المرء أحياناً ظروفاً قاهرةً تجبره على اتخاذ مواقف في غاية الدقة والخطورة والمجازفة، فتوجه المرضى إلى فيدنو وسكنهم قرب قاعدة روسية لم يكن ذلك بالخيار السهل عليهم ولكنهم واجهوا ظروفاً أجبرتهم على اتخاذ مثل تلك الخطوات، فالمجاهد لا بد أن يتوقع أن يصاب بجميع الظروف وخاصة الصعبة منها ولكن الذي ينبغي عليه أن يدرسه جيداً، هل أعد لكل احتمال سيئ حلاً مناسباً له ؟ وهذه خطوة مهمة تكمن في وضع التوقعات السيئة خاصة، على طاولة الدراسة ثم يقدم لكل توقع حلاً يتجنب فيه جميع الخسائر المتوقعة أو يخففها على أقل تقدير، أما أن يقول (اعقلها وتوكل) ولكل مقام مقال فهذا خطأ، لأن الله يقول ﴿خذوا حذركم﴾ فأخذ الحذر يجب أن يكون مما حدث ومما يمكن أن يحدث فإذا بلغ أقصى درجات الحذر بعد ذلك يقول (اعقلها وتوكل)، لأن الذي كان يتوقع أمراً سيئاً ثم يعد له حلاً مقترحاً إذا اقتضى الأمر أن يستخدم ذلك الحل فإنه سيستخدمه بكل شجاعة وحزم واطمئنان وسرعة لأنه يعلم أنه لا خيار أمامه سوى ذلك الحل لمثل هذا الوضع الذي سبق دراسته، والتفكير في حل الصعاب قبل الوقوع بها يخفف كثيراً من وطأتها لأنك ستفكر بالحلول في ظروف هادئة، أما التفكير بالحل تحت ضغط الظروف الصعبة فإنه يشل التفكير ولا ينتج عنه إلا حلولاً خرقاء غالباً، فاحرص أن يكون التفكير المسبق لمواجهة الظروف الصعبة ديدنك قبل أن تشرع في أعمالك والله وحده الحافظ والمعين. 5- لقد اضطر بعض الأخوة لحلق لحاهم وهذا أمر تجيزه الأدلة الشرعية حينما يقتضي الأمر ذلك، فإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أدناهما، فمن شارف على الهلاك ووجد ميتة فيجب عليه أن

يأكل منها نص عليه أحمد، وقال مسروق من اضطر لأكل الميتة فلم يأكلها فمات دخل النار، والأخوة عندما تعارض أمنهم بوجود لحاهم قدموا أمنهم وحفظ أرواحهم وحلقوا لحاهم، وكذلك فعل الرسول r كما في الصحيحين حينما أذِن لمحمد بن مسلمة أن يقول قول سوء في الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أن يقتل كعب بن الأشرف واستأذنه محمد بن مسلمة فقال قل، والقول ضد الرسول صلى الله عليه وسلم محرم ولكن لما أصبح التوصل إلى قتل هذا الكافر بمثل تلك الخدعة أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخيلاء في الحرب لما كان التوصل إلى إغاظة الأعداء بالخيلاء أجازها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة نكاية في الأعداء، وحلق اللحية محرم ويجوز للمجاهد في حالتين إما أن يكون وجودها يعرض روحه للخطر الأكيد فيجوز له حلقها بدليل جواز أكل الميتة، وقول الله ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، وإما أن يكون وجودها يعيقه عن تنفيذ أمر الله تعالى بقتل أعداء الله أو إقامة الجهاد ضدهم فيجوز ذلك بدليل قتل كعب بن الأشرف والخيلاء في الحرب والقواعد الشرعية والنصوص الأخرى تجيز ذلك ولا نطيل بذكرها، ولكن الذي ينبغي التنبيه عليه أن إعفاء اللحية واجب وتبقى ذمة العبد مشغولة بإعفاء لحيته ولا يجوز له أن يتوهم العوارض ليحلق لحيته فإما أن يكون العارض أو الحال الذي يخافه متيقناً أو ليعلم أن ذمته مشغولة بإعفاء لحيته فلا يجوز له بحال من الأحوال أن يترك ما تكون ذمته مشغولة به من أجل مصلحة أو خطر متوهم والله تعالى أعلم.

الفصل الثامن (الأخير) :معركة جاني فيدنو
معركة جاني فيدنو معركة أرادها الله وأدار رحاها رب السماوات والأرض، معركة لم يسبق لها التخطيط ولا الإعداد فأغلب من جاء إلى هذا المكان لم يأت ليقاتل بل جاء باحثا عن الراحة ولكن إذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فسبحان القائل ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة و إن الله لسميع عليم﴾ الأنفال 42. بدأت المعركة صباح الأربعاء الساعة الثامنة صباحا حين دخلت شاحنتان وعربة مدرعة من نوع بتاير إلى القرية.
سمع المجاهدون صوت العربات فتناقلوا الخبر عبر جهاز اللاسلكي واستعدوا للمواجهة وأما الروس فدخلوا إلى أن توسطوا القرية وتوقفوا أمام البيت الذي فيه أبو الوليد مع 8من المجاهدين وحاصروا البيت من ثلاث اتجاهات وتقدم قائدهم إلى البيت في غرور وسفه وسنذكر رواية أبي الوليد الذي عاش الحدث نفسه فقد قال { بعدما أغلقت الباب كان الخوف قد أخذني كل مأخذ فقلت لا إله إلا الله لأني متيقن من الموت عندها اطمأنت نفسي وكأن الأمر مزاح ثم اتصلت بالأخ سهيل بعد أن تذكرت اسمه فقد نسيت اسمه من هول الموقف فأخبرته لكي يأتي لا ليفك عنا الحصار ولكن ليأخذ الجثث فقط حتى لا يأخذ الجثث الروس لأن الموت قد أحاط بنا فالبيت محاصر من ثلاثة اتجاهات وأما الروس فقد نزل قائدهم كله غرور وسفه وكبرياء ومعهم مندوب محطة تلفزيون يصور، وتقدم الروسي إلى باب المدخل وأشهر مسدسه وفتح باب المدخل بقوة وتقدم إلى باب الغرفة وفتحه بقوة وكنت خلف الباب مباشرة فوجدني في وجهه مباشرة فخاف وقال [سلموا أنفسكم وتذهبوا بأمان ولا نعمل لكم شيئاً ]فأجبته : لا تعملوا لنا شيء؟ فقال[ نعم ] ثم التفت إلى الروسي وفتحت سلاحي على وضع الفرد فصرخ الضابط قائلا [لا تطلق..لا تطلق] فأطلقت عليه طلقتين الأولى جاءت في يده مع قبضة المسدس ودخلت بطنه والأخرى لا أدري أين جاءت فسقط على الأرض وكان بيني وبينه متر ونصف المتر ثم فتح الإخوة نيران أسلحتهم على باب المدخل ومن النوافذ على الجنود الروس الذين يحاصرون البيت وتقدمت لكي أكسر سور البيت من جهة اليسار فلما دنوت من الضابط الروسي وهو ملقى على الأرض حيث أني ظننته ميتاً فأطلق علي طلقة من مسدسه جاءت أسفل بطني وأحسست بألمها كالقرصة فأطلقت عليه في رأسه وأخذت المسدس منه وتقدمت خارج البيت وتبعني باقي الإخوة وكان كل من يخرج من الغرفة يطلق على رأس الضابط طلقة ولم يجرؤ الروس على اقتحام البيت أما أنا فظننت أن الإصابة خطيرة فجريت بسرعة نحو الغابة خوفا من أن أسقط في الطريق المكشوف ولا يستطيع الإخوة حملي ولما وصلت الغابة كشفت عن بطني فوجدت مكان الإصابة نقطة حمراء ولكني أحس بألمها وبقي ألمها لمدة يومين، ثم اتجهنا صوب الجبال الجنوبية حتى صعدناها } انتهت رواية أبي الوليد بتصرف.



كانت هذه هي البداية الأولى لمعركة جاني فيدنو التي استمرت من الساعة8 صباحا إلى الساعة الثالثة عصرا فبعدما خرج أبو الوليد كانت مجموعة سهيل حفظه الله قد تقدمت من خلف الروس و أرسل قتيبة مجموعتين الأولى مع الزبير الدرقيني والأخرى مجموعة اليرموك والقرتشاي وحاصروا الروس من اتجاهين فدمر الأخ عبد الكريم الجزائري عربة البتاير وقتلوا مجموعة من الجنود الروس ثم انسحبت مجموعة سهيل إلى الخلف وتولت باقي المهمة مجموعة اليرموك فأحرقوا الشاحنتين وقتل من الروس عدد لا بأس به وفر الباقي منهم إلى الشمال من الطريق العام وأوعز قتيبة الأمر لمجموعة اليرموك بتطهير المنطقة من الروس فتقدمت مجموعة اليرموك إلى الوادي وحاصروا من بقي من الروس وكان عددهم 12 جندياً فقال قائدهم [ لا تسلموا أنفسكم ] وقتل نفسه وكان فيهم جريح فقتلوه وأخذوا العشرة الباقين أسرى ثم ذبحوهم في الطريق خوفا من أن يكشفوا مكان المجاهدين وكان قتيبة قد وزع المجموعات حسب الآتي بقيت مجموعة شامل شمال القرية ومجموعة كمال وعبد النور غرب القرية بعد نهر جومس وكان الروس قد أرسلوا تعزيزات مكونة من7 آليات فتقدمت بين مجموعات المجاهدين المتخفية على جنبات الطريق عربتين من نوع بي إم بي و بتاير فضرب الإخوة عربة البتاير وغنموا الأخرى وكان الروس قد تركوها ومحركها يشتغل وقد جاء الطيران وأحرقها أما الباقون فقد تراجعوا إلى الخلف إلى فيدنو وقد قتل من الروس في هذه المعركة ما يزيد على 35 روسياً فقط قرب بيت أبي الوليد، أما في الأماكن الثانية فلم يعرف المجاهدون النتائج، وكان الروس قبل مصرعهم كما حكى أهل قرية فيدنو أنهم كانوا في حفل كبير بمناسبة انتهاء عملهم وتوديعهم فسوف يذهبون إلى موسكو فقلدوهم الأوسمة و النياشين ولكن الله عاجلهم إلى جهنم وبئس المصير هذا بالنسبة للروس، أما عن باقي مجموعات المجاهدين فقد توزعت شمال القرية ثم انسحبوا نحو الجبال الشمالية الشرقية، وقد قتل في هذه المعركة 6 من المجاهدين و3 من الجرحى نسأل الله أن يتقبل القتلى وأن يشافي الجرحى وكان توزع المجموعات كالآتي: مجموعة أبي الوليد انسحبت باتجاه الجبال الجنوبية إلى خرتشوي ثم فيدنو و تسئفيدنو ثم عادوا إلى كرشلي ثم إلى سنتروي بعد 12 يوما من المعركة والمجموعة التي يتقدمها أبو عامر حفظه الله فقد تقدمت شمال شرق الغابة حتى وصلت إلى الجبال الشرقية لجاني فيدنو على الطريق العام ومجموعة أبي روضة و قتيبة و سهيل جاءوا من الطريق العام حتى التقوا مع مجموعة أبي عامر عند المثلث الذي يربط كل من جاني فيدنو مع درقو و بلقتوي

ثم تحركوا نحو الغابة الواقعة غرب درقو وتم النصر المبيت في هذه المعركة والحمد لله رب العالمين.
ما بعد جاني فيدنو : بقينا في الغابة التي غرب درقو نهار الخميس 25/12/1420هـ الموافق 1/4/ 2000م وقبل المغرب تحركنا على الطريق إلى أن وصلنا جنوب درقو ثم دخلنا أحد الأودية هناك وجلسنا فيه الجمعة، وليلة السبت تحركنا خارج الوادي إلى قرية بلقتوي وعدنا إليها مرة أخرى وصباح الأحد 28/12/1420هـ الموافق 4/4/2000م تجمع أهالي القرية وطلبوا من المجاهدين مغادرة القرية لأن الروس كانوا قد هددوهم بقصف بيوتهم إذا دخل المجاهدون القرية فوزعهم القائد العام مجموعتين الذين سيذهبون مع القادة إلى العمليات والذين يحتاجون للراحة يبقون في أحد القرى فتحركوا على هذا التوزيع وانتهت مأساة المسيرة المؤلمة لتبدأ مسيرات لا تنقطع لتعود من جديد لنواصل معها مسيرة الجهاد وكان الله غفوراً رحيماً.
فوائد وعبر :1- لقد أصابت الأخ أبو الوليد طلقة في أسفل بطنه ولم تصبه بسوء وما ذلك إلا من الله، وليس في ذلك غرابة فقد عشنا قصة أبي خبيب المدني رحمه الله عندما كان في أفغانستان وقد دخلت الطلقة من عينه وخرجت من قفا رأسه وأخرجت معها أكثر من أربعين جراماً من مخه، ولما أسعفه الأطباء قالوا إن موته متيقن والمسألة مسألة وقت إلا أن يشاء الله، ولكن الله شاء له الحياة ومع ذلك لم يمت الأخ وبقي حياً يرزق وعافاه الله وعاد بعد شفاءه إلى الجبهة ليقاتل الروس من جديد، فقاتل في أفغانستان وانتهت القضية الأفغانية وتوجه بعدها إلى البوسنة ورزقه الله الشهادة هناك نسأل الله أن يتقبله، فمثل هذه القصص والأحداث ربما يستبعد العقل وقوعها إذا سمع بها لأول وهلة ولكن من رأى مثل تلك والمواقف يذهل ويعلم أن الأرواح بيد الله، فمن كتب الله موته في يوم مات على فراشه ومن كتب الله له الحياة لم يمت ولو كان يخوض المعارك طوال حياته، فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه يقود جيوش المسلمين في فتح العراق والشام وحروب الردة ومؤتة وبعد كل هذا يموت على فراشه وهو يقول (أموت كما يموت الجمل على فراشه لا نامت أعين

الجبناء) ومات وفي جسمه ثمانين ضربة ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فالأرواح بيد الله وما أعظم قول رسول الله r الذي رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله (... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) فلو اجتمعت جيوش العالم بكل أسلحتها وعتادها الحربي وسلاحها النووي لقتل رجل واحد لم يأذن الله له بالموت لم يقتلوه ومتى كانت هذه العقيدة تملأ قلوبنا فإن النصر سيكون حليفنا بإذن الله، لأن الوهن سينزع من قلوبنا والوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت، ولكن أنبه على أمر مهم في ذكر بعض الكرامات وهي أن لا يكثر الأخوة من ذكر الكرامات ويكون ديدنهم ذلك لا تكذيباً بالكرامات أو تقليلاً من شأنها ولكن من باب ماروى البخاري عن علي رضي الله عنه حينما (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) فالإسهاب من ذكر الكرامات ربما يسبب استهزاء بعض ضعاف النفوس بمثل تلك الكرامات وتكذيبها واستحقار الدين وأهله، وقد رأينا وقرأنا مثل ذلك، لا سيما أن الكرامات تحصل لتثبيت من وقعت في حقهم ونحن ولله الحمد إذا حصلت لنا كرامة فإننا نفرح بها ونشكر الله عليها ونزداد إيماناً مع إيماننا فالمقصود منها حصل وسرت بها نفوسنا، وتصديق الناس لها أمر ثانوي إذا جاء عرضاً فلا مانع منه وإن لم يحدث فلم نخسر شيئاً، وليعلم الجميع أننا لم نذكر تلك الكرامات منفردة ولولا أنها أتت في سياق قصة ما ذكرناها لنكف عن أنفسنا ألسن السفهاء.
2- كان الهم الذي يراود أبا الوليد بعدما أصيب في بطنه أن يسهل على الأخوة حمله، لأنه يعلم أنه لو سقط في منطقة مكشوفة فإنه سيحمّل الأخوة مالا يطيقون من المخاطرة لسحب جثته فكان تفكيره في آخر لحظات حياته كما يتوقع أن يسهل على إخوانه، ولو أن كل مجاهد فكر في عواقب الأمور و فكر بإخوانه قبل أن يفكر في نفسه لانتصرنا، كما كان رسول الله r يقتدي بأضعف القوم وإذا أراد أمراً نظر في حال أصحابه هل يطيقونه أم لا، ولذا كم ترك عليه الصلاة ولسلام من عبادة خشية أن تفرض على الأمة رغم حب أصحابه لها كصلاة التراويح وغيرها، فالتفكير بحال الآخرين وعواقب الأمور يجعل من المجاهد أكثر اتزاناً في أفعاله وأقواله فما كل ما يصلح لشخص يصلح لغيره وما كل ما يطيقه شخص يطيقه الجميع، فأكثر من التفكير بالآخرين ولا

تحمّل من معك ما لا يطيقون والرسول يقول عن المتهورين كما جاء في الصحيحين عن سعد رضي الله عنه مرفوعاً (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته) والمقصود كما ذكر بن حجر في أنه يأثم إذا سأل عن أمر تسبب سؤاله بتضييق واسع على المسلمين أو ألحق ضراً بالمسلمين في أمر غير ملح لم يحمله على ذلك السؤال إلا التعنت، فانظر أخي الكريم فيمن تسبب بضرر على المسلمين أو ضيق عليهم واسعاً حينما يتصرف تصرفات غير مسؤولة لا فائدة منها لا تعود عليه ولا على المسلمين إلا بالبلاء و لا تزيد المسلمين إلا أذى وتضررا، فمن فكر بعواقب الأمور انطلاقاً من هذا الحديث فإنه بالتأكيد لن يقول أو يفعل إلا ما فيه مصلحة للجميع، وما كان ضرره أعظم من نفعه على الإسلام و المسلمين فإنه يجتنب، إلا أمراً يكون الله أمر به على الفور والله أعلم.
الخاتمة
هذا ما يسر الله نقله من تلك المسيرة الشديدة البأس على المجاهدين، وهذا ما يسر الله ذكره من فوائد وعبر لم نستوعبها كلها فلربما جاء من يستخرج من القصة فوائد وعبر لم تخطر لنا على بال، فأفهام الناس ليست سواءً ولكل نظره وتقديره ولكن هذا ما يسره الله لنا فإن كان صواباً فمن الله وحده وإن كان خطأً فمن أنفسنا والشيطان ولربما سائل يقول لماذا سقنا الفوائد والعبر ولم نسق السلبيات والأخطاء ؟ نقول إننا لا نعتقد أننا منزهون عن الأخطاء والسلبيات ولقد رأينا بعض السلبيات سواءً على مستوى الأفراد أو القيادة، ولكن لا فائدة للمسلمين من ذكر تلك السلبيات أو الأخطاء لأن المعنيين بهذه السلبيات والأخطاء هم أصحابها وبعد إسداءها لهم تبرأ الذمة ويحصل المقصود، ونشرها لا يفيد في إصلاحها أبداً بل ربما يزيد منها ويعقدها، ولا يصلح نشر السلبيات والأخطاء إلا إذا فشا المنكر ولم يستنصح أصحابه، أو كان أصحابه دعاة إليه ولم ينتهوا فعندها يحذر المسلمون منهم ويفضحوا ويعرّف الناس بأصحاب المنكرات ليجتنبوهم وينكروا عليهم ويدعوا عليهم.
وبعد هذا السرد المتواضع لتلك المسيرة نقول، إن كتابة تاريخ الأمة أمر من الأهمية بمكان وكتابة التاريخ لا يصلح أن يتولاها الهواة أو الجهال بل ينبغي أن يتولاها أهل التخصص والعلم الشرعي

فكم حصل للأمة من خير من كتب التاريخ، ألم تكن كتب التاريخ كالمعين الذي تنهل منه الأمة وترتوي وهو لا ينضب، بغض النظر عن درجة أسانيد تلك التواريخ أو القصص، ولكن التاريخ هو حقيقة الأمة وأمة بلا تاريخ أمة بلا مستقبل ولا حاضر، والأمة تعيش منذ أكثر من ثمانية قرون وهي أمة بلا تاريخ فلم يدون تاريخ الأمة الحديث باستقلال وأمانة إلا أعمال قليلة لا تفي بالغرض، بل قد أشغلت الأمة بتاريخ الأعداء، وما بين يدي الأمة من تاريخها الحاضر إنما هو من كتابات المستشرقين أو الانتهازيين أو المتزلفين، ولا يحرق قلوبنا هذا أكثر مما يحرقها أن ينشغل الأكاديميون بكتابة تاريخ رويبضات وزنادقة وأنجاس فجره، ويهملون في نفس الوقت تاريخ العظماء حقاً من العلماء والدعاة والمجاهدين، وفي الوقت الذي نعاني فيه من ضعفنا وتسلط أعداءنا علينا ينشر في وسائل إعلام المسلمين سيرة هتلر وجورج واشنطن وتشرشل وكوكب الشرق وغيرهم من الكفرة أو الفجرة، فماذا يراد من الأمة هل يراد أن تقتدي بأمثال هؤلاء وتنسى رموزها وقادتها ونبيها r وأصحابه، وإن تعجب فعجب من أن أبناء المسلمين الذين يحفظون أسماء اللاعبين والفنانيين ورموز الكفار وقادتهم لو سألت أحدهم عن عدد غزوات الرسول rأو عن اسمه إلى جده الرابع أو سألته عن العشرة المبشرين بالجنة لم يعرفهم أو عن اسم أبي بكر الصديق لا يعرفه، في الوقت الذي يعرف فيه أنساب حثالة المجتمعات فيا حسرة كم غيب تاريخ أبطال المسلمين عن أبناءهم، فأحداث تمر بالأمة أليس من الظلم ألا يعرف عنها أبناء المسلمين شيئاً ؟ نعم إنه والله لظلم، وأعظم من يسأل عن هذا الظلم هم أهل الإعلام الذين أشغلوا الأمة بالفن والمجون والخنا، وقد يقول البعض إن الغنيمة التي نرجوها من الإعلام الإسلامي أن يكف شره عن المسلمين ولا نريد منه أن ينقل تاريخ الأمة وبطولاتها بقدر ما نريد منه أن يكف فجوره عن الأمة، نسأل الله العافية والسلامة فمن يريد الخير ليس بيده حيلة ولا وسيلة ومن بيده الحيلة والوسيلة يريد نشر الشر والفجور، ونسأل الله أن يشغل أهل الفساد بأنفسهم ويقطع دابرهم، كما نسأله أن يمكن أهل الخير من نشر خيرهم بكل وسيلة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.



عوامل الثبات
تمهيد:
المقصود مناقشة عوامل الثبات في مواجهة البلاء والابتلاء وليس عومل الثبات على دين الله عموماً، فعوامل الثبات هذه فوق الحصر والعد، وكل عامل منها يحتاج إلى بحث واستقصاء، وهذا أمر يطول، ولكن نكتفي بالإشارة بالقليل استغناءً بها عن الكثير، وعليه: فمن وجد في نفسه خللاً أو تقصيراً أو تفريطاً في واحد أو أكثر من هذه العوامل فعليه باستكمال الإطلاع على أقوال أهل العلم في ذلك العامل حتى يتمكن من علاج نفسه.

وقد يكون هناك شيء من التكرار في بعض العوامل، وقد يكون بعضها داخلاً أو متنوعاً من بعض، لكنه أفرد لمزيد من التفصيل ولأهميته، ولا مشاحة في التقسيم.

عوامل تربوية
العوامل التربوية في مواجهة الابتلاء كثيرة كثيرة، وسوف تأخذ حيزاً لا بأس به في عرضنا إياها، والتركيز عليها مهم جداً لأن أكثر الخلل واقع فيها، ولأنها في الغالب أمور مكتسبة، وهاكها:
1ـ الصبر
وهو في اللغة الحبس: صبرت نفسي على ذلك الأمر، أي حبستها.
والصبر المشروع بإزاء الابتلاء هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.
والصبر أس ٌ عظيم من أبواب الخير والهدى، وما أكثر ما جاءت الآيات والأحاديث حاثةً عليه ومرغبة فيه عند الابتلاء، قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (186) سورة آل عمران.
ـ وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (155) سورة البقرة.

ـ وقد روى أسامة بن زيد t في قصة وفاة ابن بنت النبي r أنه r قال لرسول ابنته إليه: (أخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب).
ـ وفي قصة الغلام والملك أنه لما أضرمت النيران في الأخاديد وأقحم الناس فيها وتقاعست امرأة ومعها صبي لها فقال لها: "يا أمه اصبري فإنك على الحق".
ـ وعن أنس t قال: مر النبي r على امرأة تبكي عند قبر فقال: (اتقي الله واصبري).
ـ وعنه t قال: سمعت رسول الله r يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر، عوضته منهما الجنة، يريد عينيه).

والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً اخترنا منها ما له علاقة بالابتلاء.
وما دامت الأدلة الشرعية فيما يتعلق بالابتلاء بهذه الوفرة، فإن في ذلك إشارة وإثباتاً لعظم شأن الصبر ودوره البارز كأحد عوامل الثبات في الابتلاء، وحتى لا يكون الحديث عاماً وغير منضبط فإنه سيكون فيما يلي على شكل نقاط تتعلق بمعاني الصبر، ومتعلقاته، والأمور المعينة عليه بعد الله U:

ـ أولاً: تذكر أحوال الصابرين من السابقين: والذين قد يكون نزل بهم بلاءٌ أشد من البلاء الذي نزل بالمرء، ولكنهم صبروا وثبتوا على أمر الله، وهذا بدوره يساعد على الصبر والأمثلة في هذا المجال كثيرة منها:
1ـ حديث خباب بن الأرت السابق، وفيه: (.... ما يصده ذلك عن دينه).
2ـ صبر النبي r على الأذى من قومه في مكة ومن اليهود والمنافقين في المدينة، وفي هذا بوب علماء الحديث أبوباً في كتبهم.
3ـ صبر الصحابة على فراق الأهل والمال عند الهجرة، وعلى موت الآباء والأبناء والأزواج في الجهاد في سبيل الله.
4ـ صبر السلف الصالح على فساد الزمان وجور الأئمة وتسلط أهل البدعة، وسِيَرُ: سعيد بن جبير، وأحمد بن حنبل، وابن تيمية أمثلة على ذلك.


5ـ صبر أنبياء الله على الدعوة والابتلاء، وإعراض أقوامهم، خاصة أولو العزم منهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (34) سورة الأنعام.
والخلاصة أن القدوة في صفة الصبر لها دور عظيم في اكتسابه، القدوة فيمن مضى وفيمن بقي، قال تعالى موصياً نبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (35) سورة الأحقاف.

ـ ثانياً: تذكر عاقبة الصبر في الدنيا والآخرة: وهي الفرج بإذن الله تعالى، أو الموت على الحق والهدى وكلاهما خير، قال ابن القيم رحمه الله في معرض حديثه عن البلاء : "ومن المعلوم أن الخلق كلهم يموتون، وغاية هذا المؤمن أن يستشهد في الله، وتلك أشرف الموتات وأسهلها، فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة، فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عد مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل، بل موت الشهيد من أيسر الموتات وأفضلها وأعلاها، ولكن الفار يظن أنه بفراره يطول عمره فيمتع بالعيش وقد أكذب سبحانه هذا الظن حيث يقول: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾".
وأخبرنا الله سبحانه وتعالى عن عاقبة الصبر فقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (24) سورة الرعد، وقال وقوله الحق: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ (126) سورة النحل، وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (96) سورة النحل، وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (54) سورة القصص، وقال عز من قائل: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (12) سورة الإنسان، وقال تعالى: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (25) سورة النساء, وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ﴾ (127) سورة النحل.

وسيطول المقام لو استرسلنا في ذكر الآيات الدالة على عاقبة الصبر في الآخرة، وأما عاقبته في الدنيا فهي إما الموت على الحق – وقد سبق كلام ابن القيم فيه – أو الفرج بعد الشدة، وهي التي ستأتي.

ـ ثالثا: إن الفرج آت مهما طال البلاء: سواء كان الفرج بانتقال العبد من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الأذى والابتلاء إلى دار الجزاء والنعيم – وهي التي مضت – أو كان بتجاوز البلاء والتمكين في الأرض. وهذا فيه عون كبير على الصبر والتصبر.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (34) سورة الأنعام.

قال ابن كثير: (هذه تسلية للنبي r وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة ولهذا قال: ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ﴾ (34) سورة الأنعام، أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين). إلى أن قال رحمه الله: وقوله: ﴿وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.

ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء﴾ (110) يوسف.
وعندما يشتد الابتلاء وتستحكم الفتنة فلا ينبغي لنا أن ننسى قول الله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (7) سورة الطلاق، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا # إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (5) (6) سورة الشرح.

ـ وروى البخاري عن ابن عيينة قال: (ولن يغلب عسر يسرين)، ومما قيل شعراً في الفرج بعد الشدة،
ـ قول الشافعي رحمه الله:
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا
من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا


ـ وقول أبي حاتم السجستاني:
إذا اشتملت على اليأس القلوبوأوطأت المكاره واطمأنتولم تر لانكشاف الضر وجهاًأتاك على قنوط منك غوثوكل الحادثات إذا تناهت

وضاق لما به الصدر الرحيبوأرست في أماكنها الخطوبولا أغنى بحليته الأريب يمن به اللطيف المستجيبفموصول بها الفرج القريب

ـ وقول إبراهيم بن العباس:
ولرب نازلة يضيق بها الفتىضاقت فلما استحمت حلقاتها

ذرعاً وعند الله منها المخرجفرجت وكنت أظنها لا تفرج

ـ وقال الآخر:
كل شيء إلى مدى وقريباًإن خلف الظلام يختلج الفجر

أو بعيداً يذهب الديجورويسري عبر الفضاء النور



ـ وقال الآخر:
إن كان ليلك أسوداًلو كان فجرك غائباً

فالليل في عيني صباحفالفجر في الآفاق لاح




ـ رابعاً: استدعاء الصبر واستجلابه: أي التصبر، وقد قال رسول الله r يوماً لبعض الصحابة: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد ٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).
وهذا يدل على أن الصبر منه شيء مكتسب يحصل بإذن الله بالتصبر وأطر النفس على ما يرضي الله تعالى، وأنه كلما تكلف عبد بالصبر وجاهد نفسه عليه صار سجية له.

ـ خامساً: المصابرة:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (200) سورة آل عمران.
ـ قال ابن القيم -رحمه الله-: "فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة، فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله بالتقوى وأن الفلاح موقوف عليها".

ـ سادساً: التواصي بالصبر: لد دور مهم في الثبات على الصبر وبالتالي الثبات عند الابتلاء، وهو من صفات المؤمنين الناجين من الخسارة، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ # إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ # إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، ولا يتحقق التواصي بالصبر إلا إذا رزق المرء صحبة صالحة يوصيهم ويوصونه، ولعله تأتي إشارة إلى أهمية الصحبة الصالحة ودورها في الثبات عند الابتلاء.
ومما يعين على الصبر تذكر صبر أهل الباطل على باطلهم وما يلاقونه في سبيله من تعب وأذى، فيكون هذا دافعاً للعبد أن يصبر ويرى أنه أجدر وأحق بالصبر من هؤلاء.
ـ قال ابن القيم: "إنا ما يصيب المؤمن من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار، والواقع شاهد بذلك، وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظلمة بكثير".

ـ وقال رحمه الله في موضع آخر: (إن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصرة والجاه دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان – وإن كان في الظاهر بخلافه – قال الحسن: إنهم وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه).

ومما يعين على الصبر معرفة ثماره، وهي بحر لا ساحل له، وتعرف بمراجعة آيات الصبر – وبعضها مر معنا – ومن هذه الفوائد:
1ـ مضاعفة الأجر: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ (54) سورة القصص.
2ـ معية الله: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (153) سورة البقرة.
3ـ جمع الله للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ # الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ # أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (155ـ 157) سورة البقرة.
4ـ المغفرة والأجر الكبير: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (11) سورة هود.

ـ سابعاً: صبر الكرام وصبر اللئام: قال ابن القيم رحمه الله: كل أحد لا بد أن يصبر على بعضه ما يكره، إما اختياراً وإما اضطراراً، فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع، وأنه إن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتاً، ولم ينتزع عنه مكروهاً، وأن المقدور لا حيلة في دفعه، وما لا يقدر فلا حيلة في تحصيله، فالجزع ضره أقرب من نفعه، قال بعض العقلاء: العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر... وقال بعض العقلاء: من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع، وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين، وأما اللئيم، فإنه يصبر اضطراراً فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدي عليه شيئاً فيصبر صبر الموثق للضرب، وأيضاً فالكريم يصبر في طاعة الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان،
فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبراً في طاعة ربهم، فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء....
ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية، ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذي في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله.. وهذا من أعظم اللؤم ولا يكون صاحبه كريماً عند الله).

ـ ثامناً: البرامج العملية المقترحة لتحقيق الصبر وتحصيله: البرامج كثيرة ولكن نذكرها هنا اقتضاباً، وتختلف باختلاف الأفراد إقلالاً منها وإكثاراً، ومنها على وجه السرعة:
· قيام الليل: مما يدخل الجنة بسلام، وهو زاد للمسلم وخلوة بربه ليس له أن يفرط بها أو يستغني عنها، وهو قرة للعين، وسعادة للقلب، وأنس للصالحين.
· صيام النفل: وخاصة الهواجر، والصيام نصف الصبر.
· زيارة الصالحين: ممن هم موضع القدوة، وذلك له فائدتان: الأولى أنهم يعينون على الصبر وتحمل البلاء بكلامهم ومرآهم، والثانية الاطلاع على ما نالهم من البلاء وكيف صبروا والاستفادة من خبرتهم في هذا.
· تعويد النفس على التقلل من الدنيا والزهد فيها: ومن ذلك التقلل من المأكل والمشرب والمنام والمركب والملبس.
· المشاركة الميدانية البدنية في مآسي المسلمين: ومنه العناية بالعوائل الفقيرة والأيتام والأرامل.
· التعود على مخالفة المألوف من العادات: مثل ترك اللحم في الوجبات الرئيسة، الاستغناء بوجبتين في اليوم أو أقل، ويشبهه الحذر من أن تأسر عادة معينة أو وضع أو عرف، بل لا بد أن يوطن نفسه على التأقلم مع كل الأوضاع والأحوال المستجدة، وأحسن عادة أن لا يكون لك عادة.
· الحج والعمرة: واتباع سنة المصطفى r فيهما من طول الوقوف والدعاء على الصفا والمروة، وفي عرفة، وعند المشعر الحرام، وبين الجمرات.



· الرحلات الشبابية والمخيمات الخلوية: مع الحرص على أن يقوم الشباب بكل شيء من إعداد المكان، ونصب الخيام، وتجهيز الطعام وغسل الأواني، فكل ذلك ينمي في الشاب خلق الصبر والتحمل والجلد. وإذا ما تسربت فكرة المخيم الجاهز، وأواني الورق إلى الأذهان فقل على الصبر السلام.
· الجهاد في سبيل الله: في ساحة الوغى، وفي الدعوة ونشر العلم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
· مطالعة سير الصالحين.
· الاستعانة بالله والدعاء.

هذا هو العامل الأول من عوامل الثبات عند الابتلاء، وما ذكر إنما هو إشارات إلى جوانب مهمة في هذا الباب، وإلا فالموضوع جدير بالبسط لمسيس الحاجة إليه، ولئن كنا أطلنا الحديث فيه على حساب غيره فذلك لأنه هو والتقوى أهم عاملان في الثبات عند الابتلاء وعنهما تتفرع بقية العوامل.

2ـ التقوى
وهي قرينة الصبر في كتاب الله، بل هي المعينة عليه، وهي معه جماع الخير وخلاصة العوامل التربوية للثبات عند الابتلاء.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (186) سورة آل عمران.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (90) سورة يوسف، وغيرهما من الآيات كثير.
ومر معنا غير بعيد توجيه النبي r للمرأة التي كانت تبكي عند القبر بقوله (اتقي الله واصبري).
وسنسير هنا على نفس الطريقة التي سرنا عليها في حديثنا عن الصبر فيما يتعلق بمعاني التقوى ومتعلقاتها والأمور المعينة عليها.


ـ أولاً: تعظيم أمر الدين وشعائره: سبب بارز في حصول التقوى وتقويتها، ومثله الشعور بنعمة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فمن عظم دين الله في نفسه هان ما سواه في سبيله، وحصلت من جراء ذلك التقوى، ومن التقوى طاعة أمر الله ورسوله بالصبر عند نزول البلاء، ومن اعتز بنعمة الإسلام لم ينازل عنها مهما كان الثمن، ومن علامة التقي أنه يعرف قيمة أمر الدين ونعمة الإسلام لذلك تجده وقافاً عند حدود الله لا يتعداها.

ـ ثانياً: التسليم والرضا بقضاء الله وقدره: أحد أركان الإيمان، وموجب من موجبات التقوى، وباعث للطمأنينة والراحة والسعادة، ذلك أن المؤمن التقي يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لذلك تجده صابراً لا يجزع أبداً، فهو يعلم أن هذا من قضاء الله وقدره ويرضى بذلك، والمؤمن التقي كذلك يعلم أن أهل الأرض لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف، لذلك لا أحد يشك أن النتيجة الحتمية لهذا الاعتقاد هو الرضى والتسليم والصبر الذي لا يصاحبه حسرة ولا تسخط وتلك إحدى ثمار التقوى.

ـ ثالثاً: الصدق: ونقصد به كل ما تحتمله هذه الكلمة من معانٍ، فهو يشمل: الصدق مع الله بفعل أمره واجتناب نهيه سراً وعلانية، والصدق مع دين الله وسنة رسوله r بالحب والدفاع والذود والتبليغ، والصدق مع النفس بالتزكية والتطهير من شوائب الإيمان والركون إلى الدنيا، والصدق مع الخلق بالنصح ومحبة الخير لهم والدعوة والإرشاد وعدم الغش أو الكذب، فالصدق بهذه المستلزمات رافد مهم من روافد التقوى، لما يستلزمه من العمل الصالح الذي يؤدي إلى التقوى، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (177) سورة البقرة، فهذه أعمال صالحة عظيمة من أعمال القلوب والجوارح وصف أهلها بالصدق والتقوى.

ـ رابعا: الزهد في الدنيا والاستغناء بالآخرة: ولم ننس بعد ما مر معنا من أحاديث عن خير الزاهدين محمد r في التحذير من الدنيا وزينتها وفتنتها، وكلما زهد الإنسان في الدنيا رغب في الآخرة واقترب منها، والعكس بالعكس تماماً، ألا وإن الزهد ينطوي على خيرات كثيرة تؤدي بمجموعها إلى حصول التقوى ونمائها، ومن ذلك:
· التفرغ للعبادة والتقرب من الله تعالى لقلة مشاغل الدنيا.
· انقطاع القلب إلى الله وثوابه في الدار الآخرة.
· عدم التردد في اتباع الأوامر الشرعية، وإن أدت إلى فوات شيء من الدنيا.
· حصول محبة الله للعبد ومحبة الناس له، عن سهل بن سعد t قال: جاء رجل إلى النبي r فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، والزهد في الدنيا عامل مستقل بنفسه من عوامل الثبات عند الابتلاء، ألم تسمع بمقالة شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال إبان سجنه: (ماذا يفعل أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أنى رحت فهي معي لا تفارقني، سجني خلوة، وقتلي شهادة، وفيي من بلدي سياحة).

وقبل شيخ الإسلام، الإمام أحمد لما خرج من السجن بعد سنين، وأرسل له أمير المؤمنين أموالاً إكراماً له، فقال: (لهذه – أي الأموال – أشد علينا من تلك – أي الحبس في فتنة القول بخلق القرآن – ثم فرق الأموال ولم يبت وعنده منها شيء). إنه الزهد فحسب، نعم الزهد الذي يعين على تحمل البلاء والصبر عليه في ذات الله.

والله سبحانه وتعالى قد قص علينا في كتابه العزيز ما يدل على ذلك قال تعالى حكاية عن سحرة فرعون لما أسلموا: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا # إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى # إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى # وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى # جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾ سورة طـه، الله أكبر، انظر كيف يفعل الإيمان

وانظر كيف يفعل الزهد، هذا الثبات في مواجهة العذاب والقتل من طاغية الزمان، الذي يعرفونه جيداً، يقع من أناس لم يسلموا إلا للتو ّ، فكيف بمن عمره في الإسلام سنون ؟ !.
ألا وإن من أعظم ما يربي الإنسان على الزهد: إطلاعه على أخبار الصادق المصدوق r وأحاديثه في هذا الشأن ومنها وصفه r في حديث عظيم، ارع له سمعك وفرغ له ذهنك وتدبره واعتبر به فقد قال r: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا بن آدم هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بوساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط)، وبناءً على هذا فإن من يضعف وينهزم ويتخاذل أمام الابتلاء طمعاً في الدنيا وحرصاً عليها، وبخلاً على نفسه من لقاء ربه والسعد بجنته سوف ينسى كل نعيم حصل له في الدنيا من جراء هذا التخاذل من أول غمسة في العذاب، فاختر لنفسك أيها اللبيب ما شئت.

وما أحسن قول الشافعي – رحمه الله – في وصف الدنيا:

وما هي إلا جيفة مستحيلةفإن تجنبتها كنت سلماً لأهلها


عليها كلاب همهن اجتذاباوإن تجتذبها نازعتك كلابها

وأحسن منه ما رواه جابر t أن الرسول r مر بالسوق والناس كنفتيه فمر بجدي أسك ميت فتناول فأخذ بأذنه ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به ؟ ثم قال: (أتحبون أنه لكم ؟) قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه لأنه أسك, فكيف وهو ميت ؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).
أترى عاقلاً وقد حلف له رسول الله r على هوان الدنيا عند الله يختار هذه الدنيا الهينة عندما يصيبه الابتلاء ؟ إن وصف الدنيا بهذا الهوان لمن أعظم الدوافع للزهد فيها والصبر عند فراقها، وهذا يؤدي بالتالي إلى الثبات عند البلاء والصبر في مواجهته.

ونختم الحديث عن الزهد في الدنيا بقول أحد العقلاء: (إن الدنيا مثل ظل الإنسان إن طلبته فر وإن تركته تبعك)، إن الدنيا التي اطلبها تشبه الظل الذي يمشي معك:

أنت لا تدركها متبعاً


وهي إن وليت عنها تبعتك

وكلنا يتذكر قصة كعب بن مالك t وكتاب ملك غسان، وما كان t ليفعل ما فعل لولا أنه كان زاهداً في الدنيا وجاهها.
ـ خامساً: استشعار الفقر إلى الله والحاجة إليه: وهذا يملأ القلب بالتقوى ويعين على تحمل البلوى ورفع الشكاية إلى الله وحده، وكذلك يستشعر الإنسان أن الله لو وكله إلى نفسه لوكله إلى ضعف ونقص، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾ (74) سورة الإسراء، فالمؤمن لا يستغني عن تثبيت الله له لأنه مفتقر إليه، وإذا تخلى الله عنه فإنه سيركن إلى الباطل وأهله وينهزم في بداية المواجهة مع الابتلاء، والمخذول من خذله الله.

وقد أوصى النبي r ابنته فاطمة أن تقول إذا أصبحت وإذا أمست: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).

ـ سادساً: الإخلاص في الأعمال كلها: ظاهرها وباطنها، وهو ركن ركين من أركان التقوى، وله دور عظيم في تنمية الخوف من الله في القلوب ومراقبته في الأقوال والأعمال، والإخلاص من أعمال القلوب التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها على الدوام، لأن مدار قبول الأعمال إنما هو على الإخلاص والمتابعة، وما يورثه الإخلاص في القلب من التقوى والتوجه إلى الله تعالى ومراقبته والخوف منه لد دور مهم في مواجهة الابتلاء والثبات على الحق.

ـ سابعاً: الاجتهاد في الأعمال الصالحة: وذلك مما يزيد التقوى ويرسخها ويعين على الثبات عند البلاء، فإنه من عبد الله بحق وقت الرخاء كان الله له عوناً ونصيراً وقت البلاء، وقد علم النبي r

ابن عباس هذا فقال: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، وفي رواية: (احفظ الله تجده أمامك) ويدل على هذه الحقيقة أيضاً ما روته أم سلمة رضي الله عنها أن الرسول r قام ليلة فزعاً ثم قال: (سبحان الله ! ماذا أنُزل الليلة من الفتنة ! ماذا أنزل من الخزائن ؟! من يوقظ صواحب الحجرات ؟ يا رب َّ كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة) فدل على أن قيام الليل سبب من أسباب الثبات وقت الفتن.

ـ ثامناً: ترك المشتبه والتورع عنه: وذلك من الأمور التي هي داخلة في التقوى، وأحد ثمارها ومستلزماتها في ذات الوقت، فإنه يورث في القلب سعادةً، ونماء للتقوى، ومثله البعد عن مواطن الشبهة والتهمة واستنزاه النفس عنها إلا لأمر بمعروف أو نهي عن منكر.
ـ تاسعاً: البرامج العملية المقترحة لتحقيق التقوى: وهي أكثر من أن تحصى وتعد، وإليك منها أمثلة فقط يعلق على كل واحدة منها بما يناسب:

· المحافظة على الأذكار الشرعية في مناسباتها مع تأمل معانيها واستشعار ما تنطوي عليه من العلم والحكمة.
· الإكثار من الاستغفار والتوبة مع التسبيح والتهليل والتكبير كما كان رسول الله r يفعل، مع الحرص على الأوقات الفاضلة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ # لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ سورة الصافات.
· العناية بكتاب الله سبحانه وتعالى قراءةً وحفظاً وتفسيراً وتدبراً، عناية لا ينبغي أن يحدها حد أو يكون لها نهاية، لأن القرآن نور للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورفعه لدرجته في الدنيا والآخرة، وبأي شيء يأنس وقت البلاء من خلا جوفه من القرآن، وأي أنس عساك أن تجد في البيت الخرب.
· الإكثار من الدعاء والتوجه إلى الله سبحانه في أمور الدنيا والآخرة، وتحري ساعات الإجابة.
· محاسبة النفس محاسبةً جادة مثمرة في جميع الجوانب، واستدراك التقصير والخلل قبل أن يتسلل الفتور إلى النفس.

· تليين القلب بالمواعظ بحضور مجالسها، وقراءة كتبها، وسماع أشرطتها.
· الاطلاع على سير السلف الصالح، ومعرفة المستوى الذي وصلوا إليه في التقوى وعبادة الله تعالى.
· الإكثار من النوافل، من صلاة الليل، والضحى، والرواتب، والنافلة المطلقة، وكذلك صيام النفل، وصدقة التطوع، والحج والعمرة.
· المناصحة بين الإخوان، والدعوة إلى الله عز وجل والتواصي بالحق، والتعاون على ما من شأنه زيادة الإيمان والتقوى.

3ـ تذكر فوائد الابتلاء:
إن للابتلاء فوائد وثمرات لاتكفيها هذه الأسطر,ولعل في الكلام السابق والتالي يظهر شيء من فوائد الإبتلاء.

4ـ الابتلاء سنة ماضية:
الحديث عن هذا العامل المهم من عوامل الثبات في مواجهة الابتلاء يحتاج إلى الإطالة فيه، وما ذلك إلا لأهمية إدراك واستشعار وتذكر وتصور هذه الحقيقة، وهي أن الابتلاء سنةٌ ماضية جارية على من مضى، وعلى من سيأتي وهذا هو قدر الله وحكمته.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (3) سورة العنكبوت، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾ (214) سورة البقرة، وقد مر معنا حديث خباب y وفيه (أن الرسول r أخبره بالبلاء الذي كان ينزل في الأمم السابقة، وعلى هذا المعنى يدل أيضاً حديث أبي سفيان مع هرقل، وفيه أن هرقل قال له: (سألتك كيف كان قتالكم إياه، فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة).

وعلى هذا فإن سنة الابتلاء في الدعوات ماضيةٌ لا مفر منها، ولا يمكن اتقاؤها، فسفينة الدعوة لا

بد أن تعبر قنطرة الابتلاء، ومن ظن أنه بذكائه، ودهائه، وحنكته، وحكمته يستطيع أن يجنب قافلة الدعوة من دخول نفق الابتلاء فقد أخطأ الظن، وضل المسير، لأن هذا هو قدر الله الماضي، وهذه هي سنته في الأولين كما دلت الأدلة السابقة، وهذه هي سنة الله وقدره في حتمية تعرض الدعوة والدعاة والمصلحين إلى الأذى والحرب من أهل الباطل.

إنه الصراع بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، الذي أخبرنا عنه الله في غير موضع من كتابه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ (4) سورة محمد، إذاً كلا الفريقين إنما هو ابتلاء للآخر (ولاختلاف التصور والنظرة بين المؤمن والكافر، ثم اختلاف المنهج والطريق، صارت الحياة صراعاً بين هذين المنهجين فيبتلى هذا بهذا وهذا بهذا) فالمؤمنون يبتلون بالكفار، والكفار يبتلون بالمؤمنين، وهذا النوع من الابتلاء وهو (ابتلاء العباد بعضهم ببعض) هو أيضاً قاسم ٌ مشترك بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ (4) سورة محمد.

ـ وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال لنبيه r (إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك) والله تعالى يداول الأيام بين الناس بحكمته، فيديل للمؤمنين من الكفار تارة، ويديل للكفار من المؤمنين تارة، ويجعل الكفار تحت سلطة المؤمنين وقهرهم حيناً، ويجعل المؤمنين تحت قهر الكفار وتسلطهم حيناً آخر، والدهر هكذا، ولكن المؤمن يتميز بمعرفته أن هذا البلاء الذي لقيه من أعدائه من الكفار والمنافقين والفاسقين إنما هو بسبب التزامه بهذا الدين، وصبره عليه، ودعوته إليه، وهو يؤمن بأنه دين الله الذي ارتضاه لعباده كلهم ولن يقبل منهم سواه، ولهذا يكون الابتلاء الذي يلقاه المؤمن في سبيل هذا الدين أثراً من آثار الاستقامة على المنهج.

ولو سبرنا التاريخ واطلعنا على سير الأنبياء – ولنا فيهم أسوة – لوجدنا الابتلاء بالصراع بين الحق والباطل سمةً واضحةً في سيرهم، بل تكاد تمثل جل سيرهم صلوات الله عليهم وسلامه، والقرآن شاهد على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾


(112) سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (31) سورة الفرقان.

ـ فنبي الله آدم u: ابتلي أول ما ابتلي بإخراجه من الجنة، ثم هبوطه إلى الأرض.
ـ ونبي الله نوح u: ابتلي بكفر الأقربين: الابن والزوجة وإعراض قومه على طول دعوته.
ـ ونبي الله إبراهيم u: ابتلي بكفر الأب، والحرق بالنار – فنجاه الله – وترك الذرية، والأمر بذبح الابن، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ﴾ (106) سورة الصافات.
ـ ونبي الله أيوب u: ابتلي بالمرض والسقم.
ـ ونبي الله لوط u: ابتلي بقوم كالبهائم وساوموه على أضيافه.
ـ ونبي الله موسى u: ابتلي بعناد قومه، وإعراضهم وتسلط فرعون وعتوه.
ـ ونبي الله ذكريا u، وكذلك يحيى u: ابتليا بالقتل.
ـ ونبي الله يوسف u: ابتلي بالسجن، والتهمة في العرض، والبعد عن الوالدين في الصغر.
ـ ونبينا محمد r: ناله من البلاء ما ناله، وقد مر معنا شيء من ذلك لا حاجة لإعادته ها هنا.

وقريباً من ما مضى نال أيضاً أتباع الأنبياء ومن سار سيرهم، وبعض هؤلاء الأنبياء ذكرتهم سورة العنكبوت إجمالاً، وهي التي افتتحت بذكر وقوع الابتلاء على الأمم السابقة.
إن إدراك هذه الحقيقة (الابتلاء سنة ماضية) وإدراك حقيقة الصراع بين الحق والباطل، لمن أقوى العوامل المعينة على الصبر والثبات، لأن المؤمن يدرك أن هذا قد جرى على من قبله، بل أكثر منه، فصبروا فكان لهم من الله الأجر العظيم، ولهم في الدنيا الذكر الحسن، حتى صاروا قدوة لمن بعدهم، وهذا كله يجعل العبد أكثر إصراراً على السير في طريقهم، واللحوق بركبهم، والصبر كصبرهم.

هذه هي قافلة الابتلاء فاختر أن تكون من أهلها أو لا تكون.



5ـ الابتلاء قدر الله لخيار هذه الأمة
من رحمة الله بعباده المؤمنين أن يسلط عليهم البلاء، ثم يرزقهم الثبات، لينالوا عنده الأجر العظيم، وهو سبحانه يربيهم بالمحن والشدائد ويصفي قلوبهم من الداخل والغل والغش، وكلما خرجوا من محنة أو فتنة بالصبر والثبات والإصرار قيض لهم أخرى أشد منها بعد أن وعوا درس المحنة الأولى، وأفادوا منه وارتقى مستوى إيمانهم ويقينهم، ولو أنهم ابتلوا بالمحنة الآخرة أولاً لربما ضعفوا أو تزعزعوا، ولكن الله تعالى يدرجهم فيها صعداً، ليتنامى إيمانهم ويقوى ويزداد، وقد بين الرسول r هذه المعاني لأصحابه بياناً قوياً مكرراً في مناسباته، لأنهم كانوا في أشد الحاجة إليه، حيث إنهم حملة رسالة الإسلام أول مرة، والمضحين في سبيلها والمبتلين من أجلها، وكانوا مع هذا أحب الأمم إلى الله وأقربها إليه زلفى، وأعظمها عنده قدراً.

عن سعيد بن أبي وقاص y قال: (قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)، وعن أبي سعيد الخدري y قال: (دخلت على رسول الله r وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره في يدي فوق اللحاف، فقلت يا رسول الله: ما أشدها عليك ؟ قال: (إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر) قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً ؟ قال (الأنبياء) قلت يا رسول الله: ثم من ؟ قال: (ثم الصالحون، وإن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء).

نعم إن الابتلاء هو قدر الله لخيار هذه الأمة، وهو علامة على صحة المسار، وإدراك هذا له أعظم الأثر في حصول الثبات بل والفرح بالابتلاء كما أخبر النبي r، قال مالك: "إن محمد بن المنكدر لما ضرب، فزع لضربه أهل المدينة، فاجتمعوا إليه، فقال (لا عليكم، إنه لا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر"، وكذلك فإن الابتلاء هو طريق الإمامة في الدين، قيل للشافعي: "أيهما أفضل للرجل: أن يبتلى أو يمكن ؟ قال (لا يمكن حتى يبتلى)"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (24) سورة السجدة.

ـ قال بعض العلماء: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين".
إن المؤمن كلما ازداد تمسكه بهذا الدين، وصبره على تكاليفه ازدادت تبعاً لذلك، شدة الابتلاء والفتنة عليه من قبل أعداء هذا الدين، حتى ينتصر هذا المؤمن بأي صورة من صور النصر، أو ينتصر الأعداء بزحزحته عن دينه أو فتنته عن بعض شرائعه، ولا انتصار لهم إلا بهذا.


6ـ قد يكون البلاء عقوبة على ذنب
وهذا يقع كثيراً، وقد يكون الابتلاء بدون ذنب إنما المقصود منه رفع الدرجات وتحقيق الإيمان، وهنا تبرز أهمية محاسبة النفس التي أشرنا إليها سابقاً فإذا وقع فلا بد أن يسأل المرء نفسه عن ذنب ارتكبه، ويربط هذا الابتلاء بذاك الذنب وكأنه عقوبة عاجلة، وهذا يدفع المرء إلى التوبة كما يدفعه إلى الثبات عند الابتلاء لأنه يعلم أن هذا الابتلاء إنما هو بسبب ما اقترفته يداه فيكون أدعى للصبر،
قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (165) سورة آل عمران, وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (30) سورة الشورى، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (79) سورة النساء، كل هذه الآيات تدل على أن المصائب والابتلاء الذي ينزل بالعبد إنما هو بما كسبت يده، فكأنما هو الذي أوقع نفسه بالبلاء، وكأنما هو الذي فتن بنفسه، وقد جاء التعبير بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ﴾ (14) سورة الحديد.

وقد قص الله سبحانه وتعالى لنا خبر القرية التي كفرت بأنعم الله فكان جزاء هذه المعصية أن ابتلاهم الله بنقص في الأموال والأنفس والثمرات، وخبر القرية التي كانت حاضرة فعدوا في السبت فابتلاهم الله تعالى وقال عنهم: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (163) سورة الأعراف، والسلف الصالح رضوان الله عليهم لم تكن هذه الحقيقة تغيب عن بالهم، حتى إن بعضهم يخبر أنه يجد أثر المعصية في أهله وراحلته، والآخر يخبر أنه نظر إلى عقب امرأة فأنساه القرآن بعد

سنين، وقال مطرف: "ما نزل بي مكروه قط فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فاستصغرته"، والمقصود أنه لا بد أن تكون معرفة هذه الحقيقة دافعاً لنا إلى الصبر على الابتلاء وكذلك التخلص من الذنوب ومحاسبة النفس عليها.

7ـ تذكر آثار النكوص
ربما نزل بالمرء نازلة بسبب دعواه الإيمان فسخط، وجعل فتنة الناس كعذاب الله وانقلب على وجهه فخسر الدنيا والآخرة، مع أن الإنسان لا ينفك عن أذى الناس وضرهم، فإنه إذا ارتد وانحرف وانحاز إلى صف الكافرين أو الفاسقين، تعرض للضرر والإهانة والقتل وسلب المال بأيدي المؤمنين المجاهدين، فمن لم يصبر على الأذى في طاعة الله واختار المعصية كان ما حصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير، سومن احتمل الهوان والأذى في طاعة الله واختاره على الكرامة والعز في معصية الله كانت له العاقبة في الدنيا والآخرة، وانقلب ما ناله من الأذى نعيماً وسروراً، كما ينقلب ما يحصل لأرباب المعصية من التنعم بالذنوب حزناً وثبوراً، ولذلك صار الصبر من الدين بهذه المنزلة، إذ إن أصل الصبر لا يستغني عنه مسلم البتة، فهو محتاج إلى الصبر الذي يعينه على الدخول في الإسلام وتحمل ما يلقى في هذه السبيل، ومحتاج إلى الصبر الذي يعينه على المضي في طريق الإيمان والاستمرار والثبات على ما هو عليه، فإذا لم يصبر أوشك أن يدع دينه لأهواء الخلق المناقضة لشرع الله، هذه واحدة من آثار النكوص تذكرها يعين المرء على الثبات عند الابتلاء والصبر عليه.

والإنسان قد يكون محل أسوة عند الناس – بل هكذا يجب أن يكون الداعية، ومجرد تنازله وتخاذله يجر بالأمم من خلفه إلى هذا الطريق الرخيص الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فيكون سبباً في إغوائهم، وهذا جزء من الأمانة التي حملها الله تعالى أعناق الدعاة والمصلحين، ولنا في موقف الإمام أحمد رحمه الله في فتنة خلق القرآن أسوة حسنة, إذ أبى أن يتراجع، لا بل أبى أن يتأول القرآن كي لا يسيء العامة فهم موقفه فيكون سبباً في إغوائهم وإضلالهم، وعلى فرض أنه لم يكن مكان قدوة في أعين الناس، فإن نكوص المرء يفت من عزم إخوانه الصابرين ويزعزع موقفهم، وكلما نكص واحد فكأنما هي طعنات توجه إلى أجساد الصابرين الثابتين، ومن

زاوية أخرى فإن تخاذل الإنسان وقت الابتلاء يغري أمثاله على التخاذل، والذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم بعد، بل قد يكون هذا الابتلاء هو أول اختبار لهم، وهم يحاولون التصبر، فيكون تخاذل أحدهم دافعاً للآخرين كما أن صبر الأفراد يقوي العزائم، ويشد الأزر، ويعين على المسير في طريق الثبات.

ـ ومن آثار النكوص:
· الحسرة والندامة التي تهجم على القلب، وقد تقعد عن العمل لما ينكشف البلاء ويفرح الثابتون الصابرون بفضل الله، ويندم المتخاذلون على ما فرطوا فيما فتح لهم من أبواب الخير والفضل وكرامة الله.
· ضعف الإيمان والاستمرار في تقديم التنازلات، بل قد يجد المرء صعوبة بالغةً في استعادة مستواه الإيماني والعودة إلى ما كان عليه من الفضل والخير فيصاب بالفتور، ويكون معرضاً أكثر من ذي قبل للانهزام في أي امتحان إلا من رحم ربي، وقد تكون النتيجة النهائية هي الانحراف عن سبيل الله والعياذ بالله.
· تسلط أعداء الله على عباد الله لما يرون من ضعفهم وتخاذلهم واحداً بعد الآخر، فيسلطون عليهم شتى أنواع البلاء بالسراء والضراء، ولكنهم إن صبروا وثبتوا على الحق والهدى فإن كل لحظة تمضي وهم كذلك أغيظ لقلوب الأعداء وأطول عليهم من سنين متواصلة، وهذا بحد ذاته نصر، ولعله يكون عاجل بشرى المؤمن.
· غضب الله وسخطه وأليم عقابه.
·
8ـ تربية روح العزة والأنفة
بالترفع عن صغار الأمور وسفاسفها، والتعالي على مطامع الدنيا وإغراءاتها، والنظر إلى معالي الأمور وأخذ الأمور بالجد. ويدخل في هذا: النظر إلى الكفار نظرة احتقار مشوب برحمة، احتقار لما هو مقيم عليه من الكفر والضلال، واحتقار لعقله الضال الذي أوصله للكفر بالله، ورحمة وشفقة عليه من النار والخلود فيها، ومن البلاء الذي يصيبه كل يوم والذي يحيل حياته إلى شقاء لا سعادة فيها.

وهذه النظرة التي نذكرها كان ينظر بها الحسن البصري – رحمه الله – وهو ما نستوحيه من قوله (إنهم وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه).
وتبرز أهمية هذا العامل والتربية عليه في مواجهة البلاء بتصورنا للمسلم الذي ينظر بروح العزة بما يحمله من إيمان إلى الغني الذي سلط ماله في معصية الله، فترى المسلم يمقت فعله فلا تتطلع نفسه إلى المال ولا تستشرفه.

ـ ومن وسائل تربية روح العزة:
· النظر البعيد للآخرة وثوابها مع الزهد في الدنيا وعوارضها، وقد مر معنا الكلام عن الزهد ودوره في مواجهة الابتلاء، ولعل هذا العامل يتجلى واضحاً في قصة كعب بن مالك y لما تخلف عن غزوة تبوك وأمر النبي r بهجره، فكان يخرج إلى السوق فيسلم على الناس ولا أحد يرد عليه السلام لأمر رسول الله r وكان هذا ابتلاءً عظيماً له y وفي تلك اللحظات الحرجة تأتيه رسالة ملك غسان تساومه على دينه في سبيل الحصول على الدنيا، فتجلى ها هنا موقف العزة والأنفة والتعالي على أعداء الله مع الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والصبر على البلاء والرضى بقضاء الله وقدره، فما كان منه y إلا أن قال: (وهذا أيضاً من البلاء) ثم يمم بها التنور وأحرقها.

قوم إذا الخطب دوى في مرابعهمقالوا له والردى تغلي مراجله


وراح يقذف من أشداقه ناراًإن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً


9ـ تربية روح الشجاعة والجرأة
وتقوية القلب وتنمية الجسارة في النفس من خلال البرامج النظرية والعملية:


ـ فمن البرامج النظرية:
· مطالعة سير الأبطال ومواقفهم الحاسمة، مع النظر في الغزوات الإسلامية وحوادثها، ومن أمثلة ذلك:
ـ مبارزة علي y في غزوة الأحزاب وغيرها.
ـ مقتل كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة وأصحابه.
ـ قتل سلام بن أبي الحقيق على يد عبد الله بن عتيك ومن معه.
ـ جرأة عمر y في مواقف كثيرة.
ـ شجاعة وإقدام سلمة بن الأكوع.
ـ مواقف الإمام أحمد وابن تيمية وهي كثيرة.
ـ مواقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام.
· ترسيخ الإيمان بالقضاء والقدر، ويدخل فيه العلم بأن الشجاعة والجرأة إذا كانت في الحق مضبوطة بضابط الشرع لا تقدم أجلاً ولا تنقص العمر ولا الرزق.
ـ ومن البرامج العملية:
ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مكان.
ـ مناصحة أولياء الأمور والمسؤولين والإنكار على المخطئ منهم.
ـ الخطابة والوعظ والإرشاد.
ـ الرحلات الشبابية والسفر الطويل.

10ـ تربية الأهل على المشاركة
المشاركة في المعاناة وتحمل ما ينالهم في سبيل الله، وجعلهم دوماً على أهبة الاستعداد لنزول الابتلاء ليقفوا مساندين للداعية في محنته، وليثبتوا على الحق إذا نزل بهم البلاء، وهكذا يكونوا عوناً لولي أمرهم على الصبر والثبات لا عاملاً مخذلاً ومثبطاً، ولك أن تتخيل رجلين نزل بهما البلاء، أحدهما يقول له أبوه أو أمه أو زوجته أو ابنه – وهو تحت سياط العذاب، أو في السجن أو على فراش المرض... إلخ – يقول له (اثبت واصبر واطمئن فنحن بخير وندعو لك) وأما الآخر

فيقول له: (تنكدت حياتنا وساءت معيشتنا وليس لنا أحد ينفق علينا)، لا شك أن فرص الثبات والتخاذل متباينة بين هذين الرجلين.

وها هنا قصتان لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، كلتاهما لما هاجر أبوها مع رسول الله r:
§ الأولى: لما أتاها والد أبي بكر t وهو شيخ كبير أعمى وقال لها: والله إني لأراه قد فجعكم بماله ونفسه، فقالت أسماء: كلا كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً، فأخذت حجارة فوضعتها في كوة كان أبو بكر يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوباً وأخذت بيد جدها فقالت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: لا بأس إن كان قد ترك هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت أسماء وهي تروي القصة: والله ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أسكت هذا الشيخ بذلك.

§ الثانية: لما جاءها نفر من قريش فيهم أبو جهل سألوها عن والدها فقالت: لا أدري، فضربها أبو جهل بلطمة طرحت قرطها.
ومن هنا تتبين أهمية تربية الأهل والأولاد على المشاركة وتحمل البلاء إذا نزل بهم أو بوليهم، بحيث يكونون عوناً له على ما يرضي الله تعالى، وثبات الأهل ومساندتهم من أسباب الثبات والصمود، فعن الهيثم بن خلف الدوري أن محمداً بن سويد الطحان حدثه قال: "كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي فنكلمه ؟ قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، ثم قال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي فأوصهم، فظننت أنه ذهب يتكفن ويتحنط ثم جاء فقال: ذهبت إليهن فبكين. وجاء كتاب ابني عاصم من واسط: (يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت"، وتربية الأهل والأقارب على المشاركة يكون بطرق هذا الموضوع مراراً وإرشادهم إلى أسباب الثبات، وطرح أمثال هذه القصص معهم.




11ـ إدراك أن كيد المبطلين ضعيف، وأن العاقبة للمؤمنين
إن كيد القوة العالمية من الجن والإنس داخل تحت مشيئة الله وقهره، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (112) سورة الأنعام.

وهذا يكسب المؤمن الثقة بالله والاستهانة بأعداء الله واحتقار مكرهم وكيدهم مهما بلغ، ومع أن الله سبحانه وتعالى قد وصف مكر الكافرين بأنه كبير، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ (22) سورة نوح، وقال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (46) سورة إبراهيم.

إلا أنه سبحانه قال في مقابل ذلك: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (30) سورة الأنفال، وقال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (26) سورة النحل، وقال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (76) سورة النساء، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (18) سورة الأنفال، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (25) سورة غافر.

ولذلك فلا بد من إزالة رهبة الأعداء من قلوب المؤمنين، وزرع الثقة بالله عز وجل وبوعده الكريم للمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (128) سورة الأعراف، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (49) سورة هود، وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ﴾ (135) سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (47) سورة الروم، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (41) سورة العنكبوت.




يقول سيد قطب (إنه تصوير عجيب لحقيقة القوى في هذا الوجود، الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحياناً، فيسوء تقديرهم لجميع القيم) إلى أن يقول: (قوة الله وحده هي القوة، وولاية الله وحده هي
الولاية، وما عداه فهو واهن ضئيل هزيل مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل. إنها العنكبوت وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (41) سورة العنكبوت, وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرضون للفتنة والأذى وللإغراء والإغواء، لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة وهم يواجهون القوى المختلفة، هذه تضربهم وتحاول أن تسحقهم، وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم، وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة وحين تعرف حقيقة القوى تحسن التقويم والتقدير).

12ـ الدعاء
سلاح المؤمن الذي يشهره في وجه كل مصيبة وبلاء، والله سبحانه وتعالى قد وعد بإجابة الدعاء عموماً، فكيف ممن نزل به البلاء وصبر عليه في ذات الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (62) سورة النمل.
قال ابن القيم رحمه الله: (والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وله مع البلاء ثلاث مقامات:
· أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
· أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن يخففه وإن كان ضعيفاً.
· أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.

وموضوع الدعاء مترامي الأطراف، وحسبنا منه ما له مساس بما نحن بصدده من الحديث عن الابتلاء وكيف يكون الدعاء عامل ثبات، ومن تطبيقات الدعاء في باب الابتلاء:
1ـ أن يدعو العبد ربه أن لا يبتليه.

2ـ أن يدعو العبد ربه أن يثبته عند الابتلاء وأن لا تكون البلية في دينه.
3ـ أن يدعو العبد ربه أن يخفف عنه البلاء.

والمبتلى حين يتوجه إلى الله بالدعاء لا بد أن يتذكر ويستحضر أنواه الابتلاء، وأسباب التخاذل، وثمار الابتلاء وهي موضوع هذا البحث – فيسأل الله أن يعافيه من الأنواع التي هو واقع فيها، وأن يكفيه شر ما لم يقع فيه، وأن يرزقه الثبات والصبر والاحتساب، وأن يكون هذا البلاء مطهرة لذنوبه ورفعة لدرجاته، ومع هذا كله لا بد أن يكون القلب حاضراً قوياً موقناً بالإجابة، محسناً الظن بالله تعالى، مع انتفاء موانع الإجابة.

قال ابن القيم رحمه الله (والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تاماً لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به الكناية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير. فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر).

وعموماً فالدعاء ركيزة وعامل مهم في الثبات عند الابتلاء، يبعث في النفس طمأنينة وراحة تعين على الصبر، والله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يدعوه إذا نزل بهم البلاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ # فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (76) سورة المؤمنون، إذاً فلا ينبغي أن يغفل عن الدعاء عند الابتلاء، فالله قد لام تلك الأمم على هذا الصنيع، ومدح قوم يونس لما أنابوا إليه، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (98) سورة يونس.




13ـ هوان المصيبة في ذات الله:
قال خبيب بن عدي y وهو يجود بروحه في سبيل الله، لما صلبه المشركون في مكة:

ولست أبالي حين أقتل مسلماًوذلك في ذات الإله وإن يشأ


على أي جنب كان في الله مصرعييبارك على أوصال شلو ممزع

قال الإمام أحمد بن حنبل: (ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، فقوى قلبي).

وقال عمران بن عبد الله الخزاعي: (أرى نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب).

قال ابن حجر: (وجه عمر y جيشاً إلى الروم وفيهم عبد الله ابن حذافة السهمي فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصر أشركك في ملكي، فأبى, فأمر به فصلب وأمر برميه بالسهام فلم يجزع، فأنزل وأمر بقدر فصب فيها الماء، وأغلي عليه، وأمر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، قال ردوه، فقال: لم بكيت ؟ قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله، فعجب وقال: قبل رأسي وأنا أخلي عنك، فقال: وعن جميع المسلمين: قال: نعم، فقبل رأسه فخلى بينهم، فقدم على عمر فقام فقبل رأسه).

14ـ مصاحبة خيار الناس
وخاصة أهل الثبات، والاستعانة بآرائهم وتجاربهم وإرشاداتهم وقت البلاء والصحبة الصالحة مطلب مهم وإن شابها ما يجرح النفس ولا يوافق الهوى، فقد قال رجل للحسن البصري: إنا نصحب أقواماً يخافوننا حتى تكون قلوبنا كقلوب الطير، فقال الحسن: لأن تصحب أناساً يخوفونك

حتى تدرك أمناً خير لك من أن تصحب ناساً يؤمنونك حتى تدرك خوفاً.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (83) سورة النساء.

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله عن تفسير هذه الآية: هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة مما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخرف الذي فيه مصيبة عليهم أن يثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة الخبر، بل يردونه إلى الرسول r وإلى أولي الأمر منهم: أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها).

ومما يدلنا على فوائد الصحبة الصالحة وأهميتها أن غيابها يؤدي إلى أضرار منها:
1. انفراد الشيطان بالعبد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
2. عدم وجود من يوجه وينصح ويعظ عند حصول التقصير في الطاعات والعبادات، وهذا بدوره يؤدي إلى ضعف الإيمان ومن ثم عدم الثبوت عند البلاء.
3. عدم وجود من يعين على الثبات في مواجهة البلاء إذا نزل، سواءً برأيه ومشورته، أو بنصحه وتذكيره، أو بنفسه وماله... إلخ.
4. غياب الأسوة والقدوة من الذين وقع بهم البلاء فصبروا وثبتوا فتكون صحبتهم فرصة للتعلم منهم كيف يكون الثبات.
كما أن غياب الأسوة والقدوة يؤدي بالمرء إلى قلة البذل والعطاء والعمل لهذا الدين، وهذا بدوره يقلل من فرصة الثبات، وهو ما سنتحدث عنه في النقطة التالية.

15ـ العمل للدين
هذا العامل مهم جداً وأثره البالغ بلا شك.
إن من المسلم به أنه لو بنى رجل بيتاً بذل فيه وقته وجهده وماله، وأحبه وارتاح له، ثم جاءه من

يساومه على هذا البيت بثمن قليل، أو هدده بأخذه أو النيل منه أو غير ذلك من أنواع الأذى. فإن هذا الرجل لن يتنازل ولن يستسلم ولو كلفه هذا الموقف الكثير. وكيف يتنازل عن هذا البيت وهو بالنسبة له كل شيء، بذل فيه ماله وجهد ووقته، أما لو كان هذا البيت لم يكلف شيئاً يذكر لا مالاً ولا جهداً ولا وقتاً، ثم جاء من يساوم عليه أو يهدد باغتصابه، فإن صاحبه سيتنازل عنه بأسرع وقت كي يدفع عن نفسه المشكلات، وقل مثل هذا في العمل لأجل هذا الدين العظيم.

بقدر ما يبذل الإنسان لهذا الدين من الوقت والجهد والمال والعاطفة، بقدر ما يكون عنده غالياً وبقدر ما يثبت عليه، ولا يتنازل ولا عن جزئية منه.

ثم إن الله سبحانه وتعالى يوفقه للصبر والثبات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (69) سورة العنكبوت، وهذه الآية هي خاتمة سورة العنكبوت التي افتتحت بذكر البلاء والفتنة، يقول سيد قطب رحمه الله (ويختم السورة بصورة الفريق الآخر، الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه، ويتصلوا به، الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا، الذين صبروا على فتنة النفس وفتنة الناس، الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع إيمانهم ولن ينسى جهادهم، إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم، وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم، وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء).

* من كتاب الابتلاء وعوامل الثبات.





الثبات

وحين قام الصحابة y بنصر الدين وإعلاء كلمة التوحيد والقيام بحقوقها وسارعوا إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وتطبيق شرع الله في أرضه والحكم بالعدل بين الناس؛ مكنهم الله في الأرض واستخلفهم فيها ونصرهم على عدوه وعدوهم.

ـ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
ـ وقال تعالى مؤكداً هذا النصر: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
ـ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ـ وهذا النصر لم يأت للمؤمنين بمجرد التمني والتحلي فحسب! وإنما تحقق بالقيام بنصرة الدين فالله U ينصر عبده الذي ينصر دينه ومن نصره الله فلا غالب له قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وأكبر عُدّة للمؤمنين وزاد على الكافرين والمجرمين هي تقوى الله U وإصلاح النفس ظاهراً وباطناً وهذا لا ينافي الأخذ بأدوات النصر فقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

ـ ولكن أعظم عوامل النصر وأجل مقِّوماته هو وجود المؤمنين الصادقين فقد قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأْبْصَارُ﴾، وقد نصر الله U نبيه محمداً r يوم الغار بلا جيش ولا سلاح ونصر الله U رسوله r وأصحابه y يوم بدر بالملائكة، ونصر الله U رسوله r وحزبه المؤمنين يوم الأحزاب بالريح والجنود وغير ذلك من نصر الله U لجنده وحزبه بعوامل النصر الكثيرة، فالشأن كل الشأن في وجود فئة مؤمنة تفهم الإسلام فهماً صحيحاً تعيش معه في كل مجالات الحياة وتقيم في

ظله شعباً صادقاً يعرف الحق من الباطل والإسلام من الكفر لا يتنازل عن عقيدته ومراميه ولا يقبل المساومات والإغراءات للتنازل عن ذلك مهما أُوذي وعذب وسجن، وما هي رزية ولا خسارة أن يؤذى أحد أو يقتل في سبيل دينه وعقيدته والثبات على دعوته وأفكاره وأقواله، وقد توعَّد فرعونُ السحرة حين آمنوا بربهم وهدّدهم بالقتل فما استكانوا لفرعون وما وهنوا وما ضعفوا ولم يكن من أمرهم إلا أن: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا # إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

ـ فالإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب لا يلوي على الباطل ولا يتحول عن الحق مهما كان الابتلاء من الضرب والحبس أو القتل أو الابتلاء بالسرّاء من الإغراءَات بالمال والمنصب والجاه.

ـ وفي صحيح البخاري (3612) من طريق إسماعيل عن قيس عن خباب بن الأرت t قال: (شكونا إلى رسول الله r وهو متوسد بُرْدة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَرُ له في الأرض فيجعل فيه فيجاءُ بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليُتمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)، فالفتن والمحن لا تزيد المؤمنين ولا سيما العلماء منهم إلا إيماناً بالله وتسليماً له قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأْحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً﴾، وقد قيل كم من محنة انقلبت منحة، وهذا حق فكم من عالم قتل بنوايا خبيثة ومرامي سياسية فعاشت أفكاره وأقواله بين الناس وأصبحت شجْنة من بعده في أبناء المسلمين والأمثلة والأدلة على ذلك كثيرة.

ـ المهم أن نقول الحق ولا نلبسه بالباطل وأن نصدع بما نعلمه ديناً وشريعة وعقيدة ومنهجاً قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأْعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقد روى مسلم في صحيحه

(3005) من طريق حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي r في قصة الملك والساحر والراهب والغلام.. الحديث وفيه (ثم جيء بالغلام أي إلى الملك فقيل له ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهمُ الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرْقُورة فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال كفانهيم الله فقال للمَلِكِ: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمُرُك به قال وما هو؟ قال تجمَعُ الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كِنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صُدْغِه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرُك قد آمن الناس فأمر بالأُخدود في أفواه السكك فخُدّت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءَت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أُماه اصبري فإنك على الحق).


* من كلام الشيخ: سليمان العلوان حفظه الله.




مواقف إيمانية في الثبات على الحق:

1ـ موقف السحرة في الثبات على الحق:
والسحرة هم الذين أتى بهم فرعون من أجل أن يبرهن للناس على أن موسى عليه السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام ما هو إلا ساحر, فأرسل في المدائن حاشرين يأتون بكل سحار عليم، وقيل للناس: هل أنتم مجتمعون لعلنا تنبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، وأتى السحرة بهممهم الدنيئة ونظرتهم القاصرة، وحبهم للشهوات والأعراض الدنيوية يقولون لفرعون ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (113) سورة الأعراف.

وفرعون يعرف طبائع هذا الصنف من البشر، إنهم الذين يعضدون ملكه، ويحمون سلطانه، ويعملون في دواوينه، فيقول لهم فرعون مطمئناً لهم ومبشراً ﴿قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (114) سورة الأعراف.

أي لكم ما تشتهون من الأموال والعلاوات، ولكم كذلك من الرتب والدرجات ما تتطلع إليه نفوسكم وتطلبه عقولكم فلما اطمأن السحرة على مصالحهم الدنيوية ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (115) سورة الأعراف. فخيروا موسى عليه السلام إظهاراً لتفوقهم وجلادتهم، فلم يبالوا بتقدمه أو تأخره ﴿قَالَ أَلْقُوْاْ ٍ﴾ (116) سورة الأعراف وهذا من آداب المناظرة، أن يطلب المناظر من خصمه أن يلقي بحجته أولاً ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (116) سورة الأعراف.

وفي موطن آخر قال الله عز وجل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى &قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى & وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ سورة طـه.


قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (117) سورة الأعراف فانقلبت عصا موسى إلى حية كبيرة عظيمة، وإذا بها تبتلع حبال السحرة وعصيانهم التي خيل للناس من سحرهم أنها تسعى، والسحرة سحرة، يعلمون أن ما أتى به موسى عليه السلام ليس من السحر وإنما هو معجزة نبي، عند ذلك ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِين & قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ &رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ سورة الأعرافَ.

والطواغيت والجبابرة كما أنهم يتحكمون في ظاهر العباد فيقتلون من أرادوا، ويسجنون من أرادوا، ويبعدون من أرادوا، سيظنون أن لهم سيطرة وهيمنة كذلك على بواطن العباد، فلا يجوز لهم أن ترتعش قلوبهم بالإيمان أو تتحرك وتهتز بمحبة الرحمن إلا بعد إذن الطواغيت، فقال فرعون متهدداً متوعداً: ﴿آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ & لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سورة الأعراف.

وهكذا الطواغيت في كل زمان ومكان، يلجأون إلى ميدان البطش والتنكيل إذا هزموا في ميدان المناظرة والبرهان العملي.

وانظر إلى السحرة بعد أن تحركت قلوبهم بالإيمان كيف صاروا أصحاب عزيمة وأبطال مواقف، يرفعون راية الإيمان، ويضحون بأنفسهم، ولا يتنازلون عن الرتبة التي رفعهم الله إليها بالإيمان، يقول لهم فرعون ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ سورة الأعراف، وقالوا في موضع آخر ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (72) سورة طـه .

كيف تغيرت القلوب الإيمان، وكيف تغيرت الأقوال والأفعال بالإيمان، وكيف تغيرت الأهداف والتصورات بالإيمان، ألم أقل إن الإيمان قوة عظيمة، ونعمة كبيرة، تغير الأقوال والأعمال والأهداف.

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله (وهو أستاذ في تحليل المواقف الإيمانية).
إنه التعذيب والتشويه والتنكيل وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان، وعدة الباطل في وجه الحق الصريح.

ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان. تستعلي على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على الحياة، وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم، إنها لا تقف لتسأل ماذا ستأخذ وماذا ستدع، ماذا ستقبض وماذا ستدفع؟ ماذا ستخسر وماذا ستكسب؟ وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات؟ لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك، فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق.

إلى أن قال رحمه الله:
إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية، بإعلان إفلاس المادية التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز، وتمني بالقرب من السلطان، هي ذاتها التي تستعلي على فرعون، وتستهين بالتهديد والوعيد.

ويذهب التهديد ويتلاشى الوعيد، ويمضي الإيمان في طريقه لا يلتفت ولا يتردد ولا يحيد.

ومن النماذج المعاصرة:
الشاعر محمد عواد رحمه الله في السجن الحربي:
إن الأبطال الشجعان الذين يتحلون بالإيمان ينضخون طيباً، فكلامهم طيب، وهيئتهم طيبة وسيرتهم طيبة، من رآهم أحبهم، ومن سمع عنهم اشتاق إلى رؤيتهم، إنهم يؤهلون للشهادة والسعادة، تنم كلماتهم عن قوة إيمانهم، ورباطة جأشهم وتشهد مواقفهم بمحبتهم لربهم، والذي معنا بطل من أبطال الإخوان المسلمين جزاهم الله خيراً على صبرهم وجهدهم، وجهادهم وأقر أعينهم بجنة ربهم، وصحبة نبيهم، أنه أحد الأبطال الذين ذاقوا ألوان العذاب في سجون ناصر – لعنة الله على الظالمين – وعامله الله بعدالة، وقسم لنا من رحمته وفضله –

هذه كلماته رحمه الله:

يا دعوة الإسلام لن أنساكيا دعوة الإسلام نورك عمّنايا دعوة الإسلام إنك مجدناأين الأمين أبو عبيدة فاتحاًفالعدل والإحسان فيك شريعة


لا لن أميل على هواي هواكوالصبح والإشراق بعض سناكوسبيلنا بالرغم من أعداكباب العدو بجيشه الفتاكوالسلم والإسلام من أسماك

لقد امتلأت نفس الشاعر محمد عواد وجيله عزماً وتصميماً على الصبر والثبات، والتضحية في سبيل بقاء الدعوة حية في النفوس، وكان إيمانهم بربهم حماية لهم من كل خوف، وبقيت الدعوة حيةً في النفوس، وبقي الإخوان تربطهم ببعضهم رابطة الأخوة، ويجمع بين قلوبهم الحب حتى في أحلك سنين الظلم.

يقول الأستاذ سليم العفيفي في حديثه الذي أدلى به إلى جابر رزق:
(بعد إلقاء القبض علي صحبوني إلى السجن الحربي، وساقوني مع غيري إلى ساحة التعذيب أمام مكتب العقيد شمي بدران وزبانية السجن الحربي، وبدأ الجلادون يمزقون أجسادنا بالسياط، وكان الوقت ليلاً وفجأة رأينا صفوت الروبي جلاد السجن الحربي يسوق أماه ساباً عرفنا أن اسمه محمد عواد، يعمل مدرساً بوزارة التربية والتعليم، ومن قرية الزوامل محافظة الشرقية، تقدم الجلاد صفوت الروبي من قائد الشرطة العسكرية العميد سعد زغلول عبد الكريم قائلاً في زهو:
هذا هو المجرم محمد عواد... يا أفندم.
لقد سلك الجلادون سمع عواد أبشع صور التعذيب التي فاقت في وحشيتها ما فعل على أيدي الأعداء بالمسلمين الأوائل: أمثال عمار بن ياسر، وبلال، ومصعب بن عمير وغيرهم.

والحق أن مثل هذه الأساليب الوحشية لم تزد البطل عواد إلا صلابةً، وظهر منه الثبات

والمصابرة وقوة الإرادة، وما كان البطل يزيد على قوله وهو يعذب: يا مقلب القلوب ثبت فلي... أعني... لا تفتني، وما أن سمعه كبير الجلادين حتى ركله بقدمه، وأخذ سوطاً وأهوى به عليه، وانهال عليه ضرباً وبعد أن أعياه التعذيب أمره الجلاد أن ينهض، فحاول ولكن لم يقو.. خانته قواه، وحاول مراراً فلم يستطع.

ونادى الجلاد زبانيته وأمرهم أن يوثقوه بالحبال، ثم سأله: تكلم. اعترف.

قال: بم أتكلم؟ وعلى أي شيء أعترف؟ أنا لا أعرف شيئاً فأمر الجلاد أن توضع رأسه في الحوض (به ماء قذر) وأن ترضخ في جدار الحوض، وتكرر هذا العمل الإجرامي البشع، حتى اختلط الدم بماء الحوض، وتركوه في الحوض وما هي إلا لحظات حتى فاضت روحه إلى باريها.

والشجاعة صبر ساعة، والشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة، فهنيئاً لمن وفق للثبات على دين الله عز وجل، وبذل عمره من أجل أن تحيا دعوة الإسلام، ويعلو دين الملك العلام، وما جفت أرض الإسلام من دماء الشهداء، فنسأل الله أن يوفقنا لشهادة في سبيله، مقبلين غير مدبرين، والحمد لله رب العالمين.



* من كتاب مواقف إيمانية لأحمد فريد.





فصل
في مدح القوة والشجاعة، وذم الجبن والعجز،
وبيان حقيقتهما، وكيفية علاجهما،

ثبت في الصحيحين عن النبي r أنه قال (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز).
وثبت في غير ما حديث أن النبي r كان يتعوذ من الجبن.
ففي الصحيحين، عن أنس t، قال: كان رسول الله r يقول (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات).
وفي رواية البخاري، عن أنس، قال: كنت أخدم النبي r فكنت أسمعه يكثر أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال)، ضلع الدين بفتح الضاد المعجمة، واللام جميعاً – هو: شدته وثقل حمله.

وما أحسن جمع النبي r في تعوذه بين الهم والحزن: لأن الهم عبارة عن خوف ما يتوقع من الحالات، والحزن في الغالب عبارة عن الأسف على ما فات.

وبين العجز والكسل: لأن العجز ضعف الغني عن شهود قدرتها على ما يراد، والكسل ضعف البدن عن أداء ما وجب على العباد.

وبين البخل والجبن: لأن البخل عبارة عن عدم الجود بالمال والجبن عدم السماحة بالنفس في القتال.

وبين ضلع الدين وغلبة الرجال: لأن ضلع الدين هو غلبته على الباطن بشدة الاهتمام، وغلبة الرجال هو استيلاؤهم على الظاهر بقهر الاحتكام، وليس هذا بعجيب ممن أوتي جوامع الكلم r.

وفي الصحيحين أيضاً عن مصعب بن سعد: قال: كان سعد يأمرنا بخمس ويذكرهن عن رسول الله r، أنه كان يأمر بهن: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا – يعني فتنة الدجال – وأعوذ بك من عذاب القبر).

وفي بعض طرق البخاري عن سعد t: (كان النبي rيعلمنا هؤلاء الكلمات، كما تعلم الكتابة)، وفي بعضها (أن رسول الله rكان يتعوذ بهن دبر كل صلاة).

وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله r يقول: كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر).

فـصـل
اعلم أن الجبن هو ضد الشجاعة، والشجاعة عبارة عن ثبات القلب على عزمه، فيما يتوجه إليه مما يراد منه، وهو الأصل في اكتساب كل كمال، والفوز بكل مقام عال ٍ، ولا يمكن ثبات القلب إلا مع سلامة العقل والمزاج، لاعتدال الطبع فإن ضعف القلب لقصور في القوة وتفريط، كان ذلك سبب الجبن، وإن أفرط في القوة، وخرج عن الاعتدال كان ذلك سبب التهور، وكلاهما مذموم، والمطلوب اعتدال القلب بين التفريط والإفراط، وذلك الاعتدال وهو سبب الشجاعة ومنشؤها ويلزم الجبان أن يعالج الجبن بإزالته علته وعلته:
إما جهل فيزول بالتجربة، وإما ضعف فيزول بارتكاب الفعل المخوف مرة بعد أخرى، حتى يصير ذلك له عادة وطبعاً، فإننا وجدنا المبتدئ في المناظرة والإمامة والخطابة والوعظ، والوقوف بين يدي الملوك – مثلاً – قد تجبن نفسه، ويخور طبعه، ويتلجلج لسانه، وما ذاك إلا لضعف قلبه، ومواجهة ما لم يتعوده، فإذا تكرر ذلك منه مرات، فارقه الضعف، وصار الإقدام على ذلك الفعل ضرورياً له غير قابل للزوال.



إذ الأخلاق الطبيعية قابلة للتغيير والتبديل عند الجمهور وحسبك دليلاً على ذلك، ما تراه من إقدام صبي الحوا على مسك الحية العظيمة، المهولة المنظر من غير خوف ولا جزع، وفرار البطل الشجيع وخوفه منها، وعدم إقدامه على مسكها، وما ذاك إلا لكثرة ملابسة الصبي لهذا الفعل، وتد